; أزمة الشرق الأوسط إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الشرق الأوسط إلى أين؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الأربعاء 07-يناير-1981

مشاهدات 70

نشر في العدد 510

نشر في الصفحة 33

الأربعاء 07-يناير-1981

● أزمة الشرق الأوسط مصطلح سياسي استعماري تعقد بقيام دولة إسرائيل.

● الشرق الأوسط منطقة نفوذ أمريكية وإسرائيل الضمان الأكيد للحفاظ على مصالح الغرب!

● مشروع روجرز فتح الباب لحلول دولية لم ينجح واحد منها.

● الحلول الدولية اقتضت ضرب الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان.

● الأنظمة العربية مجمعة على الحل السلمي ومعترفة واقعيًا بإسرائيل ضمن حدود عام ١٩٦٧ .

● نجاح بيريز ربما يمهد الطريق لمبادرة أوروبية أمريكية بإنشاء اتحاد كونفدرالي

بين فلسطين والأردن.

مع أن «سياسة الانتظار» في الشرق الأوسط دوليًا وعربيًا قد انتهى موعدها بظهور نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر الماضي، إلا أن السؤال حول اتجاه أزمة الشرق الأوسط يظل بحاجة إلى إجابة، خاصة بعد تعثر اتفاقيات كامب ديفيد، واحتمال أن يؤول الحكم في إسرائيل إلى حزب العمل بقيادة «شيمون بيرز»، ومع انعقاد قمة عمان في الوقت الذي نشطت فيه «المبادرة الأوروبية، والخيار الأردني الريغاني، واحتمال أن تنعقد القمة الإسلامية في أخر الشهر الحالي يظل السؤال قائمًا أزمة الشرق الأوسط إلى أين؟

وبطبيعة الحال فإن الإجابة المتنورة عن هذا التساؤل لا يمكن التوصل إليها ما لم تعرف أولًا «مشوار» أزمة الشرق الأوسط، بل ما هي أزمة الشرق الأوسط، الملاحظة الأولى التي ينبغي على كل شرق أوسطي أن يدركها هو أن هذه التسمية ليست من بنات أفكاره هو، ولا من بنات أفكار أجداده، فالشرق الأوسط والأدنى والأقصى وما إلى ذلك تعابير «استعمارية أوروبية» قديمة قدم الاستعمار تعكس أطماع المستعمرين في الاستيلاء على هذه المناطق واستلاب خيراتها، وقد تطور هذا المفهوم بإنشاء دولة إسرائيل بدعم أوروبي وأمريكي، ليصبح أزمة معقدة تعني الحفاظ على دولة إسرائيل ومصالح الغرب في آن واحد.

حل الأزمة وتقوية إسرائيل:

وانطلاقًا من هذا المفهوم الذي تبنته الولايات المتحدة فيما بعد الحرب العالمية الثانية، نشطت المساعي لحل هذه الأزمة. ولكن الحلول والاقتراحات التي طرحت كانت تعني دائمًا تقوية إسرائيل وتوسعها وإشاعة جو سياسي عام يمهد لقبولها والاعتراف بها كحقيقة قائمة في المنطقة، فوجود إسرائيل قوية ودولة توسعية في النظرية الصهيونية كانت السبب الأساسي لحروب 48، 56، 1967. وتطبيقًا لنظرية «بن غوريون» توجه العمل العسكري والسياسي الإسرائيلي فيما بعد عام ١٩٦٧ إلى تثبيت حدود آمنة ومعترف بها، حيث إن مؤسس الدولة اليهودية كان يؤمن بأن ديمومة حياة إسرائيل يتوقف على «تطبيع» العلاقات بين اليهود والمسلمين العرب، وما لم يتم التوصل إلى ذلك فإن إسرائيل تحمل في أحشائها عوامل الانهيار والاضمحلال. على المستوى الدولي كانت الولايات المتحدة تتبنى هذا التصور وتعمل من أجله، وكانت جميع دول المعسكر الغربي راضية عن السياسة الإسرائيلية، أما الاتحاد السوفيتي ومجموعة الدول الاشتراكية فلا يزالون يرون بأن حجر الزاوية في أي حل لأزمة الشرق الأوسط هو الاعتراف المتبادل بين إسرائيل والعرب بما في ذلك الفلسطينيين! غير إنه لا يخفى أن السياسة الفاعلة في الشرق الأوسط هي السياسة الأمريكية.

وعلى المستوى العربي تم في البداية احتضان العمل الفدائي والسماح له بالانطلاق والعبث والتنظيم إلى حين قبول عبد الناصر بمشروع روجرز عام ١٩٧٠، ولكن بعد ذلك أصبحت سياسة التضييق والعرقلة للعمل العسكري ضد إسرائيل سياسة ثابتة لدى كثير من الأنظمة العربية سواء عن طريق الصدام المباشر أو عن طريق التبني والاحتواء، ويلاحظ أن مشاريع الحل السياسية، سواء على مستوى هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، أو عن طريق بعض الدول العظمي كأمريكا والاتحاد السوفيتي ودول أوروبا بدأت تترى فيما بعد عام ۱۹۷۰.

وبفضل حرب أكتوبر «التحريكية» كما أسماها السادات، أصبح الحل السلمي أو السياسي بقيادة أمريكا «كيسنجر» أو أمريكا «إسرائيل» لا فرق هو الأمل الوحيد لحل «الأزمة»، واستعادة الحقوق حتى لدى كثير من الشعوب العربية!

إن سياسة «الخطوة خطوة» التي اخترعها الساحر «كيسنجر» قد اقتضت ضرب الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان على النحو المعروف بمساعدة بعض الأنظمة العربية «المعقلة» و«التقدمية»، إضافة إلى القوى الصليبية اللبنانية المتمثلة في الجبهة اللبنانية والرائد المنشق سعد حداد!

مشاريع وحلول:

المهم أنه بعد مشروع روجرز طرحت مشاريع أخرى كمشروع جولدا مائير وآلون والمملكة المتحدة، والمفاوضات المباشرة ومؤتمر جنيف والدولة الفلسطينية العلمانية أو الديمقراطية!! ولكن واحدًا من هذه المشاريع لم يكتب له النجاح.

وكما ذكرنا قبل قليل فإن الأمل انعقد على السحر الأمريكي باعتبار أن أمريكا تملك 99% من أوراق اللعبة، وتطور هذا الحل في عهد كارتر إلى اتفاقيات كامب ديفيد التي كانت بمثابة برنامج حكومة الليكود التي يترأسها «مناحيم بيغن». وطبقًا لهذه الاتفاقيات التي يبدو أنها تعثرت حتى الآن، فقد تم تجاهل جميع القوى الدولية، وتشكل حلف جديد في الشرق الأوسط هو حلف إسرائيل - مصر - الولايات المتحدة التي تشير كل الدلائل إلى أن إدارة ريغان ستدعم هذا الحلف وتقويه عسكريًا، وانقسم العالم العربي إلى ثلاث فرق: «المعتدلين» و «الصمود والتصدي» و«ربع الكامب»، ولكن سجل المنحنى السياسي لهذه المعسكرات انخفاض الصمود والتصدي وضمور الكامب وارتفاع مؤشر المعتدلين، حتى كاد مؤتمر عمان أن يجمع بين مختلف المحاور تحت شعار سياسة الحد الأدنى امتدادًا لشعار قمة بغداد وتونس.

مبادرة أوروبية:

وعلى أثر الانقسام الذي أحدثته اتفاقيات الكامب، وبفعل عوامل سياسية واقتصادية وجدت دول أوروبا الفرصة سانحة لخطب ود العرب والإدلاء في عملية التسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط، وبعد زيارات أوروبية مكثفة على مستوى الرؤساء والوزراء طرح ما يسمى بالمبادرة الأوروبية. وكان واضحًا أن هذه المبادرة لم تزد عن كونها «تحركًا دبلوماسيًا» مرتبطًا بشكل أو بآخر برأي الإدارة الأمريكية باعتراف بعض الأطراف الأوروبية كاللورد كارينغون ودوغلاس هيرد وغيرهما. وفي الواقع فإن هذه المبادرة ظلت مؤجلة إلى الانتخابات الأمريكية وظهور نتائجها، وستظل مؤجلة طبقًا لمؤتمر دول السوق الأوروبية الأخير الذي عقد في بروكسل إلى معرفة رأي إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب رونالد ريغان، وبعد أن يتسلم منصبه الرسمي في العشرين من يناير الحالي.

خلاصة المشوار:

وخلاصة مشوار أزمة الشرق الأوسط هو أن إسرائيل أصبحت دولة قوية ومعترفًا بها وبحدودها حتى عام ١٩٦٧ من قبل الأنظمة العربية قبل المجتمع الدولي، وتظل المشكلة الوحيدة والعقبة الكؤود هي مشكلة الفلسطينيين. وهذه الأخيرة يجري ترتيب آخر مطول للتخلص منها على أرض لبنان عسكريًا، ومن وراء الكواليس سياسيًا.

ولكن كيف يتم حل هذه المشكلة؟ ولا يخفى أن الإجابة عن هذا التساؤل تكشف عن طبيعة المرحلة القادمة ومستقبل المنطقة. 

ولكي يسهل علينا تصور مواصلة «مشوار» الحل السلمي للأزمة، لا بد من تذكر الحقائق التالية:

• الشرق الأوسط منطقة نفوذ غربية بشكل عام وأمريكية بشكل خاص، أما الاتحاد السوفيتي فليس له حتى الآن أثر يذكر أو دور بارز، اللهم إلا ضمن سياسة الوفاق الدولي التي رتبت على الروس تزويد بعض الأنظمة «التقدمية» بالأسلحة الدفاعية، ودعم الأحزاب اليسارية التي مهدت فكريًا لتطبيع العلاقات بين العرب واليهود.

• مصالح الغرب في الشرق الأوسط «حيوية» من حيث الطاقة والموقع الإستراتيجي.

• إسرائيل هي الضمانة الأكيدة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

• جميع دول المنطقة بلا استثناء تعترف «واقعيًا» بدولة إسرائيل إلى حدود عام ١٩٦٧ وتؤمن بأن الحل السلمي هو الطريق الوحيد لحل الأزمة.

انطلاقًا من هذه الحقائق يتبين لكل مراقب أن أي خلاف قد ينشأ حول الأسلوب الأمثل لحل الأزمة هو لن يكون إلا بين إسرائيل والعرب. نقول هذا لاستبعادنا أن ينشأ خلاف عميق بين أمريكا وأوروبا لعدة أسباب:

-أوروبا وأمريكا حلفاء على كل حال ويؤمنان بالمبدأ الرأسمالي، وإذا كان هنالك من تنافس فلن يزيد عن التنافس التجاري، أما المصالح الإستراتيجية فتظل واحدة. 

-المبادرة الأوروبية لا تزال تحركًا ينتظر الدراسة وإرسال المبعوثين، وكل ما بحثه الأوروبيون في البندقية ولوكسمبورغ لا يزيد على مجرد «إعلان نيات».

-الأوروبيون منقسمون على أنفسهم والخلافات فيما بينهم أشد أحيانًا من خلافاتهم مع حليفتهم الولايات المتحدة.

-بسبب التوتر في شكل العلاقات بين روسيا وأمريكا وتعرض سياسة الوفاق للامتحان، سيضطر الأوروبيون للانصياع للآراء الأمريكية.

-إن كلًا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية لم يعترفا بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ولم يدعوا لقيام دولة فلسطينية.

الخيار الأردني:

وبالرغم من أن الموقف الأوروبي ألين من الموقف الأمريكي، إلا أن كثيرًا من الدلائل تشير إلى أن ما يسمى «بالخيار الأردني» هو العامل المشترك بين الموقعين خاصة في عهد ريغان.

فالجمهوريون يميلون عادة إلى «التشدد» في السياسة الدولية ومواجهة الاتحاد السوفيتي، ويؤثرون المصالح الأمريكية على غيرها. وعلى أية حال فقد صرح ريغان بعد نجاحه أنه يرى أن الأردن مفتاح كل أزمة الشرق الأوسط، وإنه يأمل في لقاء الملك حسين. وفي حديث لجوزيف سيسكو أكد هذا الرأي، وإنه متفق عليه لدى الجمهوريين. ومما يدل على صحة هذه المعلومات تعيين «أليكساندر هيغ» وزيرًا للخارجية في إدارة ريغان الذي سبق أن كان قائدًا لقوات حلف الأطلسي ويتمتع باحترام الأوروبيين.

وكانت معلومات دبلوماسية غربية قد ذكرت أن أحد الحلول التي توصل إليها «غاستون ثورن» بعد جولته العربية، والتي عرضها على مؤتمر اللوكسمبرغ، ووافق عليها، يقضي بانسحاب إسرائيل من معظم الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧ وإقامة كيان فلسطيني متحد فيدراليًا مع الأردن! 

وطالما أن أوروبا وأمريكا يلتقيان في الرأي بضرورة الحفاظ على إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، فإنه يسهل عليها الالتقاء في أمور ثانوية أخرى. وبخصوص منظمة التحرير الفلسطينية فالطرفان مستعدان للاعتراف بها، إن هي اعترفت بإسرائيل.

وإذا كان هنالك من جدال حول مدينة القدس، فيمكن حله عن طريق «تدويل» الأماكن المقدسة كما تطرحه المبادرة الأوروبية!

الحسم للطرف الآخر:

وإن جميع الحلول الدولية التي طرحت حتى الآن ولم يكتب لها النجاح بسبب الموقف الإسرائيلي نفسه. فاليهود بجميع أحزابهم وتنظيماتهم يرفضون الاعتراف بمنظمة التحرير، ويرفضون الدولة الفلسطينية، ويرفضون تقسيم القدس، ويرفضون التخلي عن المستوطنات. وقد استطاع «بيغن» أن يفرض شروطه على «كارتر» و«السادات»، وطالما هو في الحكم فمن غير المتوقع أن تشهد أزمة الشرق الأوسط أي تقدم ملموس. 

وطالما أن محادثات الحكم الذاتي طبقًا لاتفاقيات كامب ديفيد قد وصلت إلى طريق مسدود، فلا بد من بديل آخر لها أو مكملًا لها، وفي هذا السياق يرى المراقبون أن نجاح بيريز في انتخابات حزب العمل الإسرائيلي، سيكون إذا ما نجح في الانتخابات في نهاية العام الحالي عامل دفع لتحريك المسعى الأمريكي الأوروبي.

فحزب العمل الإسرائيلي كان قد طرح الخيار الأردني منذ عام ٧٣ فيما يسمى بمشروع آلون الذي يدعو إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي الأهلة بالسكان وتسليمها للأردن، أما القدس فتظل موحدة إلى الأبد، ولا لمنظمة التحرير وللدولة الفلسطينية.

المعادلة الصعبة:

والمعادلة الصعبة لحل أزمة الشرق الأوسط أصبحت الآن كالتالي: متى تتشجع أمريكا وأوروبا للتقدم بحل محدد لا بد أن يضمن العرب المصالح الغربية، وأن يوحدوا آراءهم تجاه هذا الحل. وبديهي أن هذا الأمر ينطوي على القضاء على أي وجود عسكري فلسطيني فعال يعادي إسرائيل. فإذا ما تحقق ذلك فإن أوروبا وأمريكا ستحاولان الضغط على إسرائيل، لكن إسرائيل ترفض الضغط نهائيًا، ولكن وفي عهد حكومة حزب العمل المنتظرة بقيادة «شيمون بيرز» ستبدو إسرائيل وأنها استجابت للضغوط الدولية عندما تنسحب من بعض الأراضي التي احتلتها عام ٦٧، ليقام فيها كيان فلسطيني متحد فيدراليًا مع الأردن كما هو وارد في برنامج حزب العمل! وإذا قدر لهذه المعادلة أن تتحقق فستولد إسرائيل ولادة حقيقية جديدة لتنمو وتشب تحت ستار تحقيق المطالب العربية العادلة، وعودة الشعب الفلسطيني لوطنه وإقامة دولته المستقلة! 

لكن المراقبين يقولون بأنه منذ قيام إسرائيل عام ١٩٤٨ طرحت حلول دولية كثيرة كان يبدو من خلالها أن حل الأزمة قاب قوسين أو أدنى، ولكن واحدًا منها لم يكتب لها النجاح! ويضيف مراقب مسلم قائلًا إن هذه الحلول ما هي إلا سلسلة لا متناهية لإلهاء الشعوب العربية والإسلامية عن حقيقة معركتها وميدان عملها الإصلاحي، وهو تحقيق منهج الله وإقامة الحكم الإسلامي في الأرض كلها، ومن جهة أخرى لتظل إسرائيل تقوى وتنمو وتتوسع إلى أن تحقق نبوءة التوراة: «حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل» أيتها الشعوب المسلمة إن لم يفق حكامك أفلا تفيقي؟

الرابط المختصر :