; أزمة الدولة.. وصعود دور الشركات عبر القومية | مجلة المجتمع

العنوان أزمة الدولة.. وصعود دور الشركات عبر القومية

الكاتب نزار الفراوي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000

مشاهدات 196

نشر في العدد 1400

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-مايو-2000

هذه الشركات مسؤولة عن تدهور أنظمة الضمان الاجتماعي واستفحال مشكلة البطالة في معظم بلدان العالم النامي

أصبحت إشكالية «أزمة الدولة» هاجسًا معرفيًّا لمحللي الاجتماع السياسي على المستويين الوطني والدولي، ومفتاحًا لمقاربة جملة من الطروحات على هذين المستويين، وربما يشكل المشهد الاقتصادي العالمي المجال الأنسب لملامسة عمق الأزمة، من حيث مؤشرات تدهور قدرة النظام السياسي على ضبط المجال الاقتصادي والوطني، والاضطلاع بوظائفه الأصيلة في تدبير مسائل إنتاج الثروة وتوزيعها، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلاف النوعي والكمي في مداها، وذلك باختلاف طبيعة الأنظمة السياسية، وبتفاوت مستويات التنمية الاقتصادية.

 والواقع أن هذه الإشكالية تطرح بقوة واقع ومستقبل المفاهيم والمقومات الكلاسيكية للدولة «السيادة، الإقليم، الحدود» في دلالاتها الاقتصادية على وجه التحديد، في زمن العولمة، الذي تطبعه كثافة التدفقات عبر القومية ودينامية الاعتقاد المتبادل بين المجتمعات، وتزايد القابلية الوطنية للاختراق الخارجي، في مقابل بروز واستقواء فاعلين جدد في النظام العالمي الراهن.

دبلوماسية القطاع الخاص سياسة جديدة يستفيد منها كبار المساهمين والشركات عبر القومية على حساب الاقتصاد الوطني.

 ويمكن القول: إن بروز هؤلاء الفاعلين كان وراء تجديدات منهجية مهمة في تحليل العلاقات الدولية جسدتها بالأساس انتعاشة «الدراسات عبر القومية» في السبعينيات، والتي يعود لها الفضل في إدماج مختلف الفاعليات ذات الامتداد عبر القومية الاقتصادية الثقافية الدينية والإعلامية.

الدولة والشركات متعددة الجنسية

في هذا السياق تتيح قراءة العلاقة بين الدولة والشركات متعددة الجنسيات كنموذج بارز للفاعلين الجدد، إمكان الاقتراب من واقع الأزمة في الوظيفة الاقتصادية الاجتماعية للحكومة.

 لقد بلغ عدد هذه المؤسسات الاقتصادية عبر القومية نحو ٤٠ ألف مجموعة تتحكم في أكثر من ۲۰۰ ألف فرع خارجي، موزعة على مختلف أنحاء العالم، وقد استطاعت هذه الفروع وحدها مضاعفة رقم أعمالها بين سنتي ۱۹۸۷ و ۱۹۹۱م؛ حيث بلغ آنذاك ٥٠٠٠ مليار دولار.

 وبالطبع، فإن الفضاء الوظيفي لهذه المؤسسات، والذي تعتقده في تسطير إستراتيجياتها، يتجاوز إطار الدولة الوطنية، فالسطح الأرضي في منظورها هو بالدرجة الأولى فضاء جيواقتصادي تحدد على ضوئه التوجهات الإنتاجية والاستثمارية والتبادلية، التي تصاغ بناء على معايير الفاعلية والتوسع.

إن القوة الاقتصادية المتعاظمة لهذه المجموعات دفعت الحكومات - خصوصًا بالدول السائرة في طريق النمو - إلى منافسة مفتوحة وشديدة حول توفير أنسب ظروف الاستثمار والاستيطان الإنتاجي الكفيلة باستقطاب رساميلها بعد أن كانت تتخذ منذ السبعينيات موقفًا دفاعيًّا حذرًا إزاءها، متهمة إياها باستغلال الموارد الطبيعية والبشرية للشعوب.

 لقد انتبهت المجموعة الدولية منذ السبعينيات إلى ضرورة الاحتفاظ بقدرة سياسية على ضبط ومراقبة هذه المؤسسات، وتمثل ذلك عبر صياغة مدونات سلوك في هذا الشأن في إطار مجموعة من المنظمات الدولية، ومنها:

مركز الشركات متعددة الجنسيات التابع للأمم المتحدة، مكتب العمل الدولي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE، مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية CNUCED.

تضارب المصالح:

غير أن تضارب المصالح القطرية، وتحولات الواقع الاقتصادي الدولي أجهض هذه المحاولات التنظيمية، وبدا وكأن المجموعات الاقتصادية متعددة الجنسيات قد انتزعت اعترافًا فعليًّا Suprana بطابعها فوق القومي Defacto tionel، خصوصًا بعد أن تضافرت مجموعة عوامل زكت موقفها التفاوضي إزاء الدول والمنظمات الدولية الحكومية أيضًا، ومنها:

- انهيار الأسعار الدولية للمواد الأساسية كمصدر حيوي لموارد الدول النامية من جهة، وتفاقم المديونية من جهة أخرى، مما ترتب عليه نزيف مالي كرس خللًا مزمنًا في الهيكلة المالية «الإيرادات والنفقات» واختناقات مالية جعلت من تمويل الاتفاقات العامة معضلة حقيقية.

- انهيار تجارب الاقتصاد «المغلق المتمركز على الذات»، وسقوط منظومة الاقتصاد الموجه في سياق مسلسل الانهيارات الاقتصادية السياسية، والأيديولوجية التي عصفت بالاتحاد السوفيتي وبأوروبا الشرقية.

- تعمق الفجوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب في وقت تزايدت فيه مساهمة الشركات الكبرى في الإبداع العلمي والتكنولوجي العالمي.

الاقتصاد الوطني في ظل العولمة:

ثم إنه مع تسارع العولمة الاقتصادية وانتعاش الموجة النيو ليبرالية Neo - Libe rale، بدا أن كل مركزية اقتصادية وطنية ترادف وضعية إقصاء وتهميش في خضم مسلسل يفرض قواعده الخاصة على كل كيان يريد المساهمة في دينامية إنتاج الثروة العالمية والاستفادة منها، خصوصًا أن مختلف الأدبيات الاقتصادية الدولية الفردية منها والمؤسساتية «صندوق النقد الدولي - البنك الدولي» أفرزت عقيدة اقتصادية تضع الاستثمار الخاص المباشر في قلب كل سياسة اقتصادية ناجعة، وفي مقدمة العوامل الكفيلة بإنجاح المشاريع التنموية الوطنية.

انسجامًا مع هذه المعطيات، انخرط عديد من الدول المتطلعة إلى تحديث بنياتها الإنتاجية، ورفع نسب التشغيل واستقطاب التكنولوجيا والاندماج الإيجابي في شبكة المبادلات العالمية، في مسلسل إصلاحي تكيفي، يفرضه واقع التنافس العالمي حول الفوز بالقدرات الاستثمارية للشركات عبر القومية، وباشرت في هذا الإطار مجموعة تدابير إقناعية متعددة تصب في اتجاه تحرير الإطار القانوني «قوانين الاستثمار المنافسة»، وفتح الوحدات الاقتصادية العامة للملكية الخاصة، وتأهيل القدرات التدبيرية للإدارة بشكل يؤهلها للعب دور المخاطب الإيجابي للمستثمرين.

وفي خضم هذا المسلسل التحريري أصبحت المرافق العامة نفسها مفتوحة، في وجه الرأسمال الأجنبي، وهي التي ظلت بالنظر إلى طبيعة الخدمات التي تنتجها مرتبطة بوظائف اجتماعية اندمجت لزمن طويل ضمن مقومات الشرعية الوجودية للنظام السياسي.

وما يوضح ارتهان الدول لهذه المؤسسات هو أن التنافس على رساميلها لا يقف عند مستوى الاستيطان الاستثماري، بل إن الحكومات تجهد نفسها في تأمين ديمومة هذا الاستيطان، وتجنب خروج رساميلي قد يرتب إفلاسًا اقتصاديًّا محققًا للبلاد، وهي الوضعية التي كانت شبه مؤكدة خلال أزمة المكسيك، لولا إسعاف دولي قدر بـ ٥٠ مليار دولار منها ٢٠ مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة للحكومة المكسيكية.

دبلوماسية القطاع الخاص:

وتمكن هذه القوة الاستثمارية المؤسسات الاقتصادية عبر القومية من تدعيم مركزها التفاوضي إزاء الحكومات، في إطار ما يسمى الآن بدبلوماسية القطاع الخاص، ويوفر لها سبل الضغط سواء على دول المنبع أو دول المصب «من أجل انتزاع امتيازات فضلي، أو الانحياز لقرارات تتماشى مع أهدافها في الإطارات متعددة الأطراف Multi-laterales»، وتوضح التغطية الإعلامية لفاعليات منتدى «دافوس»، الذي يشكل فرصة فريدة لاجتماع ممثلي الحكومات بممثلي القطاع الخاص، هذا الاستقواء الخاص مجسدًا في الحظوة المتنامية التي يستفيد منها كبار المساهمين ومديري الشركات الكبرى عبر القومية.

 إن اختلال العلاقة بين الحكومة والفاعل الاقتصادي عبر القومي في ظل الانفصام بين منظور عالمي جيو اقتصادي يقوم على الربحية والتوسع، ومنظور سياسي وطني يستهدف تثمين الثروة الوطنية، وتحقيق العدالة التوزيعية في إطار دولة الرفاه، يفسر تراخي السند الاقتصادي للحكومة الوطنية، وعجزها المتزايد عن ضبط وتشكيل المجال الوطني، وبالتالي يفقد مفهوم «الاقتصاد الوطني» الكثير من دلالاته، ويتدهور البعد الاجتماعي في التدبير الاقتصادي العمومي المرهون بالمعادلات الماكرو اقتصادية.

 إن الرأسمالية التي تستلهم التوصيات الاقتصادية التقليدية وتعتمد على تدخل الحكومات لضبط التناقضات، وتحقيق الرفاه الاجتماعي نراها تضمحل الآن في ظل تراجع القدرات التدخلية للدولة، وانتقال جزء كبير من النسيج الإنتاجي الوطني إلى فاعلين ودوليين من القطاع الخاص.

لقد تبنت الدول الليبرالية مساندة أولئك الذين تقصيهم المنافسة العقلانية الاقتصادية، واستخدمت السلطة السياسية لتقليص اللامبالاة التوزيعية، بإقرار برامج الحماية الاجتماعية، والتأمينات الصحية، وتقديم الخدمات الأساسية المجانية غير أنه يتعذر إعادة إنتاج هذا الدور أمام الارتهانات الوطنية المتزايدة للرأسمال الخارجي، الذي لا يحفل إلا بربح معركة المنافسة الوطنية الدولية.

المرونة التشغيلية:

إنه واقع أزمة، لا يستثني - وإن بشكل مختلف - الدول الرأسمالية الكبرى، مصدر المجموعات عبر القومية، فهذه الأخيرة مسؤولة عن تكريس تدهور أنظمة التغطية والكفاية الاجتماعية، واستفحال البطالة العمالية كنتيجة لمنطق المنافسة، وهاجس التخفيض من الكلفة الإنتاجية في إطار المرونة التشغيلية، وهكذا وقعت الإدارة الأمريكية عاجزة إزاء إقدام جنرال موتورز على إغلاق ۲۱ مصنعًا، وتسريح ٢٠ ألف عامل، و ۱۰ آلاف موظف وقيام شركة IBM بإلغاء ٢٠ ألف فرصة عمل.

من جهة أخرى، فإن اتساع جيوب الفقر والتهميش الاقتصادي، وتدهور الإمكانات المعيشية للطبقات الوسطى - التي تشكلت في الأساس نتيجة للسياسات الاجتماعية لدولة «الرفاه» وليس بفضل السوق، في ظل سيطرة احتكارات رأسمالية عبر قومية على النسيج الاقتصادي الوطني ينضج الاحتقانات الشعبية، ويكرس أزمة الاجتماع السياسي الوطني، متمثلة في عجز الدولة عن تأمين واستدامة الولاء السياسي الوطني الضروري فرديًّا وجماعيًّا، ما يضرب في الصميم اللحمة الوطنية المجتمعية كوعاء ضروري يعطي للتنظيم الدولي كسلطة وكمؤسسات معناه الوظيفي، ويتيح سبل تناسل فراغات نفوذ قد تستثمرها قوى عبر وطنية مختلفة؛ لتضع أحيانًا المصير الوجودي للكيان السياسي ذاته موضع التساؤل .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1206

103

الثلاثاء 02-يوليو-1996

المجتمع المحلي (1206)

نشر في العدد 1375

75

الثلاثاء 09-نوفمبر-1999

المجتمع الإسلامي (العدد 1375)