; أزمة اليسار العربي في منظور الفكر اليساري | مجلة المجتمع

العنوان أزمة اليسار العربي في منظور الفكر اليساري

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1985

مشاهدات 72

نشر في العدد 699

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 08-يناير-1985

* المبالغة في العمل السياسي على حساب القرب من الناس.

* حوادث القتل والإعدام فيما بين الأطراف اليسارية مما جعل الجماهير لا تثق بها.

* الكاتب الشيوعي محمود أمين العالم يحدد أسباب عزلة اليسار عن الجماهير.

كيف نشأ اليسار: ظهر هذا المسمى لأول مرة في فرنسا قبيل الثورة الفرنسية حين تجمع عدد من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية المعارضين للملكية واحتلوا المقاعد اليسرى فقلدهم بعد ذلك المعارضون لحكوماتهم في برلمانات الغرب، فأصبح اليساري هو المعارض السياسي الساعي إلى إسقاط حكومته. ولما كانت الحكومات في الغرب تقوم على النظام الرأسمالي فقد تبلورت لدى اليساريين في مطلع القرن التاسع عشر أفكارًا اشتراكية، تدعو إلى المساواة بين الناس في الرخاء الاقتصادي الناتج عن التطور الصناعي الهائل والسيطرة الاستعمارية الغربية على الشعوب المغلوبة.

وحين استلم اليساريون الحكم في بعض هذه البلدان عطلوا البرلمانات وكبتوا الحريات، ومن سمح منهم بقيام برلمان جلس في أقصى اليمين يدافع عن سياسة حكومته الاستعمارية ولم ينهض يساري واحد مطالبًا حكومته بمنح الشعوب المستعمرة حق تقرير المصير والتحرر من الاستعمار.

وهكذا أصبح اليساري يمينيًا وأصبح اليميني يساريًا وظهر في كل جانب يمين ويسار، فاختلطت المفاهيم وتعددت المسميات وكلها ترفع شعارات وتتخذ مواقف سرعان ما تتراجع عنها أو تسلك سلوكًا مغايرًا لمدلولها.

وإذا كان الكيان اليهودي في فلسطين يمثل قمة الاستعمار والعنصرية واللا إنسانية فإن اليسار البريطاني من حزب العمال لم يكن أقل تأييدًا لهذا الكيان من اليمين المتمثل في حزب المحافظين. واليسار الفرنسي من الحزب الاشتراكي لم يتغير موقفه الداعم للكيان اليهودي سواء كان هذا اليسار خارج السلطة أو على رأسها. ولن نتحدث عن الاتحاد السوفيتي وموقفه من القضية الفلسطينية وقضايا التحرر في العالم وعلى رأسها القضية الأفغانية، ومن قبلها المجر وتشيكوسلوفاكيا ذلك أن حديثنا في هذا المقال ينصب على اليسار العربي.

اليساريون العرب:

واليساريون العرب يمكن أن نجملهم في الفئات التالية:

* شيوعيون – ماركسيون – اشتراكيون – قوميون عرب- وحدويون اشتراكيون... إلخ.

والشيوعيون في البلاد العربية هم الأعضاء العاملون في الأحزاب الشيوعية، وهي متعددة الأسماء والانتماءات، فمنهم الماركسيون اللينيون ومنهم الماويون ومنهم التروتسكيون والخلاف الأيديولوجي بينهم وصل إلى حد التناقض، ولسنا هنا في معرض تبيان هذا التناقض ولكن الذي يهمنا هو موقفهم السياسي إزاء وجود الكيان اليهودي في فلسطين، وهو موقف المؤيد بلا شك، فهم أمميون لا يعنيهم من قريب أو بعيد نوعية الشعب الذي يسود في فلسطين بمقدار ما يعنيهم نظام الحكم الذي يجب أن يسود، ولعل هتافاتهم في شوارع بغداد عام 1948 «تسقط الحرب الاستعمارية العربية ضد كفاح إخواننا اليهود في فلسطين» لا تزال عالقة في أذهان المخضرمين من أبناء بغداد.

وأما الماركسيون فهم الذين اعتنقوا الفكر الماركسي وانتظموا أو لم ينتظموا في الأحزاب الشيوعية، وربما انتظموا في أحزاب قومية أو اشتراكية أخرى، وهم رغم اعتناقهم لأفكار ماركس وانتمائهم الأيديولوجي للاتحاد السوفيتي أو للصين «أيام ماو» إلا أنهم سياسيًا ربما كان لهم رأي آخر في بعض القضايا العربية ليس بالضرورة متطابقًا مع سياسة الاتحاد السوفيتي أو الصين، لكن المجزوم به أنهم يوالون أنظمة عربية يسارية معروفة. وهؤلاء الماركسيون تسللوا إلى المقاومة الفلسطينية بوجه خاص وكان لهم دور بارز في حركة الانشقاق.

وأما الاشتراكيون فمنهم من اقترب من الماركسية المتطرفة ومنهم من اقترب من «الغابية» المعتدلة ومنهم من انتظم في أحزاب عربية قومية أو إقليمية، ومنهم من اعتبر نفسه ناصريًا. وهؤلاء لم يستطيعوا أن يشكلوا كتلة واحدة يمكن أن تسمى حزبًا أو جبهة، بل إن الحزب الواحد منهم تفرع إلى عدة أحزاب لأسباب مصلحية فئوية أو لاجتهادات فكرية متعارضة ومتغيرة.

وأما القوميون فمنهم من نادى بوحدة إقليمية «الهلال الخصيب» ومنهم من نادى بوحدة عربية تحت قيادة شخص «عبد الناصر» أو حزب «البعث» ومنهم من كان عدوًا للماركسية ثم تبناها «القوميون العرب». والغريب في أمر هذه الأحزاب القومية أن مؤسسيها جميعًا من النصارى «أنطون سعادة، ميشيل عفلق، جورج حبش» الأول لبناني والثاني سوري والثالث فلسطيني. وحين كان الشاب العربي يسأل «القوميين العرب» عن موقفهم من فلسطين يسمع ما يثير حماسه «وحدة، تحرر، ثأر.. دم. حديد. نار» ثم يختفي الشعار لتحل محله الاشتراكية العربية، ثم الاشتراكية العلمية، ثم الماركسية. وحين كان العربي المسلم يسأل البعثيين عن موقفهم من الدين «الإسلام» كان يسمع ما يطمئنه «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة» وحين يسأل عن حقيقة الرسالة الخالدة يكتشف أن الإسلام مجرد واقع في حياة الناس، كالعادات والتقاليد يمكن أن تتغير وتتبدل، وحين يتناول العربي المسلم كتاب منظر القومية العربية ساطع الحصري «العروبة أولًا» يتساءل بعفوية: هل كان صلاح الدين حين حرر فلسطين من الصليبيين عربيًا يدافع عن العروبة؟ وهل كان الظاهر بيبرس والقائد قطز حين صد التتار عربيًا يدافع عن العروبة؟ وهل كان السلطان عبد الحميد حين رفض السماح لليهود باستيطان فلسطين عربيًا يدافع عن العروبة؟ أم أنهم جميعًا كانوا مسلمين يدافعون عن ديار الإسلام؟!

الأزمة من أفواههم:

يقول محمود أمين العالم أحد أقطاب اليسار العربي «شيوعي»: «لا نستطيع أن نتغافل عن نقائض حركة اليسار العربي التي تتمثل في عدم وحدة فصائله، وفي التجريد الذي يشوب بعض برامجه أو كتاباته الفكرية مما يجعله متعاليًا أحيانًا عن معطيات الواقع الملموسة». ثم يحدد أسباب عزلة اليسار العربي عن الجماهير فيما يلي:

1- الصدمات التي وقعت بين فصائل اليسار والتي وصلت إلى حد القتل والإعدام مما جعل الجماهير لا تثق في أي منها.

2- سيادة الاتجاه نحو الرطانة بألفاظ صعبة وغير محببة أو مفهومة لدى الجماهير.

3- المبالغة في الجانب السياسي من عمل الحزب في مواجهة العمل الاجتماعي والتقرب من الناس.

4- باستثناء الجزائر فإن أيًا من فصائل اليسار لم يخض حرب تحرير شعبية تجعل له صلة مباشرة بالناس.

وبالنسبة للنقطة الأخيرة فإننا نقول «للعالم» إن الذي خاض حرب التحرير في الجزائر هو الشعب المسلم، وليس اليسار العربي كما يزعم، وإن كان بعض اليساريين قد استطاعوا الوثوب على حركة الجماهير المسلمة المجاهدة واستلام السلطة وهو ما يحاولونه في حركة المقاومة الفلسطينية وفي غيرها من الأقطار العربية.

ويعزو العالم إفلاس اليسار إلى «تخلف الوعي السياسي والاجتماعي بين الجماهير وخاصة في المناطق الدينية»!! هكذا يتصور «العالم» أن هناك مناطق دينية في الوطن العربي لا وعي سياسي عندها، ومناطق لا دينية لديها الوعي السياسي وهذا التصور بلا شك خال من الوعي.

ويقول فريد عبد الكريم أحد أقطاب اليسار «ناصري»: إن أزمة اليسار تنبع من داخله «فهو ليس متوحدًا، بل يعاني من انقسامات شديدة بين فصائله وداخل الفصيل الواحد في بعض الأحيان.. وقد أدى ذلك إلى أن تواجه فصائل اليسار بعضها البعض بدلًا من أن تواجه معًا عدوها المشترك».

أما د. عصمت سيف الدولة «قومي» فيذكر أن اليسار العربي «يعاني أزمة حادة، أو عجزًا حادًا في التنظيم، وبالتالي في الحركة، فما يزال اليسار العربي فصائل متفرقة منثورة على الأرض العربية غير قادرة على أن تلتحم في تنظيم قومي تقدمي واحد».

هذه المحاولات من هؤلاء اليساريين العرب للخلاص من أزمتهم لن يكون مصيرها إلا الفشل بعد أن أدرك المسلمون وخاصة الشباب الجامعي منهم والشابات أمهات المستقبل أن ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (الأنعام: 153) وما على اليساريين العرب إلا العودة عما هم فيه «والعود أحمد» ولا يكونوا كقوم نوح: ﴿كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (نوح: 7) إذا أراد اليساريون العرب الخلاص من أزمتهم خاصة فليتخلصوا أولًا من اعتزازهم بعروبة أبي جهل واشتراكية ماركس وليقبلوا على الإسلام بنفس صافية نقية ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (الشمس: 9 – 10). ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات: 40 – 41).

صحوًا، صحوًا أيها «الرفاق» فلا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وحذار أن تصفوا هذا القول بالرجعية، إنها الأصالة التي ترفض أن تستبدل بمنهج الله منهج المغضوب عليهم والضالين.

الرابط المختصر :