; أدوار ثلاثة | مجلة المجتمع

العنوان أدوار ثلاثة

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 13-فبراير-2010

مشاهدات 92

نشر في العدد 1889

نشر في الصفحة 66

السبت 13-فبراير-2010

هناك أدوار أو طبقات ثلاث، لتأكيد الإيمان والتعبير عن مطالبه ومقتضياته: طبقة القناعات العقلية، وطبقة القناعات القلبية والوجدانية، وطبقة التنفيذ العملي السلوكي للقناعات الإيمانية في واقع الحياة اليومية، ومن ثم التحقق بالتوحد بين العقل والقلب والسلوك.

ومشكلتنا في كثير من الأحيان أننا نملك القناعات العقلية، بل إنها ربما تضخمت أكثر مما يجب على حساب الطبقتين الثانية والثالثة. وأحيانا أخرى تطغى القناعات القلبية على حساب العقل، وفي الحالتين لا نكاد نلحظ انعكاسًا صادقًا وأمينًا على الواقع العملي والسلوك، الأمر الذي يمثل جوهر مأساة العديد من المسلمين في العصر الحديث.

ورغم أن الدين المعاملة، كما يحدثنا رسول الله ﷺ ورغم أن المسلم الحق، كما يؤكد الرسول أيضًا، يتميز بالسماحة إذا باع وإذا اشترى، فإننا نجد الكثير من الناس يشتكون من سوء معاملة إخوانهم من الذين لا تفوتهم صلاة، حتى لقد أصبح هذا أشبه بالوصمة التي يوصم بها بعض البائعين من المسلمين الملتزمين. بل إن بعض المتشككين والكسالى يذهب إلى حد القول: علام أصلي إذا كان بعض المصلين أنفسهم لا تأخذهم بالذين يتعاملون معهم رحمة أو شفقة ؟!

 أي التزام هذا والخندق عميق بين قناعات الإيمان العقلية والقلبية، وبين واقع السلوك اليومي في التعامل بين الناس؟

 إنها مفارقة محزنة والحق يقال، وإذا أردنا أن تكون حياتنا إسلامية حقًا، إذا أردنا ألا نغضب الله ورسوله ﷺ ونحن نجتاز رحلتنا اليومية عبر الحياة، ويلتقي بعضنا بعضا، ويتعامل بعضنا مع البعض الآخر، فإن أول خطوة يتحتم علينا أن نخطوها، هي ردم الخندق وتدارك الفجوة، وإعادة التوحد بين العقل والقلب والسلوك.

ولعل هذه بالذات هي أحد أهم عوامل انكسارنا الحضاري، ولعلها السبب الأكثر أهمية في تحول أمتنا إلى قصعة يتداعى عليها الجائعون من كل مكان، كما سبق وأن أنبأ به رسول الله ﷺ.

إن الإيمان -بداهة - ليس مجرد قناعة يقبلها العقل ويسلم بها، كما أنها ليست مجرد يقين أو تسليم قلبي بمفردات الإيمان.. إنها، إلى جانب هذا وذاك، جهد موصول، أو جهاد كبير بتعبير الرسول ﷺ الملاحقة كل ما من شأنه أن يصد هذه القناعات عن التحقق في واقع الحياة السلوكية للمسلم، ويحفر خندقا بين العقل والقلب والممارسة!

 ولطالما حدثنا القرآن الكريم عن أن الله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (الانفال: 53)، وأنه سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ (الرعد: 11)، هذا التغيير المكافح الذي يسعى جاهدًا للحفاظ على التوحد والالتحام بين العقل والقلب والسلوك.

إن المسلم الجاد مشروع يومي مفتوح للتسامي والصعود. وإن ثمة محطات أربع تنتظره، وتتطلب منه أن يشحذ همته لاجتيازها جميعا في رحلة العمر الإسلام. الإيمان. التقوى. وصولا إلى المحطة القمة الإحسان الذي يضعه قبالة الحضور الإلهي المؤثر ويدفعه إلى الإبداع والإتقان في كل ما يمارسه من أعمال.

ولن يتحقق ذلك إلا بأن تكون نقطة الانطلاق متمركزة عند الحالة التي يتوحد فيها المسلم عقلًا وقلبا وسلوكا. وإلا فإن ألف سنة من الجهد اليومي لن تقربه خطوة واحدة من المطلوب، ولن تمكنه من اجتياز المحطات الأربع التي تنتظره عبر رحلة الحياة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 425

111

الاثنين 25-ديسمبر-1978

تعال نؤمن ساعة (العدد 425)

نشر في العدد 448

101

الثلاثاء 05-يونيو-1979

بطاقات (446)

نشر في العدد 663

63

الثلاثاء 20-مارس-1984

الأسرة.. عدد 663