; أدب - العدد 587 | مجلة المجتمع

العنوان أدب - العدد 587

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

مشاهدات 71

نشر في العدد 587

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 14-سبتمبر-1982

الكعبة تُمثَّل!
بدأ تلفزيون الكويت مساء ٦ / ٩ في بث مسلسلة مصورة تحت عنوان: «الكعبة المشرفة» للكاتبة أمينة الصاوي، وحسب كتاب المؤلفة فإن القصد هو تاريخ حياة الكعبة المشرفة عبر العصور، والفكرة تاريخية ومجردة تمامًا؛ بمعنى أنه يصعب إخراجها لحيز التنفيذ الفني، ولذا أحس المشاهد منذ الحلقة الأولى غياب الصراع واعتماد الحوار أساسًا في العرض، وخاصة أن العنصر الأساسي في القصة «شيء جامد»، هذا في الفن.
ولا ندري ما الذي سيقوله الشرع في جواز «تمثيل» الكعبة المشرفة، حيث أقام المخرج «بيتًا» رمَز به للكعبة! أما الذي نقوله فإن هذا البناء المرتجل في العراء ليبعث في النفس مشاعر متباينة أقلها إنه يلغي من النفس القداسة المحفوظة للكعبة حرسها الله.
ويراها -أو يظن ذلك- أنها مجرد «شيء» يمكن أن «يمثل» في مكان آخر غير مكانه الذي بارك الله فيه وحوله! ويدعي المسلسل أن مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر قد وافق على النصوص الدينية الواردة في الكتاب وإخراجها. 
فهل هناك كلمة واضحة لأهل الاختصاص تبين وجه الحق فيما عمل في هذا المسلسل حتى ولو كان المنتج يحمل اسم المؤسسة الإسلامية للإعلام؟!

قضية المجلة الإسلامية
مسألة توقف مجلة «المسلمون» الجديدة التي أصدرت أربعة وأربعين عددًا فقط تستدعي وقفة طويلة لمزيد من التأمل، كما تطرح عدة أسئلة في ساحة الإعلام الإسلامي:
أولًا من حيث الشكل: نستطيع القول إن المجلة جاءت على أعلى مستوى من التقنية الحديثة في الطباعة «ورقًا وحرفًا ولونًا وخطًّا وإخراجًا وصورة وتبويبًا...»، ولكن هل الإعلام الإسلامي وبالتالي الفكر والعقيدة اللذان يحملهما بحاجة إلى كل هذا التعقيد المكلف ماديًّا؟! أم أن الأهم هو البساطة في التوصيل ولا بأس من التزيين والتحسين المعقولين؟ نعتقد أن البذخ غير المعقول في الإخراج أسهم في الخسارة المادية للمجلة.
ثانيًا من حيث الموضوعات:
رغم أن اسم المجلة يوحي بأنها موجهة إلى المسلمين، فإنها ابتعدت عن هذه الغاية من ناحيتين: الأولى أنها عالجت «بعض» الموضوعات المهمة والحياتية الأساسية بروح التوفيقية، وكأن عينها كانت مفتوحة على السوق التجارية لا على القضية الإسلامية، وحتى هذه المعالجة العصرية كانت جزئية لأن أغلب الموضوعات كانت مشدودة إلى التاريخ البحت «مذكرات، شخصيات تاريخية، موضوعات تراثية... إلخ» مع التساهل في نوعية بعض الكتاب ومدى عمق التزامهم. 
والناحية الثانية: أنها أباحت لنفسها التوسع في موضوع الالتزام الشرعي إلى درجة طغت فيها الناحية الإعلامية على بديهيات الفقه، كصور النساء، وخاصة الغربيات اللواتي أسلمن حديثًا، وفي العدد الأخير صورة لنساء متظاهرات في لبنان على سبيل المثال.
وخلاصة القضية: ما دامت المجلة موجهة إلى القارئ المسلم فينبغي أن تكون إسلامية المحتوى والشكل معًا، وأن تكون معقولة في تكلفتها ليسهل انتشارها ولتلبي حاجة المجتمع المسلم إلى مطبوعة ناجحة.
الضحيتان
للأخ: أحمد الخاني
يا لهيبا ينتابني في كفاحي       كف عني.. أمَا رأيت جراحي؟ 
هذه مهجتي فدى لبلادي          لحماة الجهاد والموت ضاحي
مزقوها بغدرهم ثم ولوا          يا لبيروت والحمى المستباح 
كثر القتل والدمار جهارا        في الروابي ومثلها في البطاح 
هل سمعتم من عهد عاد بهذا؟   تركت بلدتان في شبه راح 
طائرات اللهيب قامت تدوي     فتداعى البنى... محاها الماحي 
أين هذي القوى؟ لمن خبؤوها     ذلك اللوم ذو الفعال الوقاح 
من لصهيون غيركم يا نشامى     یا حماة الحمى لرد الجماح؟ 
أنقذوها سبية أنقذوها               يا لبيروت ذخركم للنجاح 
أسمعوها الله أكبر جندا            واستعدوا فذاك درب الفلاح 
واستفيقوا حماة حقي أفيقوا       جددوا العزم وافزعوا للسلاح 
سدد الله للجهاد خطاكم            فاستردوا مطالع الأصباح

الصمت المريب
شعر: سعد العوفي
•بيروت: عفوًا خذيني جسم محترق              قربان حب خذي الأشلاء ضميها
هذا لقاء مع الأعداء أطلبه                            هذي حسابات دين لي أصفيها
إن تنصر الله أقوام فلا عجب                       إن كان نصر من الرحمن آتيها
يا من تدرعت الخذلان تلبسه                       حتى متى سحنة الحملان تخفيها
ماذا اتخذت سوى التنديد بادرة؟                    والخطب يجتث أوطانا فيرديها!
ما هكذا تترك الأوطان سائغة                            لآثم الكفر بالتدريج يفنيها
أما تألمت للأطفال هائمة                               بين الخرائب لما مات واليها؟
أما رأيت فدائيًّا بمفرده                                 يسخو بمهجته في النار يلقيها؟
الله أكبر تعلو من خنادقهم                            أجواء بيروت «جوقات» تغنيها
والطفل يحبو إلى أم وقد قتلت                         إذ عضه الجوع مذعورًا يناديها
والشيخ من غير ذنب روحه استلبت                     تشكو تخاذلنا المزري لباريها
شاطرت في قتل إخوان قتلتهم                            لما تخاذلت عن جلى تعانيها
وسائل في يد العرباء قاتلة                               لو أنها في وجوه البغي تلقيها
•••••
يا عبد ريغان كم في الغيب من عبر                    تبكي لها سلفًا لو كنت تدريها!

قصة واقعية
خنساء العصر!
-كتبها أبُو جَابر - 
قالت له: معاذ الله أن أقف في طريقك، طريق البر والجنة، فسِر يا أيمن على بركة الله، والله يحميك ويرعاك، ولن يصيبك إلا ما قد كُتب عليك. 
إنها أم أيمن، وهل تعرفون من هي أم أيمن؟ لعلي إن قلت: إنها خنساء القرن العشرين أصبت بقولي كيد الحقيقة، فالخنساء فقدت أولادها الأربعة فقالت: «الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته». وخنساؤنا أم أيمن استشهد ولدها وقتل النصيريون المجرمون زوجها وابنها، فتدخل ذات صباح على جارتها وتقص عليها رؤيا كانت قد رأتها الليلة المنصرمة فتقول:
«لقد رأيته يلبس البياض، وينم ثغره عن بسمة رقراقة، بطوله وعرضه، ما تغير فيه شيء حتى لحيته الكثيفة كثيرة السواد. فقلت له: أيمن! قال: لبيك أماه. قلت: كيف أصبحت؟ قال: بخير من الله وفضل. قلت: وأبوك؟ 
قال وبسمته ما فارقت شفتيه: لقد عرض عليه الزواج فأبى وقال: إني أنتظر أم أیمن. أرأيت يا جارتاه؟ أسأل الله العظيم أن يلحقني به وبأولادي، فقد اشتقت للجنة وللقاء الله».
أعرفتم إذًا من هي أم أيمن؟ هي التي دفعت ولدها الأول إلى الجهاد ساعة، جاء يستأذنها قائلة له -كما رأينا-: لن يصيبك إلا ما قد كتب عليك. أما ولدها الثاني «ياسر» فله معها قصة رائعة يعجز الخيال عن استيعابها، أتحبون أن تسمعوا القصة؟ إليكم ذلك ومن البداية:
ياسر هذا في الربيع الثالث والعشرين من عمره، اعتقلته السلطة أربعة شهور ثم أفرجت عنه لما أوتي من ذكاء وقوة صبر، وكان والده -رحمه الله- يريد إبعاده عن جو الجهاد فخطب له غادة حسناء وتكفل له بخمسين ألف ليرة ليستعين بها في أمر زواجه، ولعله أحس بروحه الشفافة أنه سيفارق الحياة عن قريب، فأودع عند زوجته جميع ما يملك، وخصص منهم الخمسين ألفًا وأوصاها بالشاب خيرًا. وما هي إلا أيام مضت حتى اقتيد الأب وابنه أنس إلى المعتقل ومنه عرجت الروح إلى بارئها.
والحديث الآن عن ياسر، ياسر البطولة والشهامة، لقد جاءها ذات يوم ليخبرها أنه لاحق بركب المجاهدين وانضم مع أخيه أيمن. قالت له: ياسر! أتذهب أنت أيضًا؟ فمن لي إذًا بعد أن اقتيد أبوك وأخوك، ومن للطفلين الصغيرين؟ 
أجابها ياسر بكل ثقة وطمأنينة، وبكل اختصار وإيجاز، وبكلمة واحدة: الله.
رأت الأم أنها لن تقدر على تحريكه فابنها لم يعد رجلًا فحسب وإنما جبل أشم. ذكرته بدراسته الجامعية فذكرها بجلاوزة النظام وجلاديه، كيف رآهم بأم عينيه وهو في المعتقل يمرقون كتاب الله ويدوسونه بأقدامهم، وأنه أقسم ساعتئذ لئن أفرج الله عنه لينتقمن لكتاب الله وكلماته، وها هو خارج المعتقل، ويريد أن يبر بقسمه. حاولت ثالثة: ألن يكفيك أيمن وأصحابه ذلك يا بني؟ قاطعها -وبأدب الأبناء- قائلًا: أماه، لمَ تمنعيني ما سمحتِ به لأخي، أليست الجنة غاية للمتقين؟ أفلا أكون واحدًا منهم؟
رأت الأم أنه لا مناص من طرح العرض الأخير، فقالت: أي بني، أنسيت أن لك خطيبة تنتظرك؟ ثم هل يخفى عليك أن والدك قد جعل لك خمسين ألف ليرة تستعين بها في أمر زواجك؟
سكت ياسر برهة وظنت الأم أن ياسر قد اقتنع، وما درت أنه يحضر لمبادلة منطقية صائبة، قال: أماه، إن والذي تكفل لي بزوجة واحدة ومبلغًا أستعين به في شراء بعض الأثاث والحاجيات، لكن ربي جل وعلا قد تكفل لي باثنتي وسبعين حورية وقصور فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فأي صفقة أشتري وأي سلعة أبتاع؟ ثم أردف ياسر بعد صمت هنيهة وبرزانة الجبال الراسيات وقوة الرعود الخارقة: لقد صممت المضي فيما عليه عزمت، فإذا شئت وسمحت فأعطني المال لأستعين به في صفقتي التي اخترت، وإلا تركته لك ولصغارك ثم ودعتك وانصرفت، الله أكبر.. الله أكبر.. يا أحبتي. وما هي إلا لحظات حتى دفعت الأم المبلغ لولدها قائلة له: والله لا أمنع عنك مالًا خصصه لك أبوك وهو في الوقت ذاته يوصلك إلى الجنة، فامضِ لما شئت والله معك.
وقبل المغادرة، وعلى عتبة الدار، يطلب ياسر من أمه الدعاء له بالشهادة. فترفع يدها إلى السماء، وكأن السماء تفتح أبوابها على مصراعيها، وكأن الأم تشعر أنها ساعة استجابة فتقول:
اللهم اقبل ياسرًا شهيدًا.
اللهم اقبل أيمن شهيدًا.
اللهم اقبل أنسًا شهيدًا.
اللهم اقبل والدهم شهيدًا، واقبلني معهم في فردوسك الأعلى يا رب. 
الله أكبر.. أهي كلمات امرأة عاطفية، أم صخور عاتية؟ لا.. إنه الإيمان العظيم الذي يفعل المعجزات. 
ثم انكبت على ولدها تعانقه، وأودعت على وجنتيه القبلتين الأخيرتين فاختلطت دموعها، ثم انسكبت على الأرض الحزينة لتروي تربتها الظمأى.
وتمضي الأيام والشهور على أم أيمن، ويستشهد زوجها وأولادها الثلاثة، وقد اعتادت أن تقص رؤياها على جارتها كلما جد جديد، وها هي تدخل اليوم عليها لتقص آخر رؤيا رأتها، فلنستمع إليها وهي تقول: «يا أم رامز، لقد رأيت الليلة في منامي شابًّا يستضيء الضياء بوجهه يقف على باب قصر مرتفع، سألته من أنت وما خطبك؟ 
أجابني والظلام يتعثر من فرط حيائه: أنا مهدي يا خالة، أنتظر دخول زوجك وأولادك لأستقبلهم. ويمر الركب الكريم ويستقبلهم مهدي، وأفتح عيني لأجد لساني يترنم بالآية الكريمة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٩، ١٧٠)

الرابط المختصر :