العنوان أسباب السقوط من قطار الدعوة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1981
مشاهدات 117
نشر في العدد 541
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 01-سبتمبر-1981
قبل الخوض في هذه القضية لا بد أن نذكر أن دوام الحال من المحال، وأن الذي يتحرك ويتكلم لا بد أن يخطئ، وأن أصناف الناس في قطار الدعوة أهم أصناف الناس في المجتمع، فيهم الضعيف وفيهم القوي، كذلك الكريم والبخيل، والمتجرد والخلط، والإمعة والقائد، والعصي والمطيع. لكن هذه الأصناف في قطار الدعوة قد لاقت قسطًا من التربية والتهذيب، لذلك الصفات الناقصة التي ذكرناها ليست مطلقة فيهم، بل عملت على تهذيبها واقتلاع كثير من شوائبها أصابع المربين من الدعاة. كذلك من الأمور التي يجب على الدعاة ألا يجزعوا منها هو سقوط بعض الدعاة من قطار الدعوة، وإن كانوا بمن علت صفاتهم في سلم الدعوة، وألا يتعجبوا من ذلك ويصفوا الدعوة بالقصور والنقص بسبب تخلي هؤلاء عن المسير. فقد كان خير البرية وسيد البشر -صلى الله عليه وسلم- يدعو في سجوده: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». وعلى ذلك من رأى ساقطًا من طريق الدعوة فليحمد الله تعالى العافية ويسأله الثبات ويقول: «الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا ممن خلق».
* أسباب السقوط:
السبب الأول: الكِبر
وهو داء فتاك حذرت منه الشرائع وكثرت فيه الأحاديث والأقوال من سلفنا الصالح. وعلى ذلك نرى أن السبب الرئيس في سقوط إبليس من صفوف الملائكة بعد ارتفاعه عن عالم الجن هو الكبر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ (الأعراف: 13)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)، وهذا الأمر يأتي وفق نواميس الله تبارك وتعالى، ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الأعراف: 146)، وقضية الاستكبار مقرونة بالتكذيب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ (الأعراف: 40)، لذا وصف الله عبادة بعدم الكبر، فقال سبحانه:﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (الأعراف: 206).
ومن هذه الآيات كثر ذكره في القرآن لخطورة القضية وأهمية بيانها في الحس الإسلامي، كما أن بداية هذا المنزلق لا تبان إلا بعد المضي في الطريق المنحدر لوجود التأويلات السالفة المتبادلة إلى الذهن في أول الطريق. ومن الصور التي يبدأ بها الداعي في الانزلاق في طريق الكبر:
أ- أنه لماذا يكون فلانًا بالذات هو المسؤول، ما هي صفاته التي تؤهله لذلك، لماذا أشاركه في تخطيطاته السطحية البسيطة... إلى غير ذلك من التساؤلات التي تريد أن تقدح بشخص وكفاءة المسؤول.
ب- التكبر على خطة الدعوة والبرنامج المرسوم للمسيرة في أي مرحلة من المراحل، واتهامه بالتهور، أو الضعف، أو السطحية والسذاجة، أو أن هناك أخطاء شرعية لا يستطيع أن يذكر أدلتها، ولكنه يحس بها، فإذا شارك في المسيرة بهذه الخطة فكأنما عمل على إشاعة المنكر، أو على إيجاده.
هاتان صورتان على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، والسقوط بسبب الكبر منه ما هو سقوط مركب قد يخرج الإنسان من دائرة الإسلام، ومنه ما هو سقوط بسيط يخرج الإنسان من دائرة المجاهدين العاملين إلى دائرة المسلمين الخاملين.
وقد ذكر لنا القرآن وذكرت لنا السيرة أنواعًا من الكبر المركب، فهذا إبليس كما ذكرنا ينحط من مراتب العباد إلى أسفل درجات الكفر والعناد، ومبدأ التحول في حياته أنه قاس قوة النار إلى قوة الطين فوجد أن تفضيل النار على الطين هو الذي يجب أن يكون لا العكس، فعندما أتى الأمر الرباني بخلاف ذلك عصِي وتكبر، وأعلن بقوله وسلوكه العملي أنه أعلم من الله من حقيقة التمييز فطُرد وكان من المبعدين.
أما السيرة فتذكر لنا حوادث كثيرة منها قصة جبلة بن الأيهم يطوف في بيت الله وهو بنفسية الملك لا بنفسية العبد لله تبارك وتعالى، فيطأ عبد من عباد الله ثوبه من غير قصد فينسى أنه عبد الله وتطير في نفسيته أنفة الملوك فيضرب المسلم، فيكظم العبد المسلم أنفاسه وغيظه ويذهب إلى الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فيحكم أمير المؤمنين بحكم الله -القصاص-، فيبدأ الميزان البشري يعمل في تفكير الملك: أيضربني وأنا الملك وهو من السوقة؟! فيكون هذا التفكير بداية الانزلاق، فيهرب الملك من حظيرة الإسلام فيكمل طريق الهاوية ويلتقي إبليس من السفح ويخسر الدنيا والآخرة بعد أن تكبر على أمر الله سبحانه -القصاص-!
* السبب الثاني: الخوف على الأولاد والأهل والنفس والرغبة في معونة الجاهلية.
وهذا السبب يخالج أصحاب الدعوة في فترة يضعف فيها اليقين بأن الآجال مكتوبة وأنها بيد الله، والأرزاق معينة قبل خلق الناس بخمسين ألف سنة، فنسيان هذه القضية مع زحمة العمل والتكاليف تجد الإنسان يبدأ بالانزلاق وهو لا يشعر. وقد حدثنا التاريخ في ذلك قصصًا نذكر منها قصة ذلك الرجل البدري الذي قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- عنه وأصحابه لعمر: «ما يدريك يا عمر أن الله قد نظر إلى أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم». حاطب بن أبي بلتعة الرجل الذي تلقي التربية الإيمانية في مدرسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضعف ويكاد ينزلق إلى الهاوية لولا أن تداركه رحمه الله الرؤوف الرحيم، فتراه يبادر بالخيانة العظمى في غزوة الفتح ويرسل رسالة إلى كفار قريش يخبرهم بمسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، فتكون العناية الربانية فيخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسترد الرسالة ويمسك الرسول المبعوثة العجوز، وينجو حاطب من الانزلاق بشفاعة سبقه في الإسلام وقتاله في بدر، فيكون الاستجواب النبوي الرحيم لحاطب، ومن خلف هذا الاستجواب غليان الفاروق عمر -رضي الله عنه- مع سيفه المغمود المنتظر لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنفيذ حكم الإعدام. فيبدأ حاطب في ذكر سبب فعلته، وأنها ليست نفاقًا ولا ردة، بل ضعف بشري ورغبة بأن يكون له حظ عند صناديد قريش بعد انتهاء المعركة. فيستغفر حاطب ويقبَّل رسول الرحمة توبته وتُطوى القضية لتكون درسًا للأجيال القادمة، وإشارات حمراء إليها.
وعلى ذلك يأتي المنهج القصصي القرآني في التربية، فيذكر في سورة القصص قصة موسى عليه السلام ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون، وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الآيات: 10-15).
فهذا الاحتياط الذي عرضه موسى مع أنه للدعوة لا للداعية، لما علمه الله من موسى أجابه إلى ما سأل، ثم جاء الرد الحاسم لهذه القضية واستخدم لفظ استعماله يكون للردع «كلا» ففي هذا اللفظ نفي للمخاوف نفيًا شديدًا، ولمَ لا يكون ذلك والله مع الدعاة يسمع ويرى! فالدعوة لله والمنهج من الله والعناية فضل ومنة من الله، فلمَ الخوف والرهبة!!
وهذا المنزلق قد يقع به قطار الدعوة فيسقط بكامله، وقد تنفلت أقدام من القطار معه. ومن صور ذلك:
أ- أن يقول الدعاة أن السلطان الفلاني هو أخف العصاة الموجودين في الساحة، فلو أني استجبت له في بعض الأمور، وأعلمته ببعض الأشياء لكنت أجده في وقت الشدة عند ضربة المجرمين الآخرين، فيبدأ بتكوين العلاقة، فيكون الانحدار...!
ب- وصورة أخرى أن نجد بعض الدعاة يحاولون أن ينزلقوا إلى أهل الوجاهة والسلطان، ويقدم بين أيديهم حتى إذا كانت ضربة لا قدر الله على الحركة كانت له مكانة ينجو من خلالها، وهنا تزل قدم بعد ثبوتها.
* السبب الثالث: العلم
فمن يأتي إلى قطار الدعوة، ويأخذ في أسباب العلم والمعرفة، هنا ينبهر بأول شعاع من نور المعرفة ويظن أنه قد حصل على مشارف العلم وأمسك بها من أطرافها، ويبدأ الغرور يدب إليه، فيبدأ بالاستنباط والإفتاء والتصدي للقضايا التي تواجه الدعاة ويعطيها الأحكام التي يرى أن الحق لا يتعداها. وهنا قد يتساءل الكثير: أليس العلم هو الطريق للعبادة الصحيحة؟ ألم يميز الله أهل العلم بأنهم أهل الخشية والمخافة من الله؟ نقول نعم، وهذا صحيح فالعلم وسيلة للعبادة الصحيحة، وكذلك للخوف من الله، فهو إذًا ليس غاية في ذاته، فكما هو وسيلة للخير قد ينحرف صاحب العلم عن الطريق الصواب فيكون العلم وبالًا على صاحبه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (الجاثية: 17). وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (الجاثية: 23). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (الجاثية: 19).
وهذه قضية تحتاج إلى اجتهاد ونظر للتوفيق بين النصوص، وقد نظرت كثيرًا فقلت: والله أعلم أن النية أساس كل عمل في دين الله تعالى، وطلب العلم هو نوع من العبادة، ولكن العلم كغيره من العبادات قد ترد على صاحبها وتكون وبالًا عليه في الدنيا والآخرة، كما في حديث الثلاثة الذين أول ما تسعر بهم النار يوم القيامة. فعلى هذا فالنتيجة المترتبة على المقدمة تكون تبعًا لحقيقة هذه المقدمة، فإذا كان طلب العلم أساسًا لله تبارك وتعالى بارك الله لصاحبه فيه فزاده خشية وخوفًا ونورًا يرى به الطريق إلى الله سبحانه، وإذا كان لغير الله ليقال إنه عالم فهذا يذيقه الله نار الفتنة. والسقوط في الدنيا قبل الآخرة نسأل الله العافية.
ومن صور الانزلاق في هذا المنحدر:
أ- ما من شك أن كثيرًا من مسائل الفقه الفرعية فيها أكثر من رأي للعلماء نتيجة لوصول النصوص أو صحتها عند بعضهم دون الآخرين، أو لطبيعة الفهم والاستنباط إلى غير ذلك فما هو مبسوط في محله، أقول نتيجة للعلم ومعرفة الآراء عند العلم وأدلتها يبدأ الداعية في وسط قطار الدعوة، نتيجة للطبائع البشرية فيه من حب البروز، وعدم الانقياد، والتعالي على الغير. نتيجة لهذه الأمور يبدأ -من تنفلت قدماه في منزلق السقوط- بتبني الآراء المخالفة لرأي الجماعة التي هو فيها، يبدأ بالأمور الفرعية ثم ينساب مع استهواء الشيطان إلى ركائز العمل الإسلامي ومن غير أن يشعر يرى أنه في تفكيره واستنباطه خارج قطار الدعوة، وأن القطار قد فاته بمسافة تحتاج منه إلى جهاد كبير ليلحق به فيعجز ويرضى بالقعود!
السبب الرابع: افتراض الصواب المطلق في الرأي الشخصي
ما من شك أن الداعية الحي النشط في الجماعة هو الذي يبادر برفع الآراء، واقتراح الأسباب الناجحة لسير العمل، والعيش مع الدعوة في مشكلاتها وصراعاتها، فإلى هذا الحد فالأمر طبيعي، بل وممدوح السير فيه، ولكن بغفلة نتيجة لزحمة العمل وتكالب الجاهلية وضراوة الصراع نرى بعض الدعاة بحسن نية يعرضون الرأي ويتعصبون له، ويبدأ ينافح عنه، فإذا تداركته رحمة الله رجع إلى أسسه التي تربي عليها، وفهم حقيقة الاقتراح، وأنه لا يعدو كونه رأيًا مرفوعًا من ضمن آراء كثيرة رفعت من بقية الدعاة، ورجع إلى القاعدة الأصولية التي تقول أن الخطأ لا يكون صوابًا مع حسن النية، أقول: لولا هذا الرجوع سيكون هذا التعصب بداية السقوط.
ولنا في هذا المجال قصة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في الحديبية، حيث إنه رأى أن الرأي ليس فيما اتخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- بل في القتال، وأخذ يعرض تصوره للموضوع بطرق مختلفة ليقنع النبي صلى الله عليه وسلم بما يراه. وعمر -رضي الله عنه- في هذا الإلحاح، وإذا برحمة الله تبارك وتعالى تنطق الصديق بكلمات يهدأ روع الفاروق لها وإذا بالنعمة الإيمانية: «ألزم غرزه يا عمر» «ألزم غرزه يا عمر» وإذا بعمر الفاروق يسمع الكون ينادي بهذا النداء الرباني فيتدارك نفسه ويستغفر ويتوب ويظل مع كونه من المبشرين بالجنة، يظل يستغفر الله ويتصدق ويكثر من النوافل خشية أن تحبط تصرفاته في الحديبية جهاده وعمله مع النبي صلى الله عليه وسلم.
السبب الخامس: طول الجهاد وتأخر النصر
من القضايا التي يركزها المنهج القرآني في نفوس الدعاة إلى الله أن المطلوب منهم هو الجهاد والحركة عند إيمانهم بهذا المنهج إلى أن يتوفاهم الله سبحانه، أما النصر فهو من أمر الله إن شاء جعله في عصرهم وعلى أيديهم، وإن شاء أمضاه على أيدي الأجيال من بعدهم، وذلك مصدق قوله تعالى في سورة يونس آية 46: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. وقوله تعالى في سورة الرعد آية 40:﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.
أقول: مع زحمة العمل ينسى الإنسان هذا الأمر فيشتكي فلا يلقى من يثبته فتبدأ قدمه بالانزلاق، ومن صورة ذلك في التاريخ قصة خباب بن الأرت، فبعد أن اشتد إيذاء صناديد الكفر والشرك في مكة على عصابة الدعوة الأولى عمار، وبلال، وسمية... بعد هذا الابتلاء تحرك خباب بطبيعة البشر الطيني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له ألا تسنتصر لنا يا رسول الله، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- متكئًا على وسادة في الكعبة، فجلس عليه السلام وبدأ بالتوجيه التربوي لأفراد جماعته حفاظًا عليهم من الانزلاق فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).
وبهذا التوجيه وهذه المتابعة المستمرة من القيادة تثبت خباب وتثبت بثباته خلقًا كثيرًا ووصلت الدعوة إلى أجيال متلاحقة لا تعلم. وهذه القضية يجب أن يتعاهدها الدعاة، وخصوصًا في زماننا هذا الذي يرى الدعاة إلى الله فيه الأحزاب الأرضية تكون اليوم وإذا بها بعد فترة على رقاب الناس قد تسلطت، والدعوة الإسلامية تخرج من محنة لتدخل في محنة. فإذا رأى الدعاة هذا الأمر وطال بهم الأمد تبدأ ترتخي عضلات أرجلهم ويتساقطون في الطريق لم تكتنفهم عناية الله بتسخير دعاة الخير لمتابعتهم وتوجيههم.
وفي الختام أسأل الله مقلب القلوب والأبصار أن يثبت قلوبنا على دينه، وأقول: إن من يتساقط في الطريق هو بين أمرين:
الأمر الأول: أن يبرر سقوطه ويرمي اللوم والعتب والأسباب على الدعاة بأنهم أخطأوا في معالجته، أو أنهم خالفوا لوائحهم في تعاملهم معه، أو أنهم ليسوا على المستوى الذي يؤهلهم لإدارة الحركة... إلى غير ذلك، وهذا الذي يكون حاله فالغالب فيه أنه لا يرجع إلى قطار الدعوة وإن صلح حاله، وطاب أمره.
الأمر الثاني: ألا يبرر سقوطه، بل يعترف بتقصيره وأن الشيطان قد أخذ منه حظًّا، وأن نفسه التواقة قد ضعفت، وأنه في يوم ما سيرجع إلى دائرة العمل إن شاء الله. ومن يكون هذا حاله فاحتمال صلاح أمره ورجوعه إلى قطار الدعوة، وقد أتت حياة الدعوة منها أناسًا، وأسأل الله أن يرينا الباقي من إخواننا تتخضب لحاهم بدموع الدعوة راجعين إلى قياداتهم معترفين بتقصيرهم مجددين عهودهم، وأملنا بالله كبير. آمين والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل