العنوان أدب الدعاية والمنشورات السياسية (2 - 2)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2016
مشاهدات 72
نشر في العدد 2091
نشر في الصفحة 60
الجمعة 01-يناير-2016
رواية "السلفي".. تشويه للإسلام وإظهاره بصورة متشددة ودموية
الشيوعية.. استغلالية وانتهازية ترفض الآخر
الشيوعيون تجاوزوا العرف السائد في تكوين الأحزاب وانتهزوا سيطرتهم على وسائط التعبير الثقافي والصحفي وغيرها ليجندوا الرفاق بأموال المسلمين
السلطات الاستبدادية حاضنة سخية للشيوعيين
الشيوعي يُظهر الإسلام على صورة إنسان ملتحٍ فظ لا رحمة في قلبه ويُظهر المسيحي بالملاك
"يجب ألا تؤذي روحاً حتى لو كانت نبتة لقيطة حمل الريح بذرتها".. إحدى الجمل الواردة في رواية "السلفي" وتستخدم لتخدم صاحب الرواية في إظهار صورة ملائكية للشخصية النصرانية
السعي لاستغلال الثغرات في حياة المسلمين في تشويه صورة الإسلام وتلطيخ منظر المسلمين بالدم
صفحات "السلفي" تطرح اتهامات ومفارقات ظالمة بين المسلمين والنصارى فيما يتعلق بزواج المسلم بالكتابية
"اخطفها ولتكن من سباياك".. عبارة يستخدمها الشيوعي لإظهار مغزى المسلم بزواج الكتابية
الشريعة تتجاوز الإطار المحدود الذي يعتقد به الشيوعي
الحرية علاج لمشكلات المجتمعات.. والدكتاتورية سبب المصائب والبلايا
الفارق بين "السلفي" وفيلم "طيور الظلام" أن الأخير يمتاز بحرفية فنية لا تتوافر في الرواية الزاعقة، وأنه يصوغ فكره في مواقف درامية تقنع من يجهلون تطور الفكر الشيوعي الذي يتحدث كثيراً عن النضال والثورية وطين الأرض؛ ثم ينام عادة آخر النهار في أحضان السلطة العسكرية الظالمة!
والمفارقة أن المحامي اليساري لا يجد غضاضة أن يتبناه أستاذه الشيوعي منصور عبدالجليل ويجذبه إلى الشيوعية، ليكون مع من يسميهم ملح الأرض، ويدعم الطبقة العاملة في الكيان الصهيوني وفقاً لنظرية وحدة العمال في العالم وتوجيهات القيادة اليهودية الشيوعية للأحزاب الشيوعية المصرية، بينما يغضب وينفعل لأن د. راضي تبنى مطيعاً ليكون عضواً في الإخوان ويطيع أوامر الجماعة ويعمل لحساب الدعوة الإسلامية، كأن الشيوعيين مثاليون للغاية لا يأتيهم دعم خارجي أو أموال من هنا أو هناك.
عقب ظهور "جورباتشيف"، وكذلك "البروستيريكا"، وسقوط الاتحاد السوفييتي، وتفكيك الدول الشيوعية أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، نشرت جريدة "الأهرام" المصرية أن الرفيق "ر. س" المعروف باسمه الحركي الرفيق حسن، تلقى من الجهات المعنية في موسكو 200 ألف دولار لحساب الحزب الشيوعي المصري، ولم يصدر تكذيب من الحزب الذي صار يعمل رسمياً في أحضان السلطة باسم التجمع الوطني التقدمي الوحدوي أو "توتو" اختصاراً حتى ساعة كتابة هذه السطور.
ثم ما المشكلة أن تكون عضواً في جماعة أو حزب وتدعمه بالاشتراكات ليستقطب إليه الأتباع والأنصار؟ أليست هذه قواعد التنظيمات في العالم كله؟ ألم يستغل الشيوعيون المصريون وزارة الثقافة بعد أن صارت ملكية خاصة لهم في تجميع الأتباع والأنصار الشيوعيين والإنفاق عليهم من أموال الدولة المسلمة في المؤتمرات والندوات والمحاضرات والنشر والتفرغ وما يسمى أكاديمية الفنون وقصور الثقافة وغيرها؟ لقد تجاوز الشيوعيون العرف السائد في تكوين الأحزاب وانتهزوا سيطرتهم على وسائط التعبير الثقافي والصحفي وغيرها ليجندوا الرفاق بأموال المسلمين الذين يرفضون الشيوعية، بينما ينشر الشيوعيون في كل مكان أن الدين أفيون الشعوب.
لا ريب أن المرحلة الحالية التي بدأت منذ انقلاب عام 1952م تمثل العهد الذهبي للشيوعيين المصريين ورفاقهم العرب أيضاً، فقد وجدوا الحاضنة السخية جداً وهي السلطات العسكرية والاستبدادية، والوسائط التي تنقل أفكارهم الإجرامية، والتمويل الحكومي المجاني، والمجال الخالي الذي تستأصل فيه السلطات كل فكر مغاير للشيوعية وخاصة الفكر الإسلامي!
وقبل أن أنتقل من هذه النقطة أود أن أسأل المحامي الشيوعي: هل قرأت كتاب "معالم على الطريق" بروح شيوعية أو بمنهج موضوعي؟
عند تناول الشخصيات غير المسلمة نرى المحامي المفجوع باختفاء ابنه في تورا بورا يصور لنا هذه الشخصيات ملائكة نورانيين لا مشكلات لديهم ولا منهم، حتى عم يوسف الذي لم يذهب إلى الكنيسة أبداً، كانت الكنيسة معه طول الوقت، فهو شخص طيب يتألف الآخرين من المسلمين، ويعتز بالإنجيل وتعليماته، ويقول لهم:
من يكذب منكم أو يسرق أو يقتل أو يسب صاحبه أو يهمل غنمه ستكويه هذه النار (يقصد النار التي يغلي عليها براد الشاي) يوم الدينونة، ويردف:
الله يحبنا ولا يريد أن يعذبنا، لكننا نحن الذين نعذب أنفسنا (انظر: السلفي، ص 67 وما بعدها).
لا تؤذِ روحاً
وعندما أبدى ولد من رعاة الأغنام الذين يرافقون يوسف بسبب البحث عن أرض جرداء ليوقدوا النار، واعتقد زملاؤه أنه سيصفعه على وجهه، فإذا به يضع يده على كتفه ويقول له:
- يجب ألا تؤذي روحاً حتى لو كانت نبتة لقيطة حمل الريح بذرتها! (السلفي، ص 69).
هذه الصورة الوردية للشخصية النصرانية المسالمة التي تحب ألا تؤذي نبتة لقيطة حملت الريح بذرتها لا تذكر المحامي الراوي برفاق للعم يوسف يقولون: إنهم أصل البلد (مصر)، وإن اللغة العربية عار، وإن المسلمين ضيوف يجب أن تنتهي ضيافتهم عما قريب، ويجب العمل ليل نهار لإخراجهم وفقاً للطريقة الأندلسية أو الطريقة النيجيرية، وفي كل الأحوال يجب تغيير هوية البلد بزرع الكنائس في كل مكان، وتنظيف المناهج الدراسية من كل أثر للإسلام وأبطاله العظام المنتصرين مثل خالد بن الوليد، وعقبة بن نافع، وصلاح الدين الأيوبي، والترويج لرفض ما يسمى الدولة الدينية أي الإسلامية.. باختصار حذف الإسلام من حياة المسلمين!
ثم ها هو موقف آخر يبدو فيه أسعد الموظف المتعلم الملتحي فظاً وجلفاً أمام إنسانية العم النصراني يوسف حين يرفض الرد عليه ويشيح بوجهه وتنتفخ عروقه بغضب عارم ويصرخ فيه قائلاً:
- أنا لا أتكلم مع نصراني كافر! (ص 74).
السؤال: أين وجد المحامي/ الراوي هذه النماذج الفظة؟ وهل هي ظاهرة منتشرة تستحق منه المرافعة الحارة؟ وهل فات عليه أن كثيراً من الملتحين المسلمين الطبيعيين يتعاملون مع كل الشرائع والعقائد في الداخل والخارج دون فظاظة أو تكفير؟ يبدو أن صاحبنا يقوم بدور المحامي حسن سبانخ في فيلم "الأفوكاتو" الذي مثله عادل إمام في فترة الانفتاح، حيث كان يعتمد على الجوانب الهامشية في القضية ليقنع القضاة بسلامة موقف موكله، ولا مانع لديه في الوقت نفسه أن يقوم بدور الخصم لهذا الموكل حين ينقلب عليه!
وليؤكد حسن سبانخ وحشية الملتحين ينقل إلى ابنه أن ملتحياً مثل أسعد قتل ابن حفيد يوسف ويدعى "ناشد":
"هل تعلم يا ولدي أن ابن حفيد العم يوسف واسمه ناشد قتله أمثال أسعد؟ وهم أمثالك أيضاً لأنهم عرفوا أنه مسيحي، لم يسألوه حين أوقفوا الحافلة التي كان جالساً على أحد مقاعدها ذاهباً إلى رزقه، بل رأوا الصليب الأزرق مطبوعاً على معصمه، فأطلقوا النار عليه دون أن يعطوه فرصة لينطق حرفاً واحداً، أو يذرف دمعة واحدة، أو يرى الطريق الذي يشير إلى الشرق، حيث يمكن أن يعود إلى هنا" (السلفي، ص 75).
أرفع الجوائز لحسن سبانخ
من حق جهات التنصير العالمي أن تمنح حسن سبانخ في الرواية أرفع جوائزها، فقد قدم لهم صورة للمتدين المسلم السفاح الذي يقتل لمجرد رؤية الصليب، وتفوق على المارون في لبنان الذين كانوا يقتلون المسلمين بمجرد ذكر أسمائهم محمد وأحمد وعمر وعثمان وعلي وحسن وحسين وفاطمة وخديجة وزينب.. كما تفوق على الطائرات الصليبية التي قتلت عشرات الألوف من المسلمين الفقراء عشوائياً في قرى أفغانستان وجبالها وأوديتها بحجة محاربة الإرهاب، وقتلت وتقتل مئات الألوف من شعبنا المسلم في العراق وتمطرهم بالقنابل الثقيلة بدعوى ترسيخ الديمقراطية ومكافحة المتطرفين والإرهابيين.
لا بأس بجائزة العالم الصليبي وجوائز أتباعه في بلادنا العربية، فحسن سبانخ قادر على استغلال الثغرات في حياة المسلمين والنماذج الشاذة، وبعضها من صنع الخيال، في تشويه صورة الإسلام وتلطيخ منظر المسلمين بالدم والعار مع أن أوروبا تفيض بنماذج صليبية لا تخفي تعصبها ودمويتها على مدار الساعة، ولا شك أنه سمع برئيس وزراء المجر الذي رفضت بلاده قبول المهاجرين السوريين الذين هربوا بجلودهم من براميل المسلم المثالي (؟) "بشار الأسد"، وسمع عن دول أوروبية قالت: إنها لا تقبل إلا اللاجئين المسيحيين، وعن الأحزاب والجماعات التي خرجت في أنحاء أوروبا ترفض قبول اللاجئين السوريين بحجة أنهم سيغيرونها ديموجرافياً (سكانياً) ويحولون أغلبية السكان إلى مسلمين، وعن الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا التي قالت: إن قتال الجيش الروسي في سورية مهمة مقدسة! أما حوادث القتل للمسلمين على امتداد أوروبا فهي عديدة، ولم تعالج عندنا نحن المسلمين على أساس أنها قواعد راسخة وظواهر عامة، مع أنها في حقيقة الأمر كذلك.
حسن سبانخ متيم بجعل المسلم بشعاً والمسيحي ملاكاً!
مفارقة ظالمة
تأمل مثلاً ما يثيره صاحبنا عن زواج المسلم بالكتابية وكأن صفحات "السلفي" على امتدادها مكلفة بطرح المفارقة الظالمة بين المسلمين والنصارى، فيروي عن الأجداد في القرية أنهم كانوا لا يوافقون على هذا الزواج، الأب المسلم يقول لابنه: فارقني، والأب المسيحي يقول لابنته: فارقينا، ولكنهما لا يتخاصمان، بل يجلسان معاً ذات ليلة بعد ذلك ويتعاتبان؛ لأن الولدين كانا مخطوبين في أقاربهما ويتبدد أثر المشكلة، ولكن المحامي الراوي يزعم أن ابنه وأمثاله كانوا في مثل هذا الموقف يفرقعون الرصاص ويسيلون الدماء، أو يقول الولد المسلم لزميله: "اخطفها ولتكن من سباياك"، ثم يتهم ولده بأنه سيقول عن روزالين الفتاة النصرانية: وما يدريني أنك ستقول عن روزالين: إنها مشركة وليست كتابية؟ يضيف المحامي الوالد: مع أنني سمعتها تقول للبائع في السوق:
- وحِّد ربك.
وحين كانت تمسك بيديها ما اشترته ينير وجهها وتقول:
- اللهم صلِّ على النبي.
ثم تمضي راضية وهي تلثم الأرض فلا تؤذي حتى التراب! (انظر: السلفي 145 – 147).
تمنيت أن تكون هناك امرأة مسلمة لها وجه منير ولا تؤذي التراب، وللأسف شخصيات الأغلبية الإسلامية مشوهة أو معوقة أو تعيسة الوجود!
ثم انظر قصة الشيخ حسن صاحب اللحية والجلباب مع ماريا حيث تنازل ورد عليها التحية "مساء النور"، ثم "دفس عينيه في ردفيها وراح يتلمظ، ويميل برأسه حيث تميل" (انظر السلفي، ص157 – 158).
مع اللوم والتقريع والتوبيخ من جانب المحامي لولده يحكي له عن السلوك المشين للشيخ حسن مع ماريا التي يتحرش بها في الظلام، وسمعته يقول:
- حين تقوم دولتنا ستصبحين جاريتي، سأسبيك وتكونين ملك يميني، الدولة قادمة لا ريب فيها، فما الداعي للانتظار؟ (السلفي، ص 159).
المحامي يردد كل ما يقوله مثقفو النظام المستبد أو مثقفو الحظيرة، وأغلبهم من الشيوعيين المعادين للإسلام والموالين للعدو الصهيوني، يأخذون من سلوك بعض الأفراد أو الجماعات على فرض صحتها وسيلة لتعميم الحكم بالفصام والوحشية على الإسلام والمسلمين، لا تجد شخصية إسلامية في الرواية متسقة مع نفسها أو مع ضميرها، شخصيات المسلمين المعتدلة تدور في الصوفية السلبية أو الدروشة التي لا يتجاوز اهتمامها الطعام والشراب والأحلام والذكر في الحلقات.
يروج حسن سبانخ للدولة القادمة وسبي غير المسلمات، ويتجاهل أن هذه الدولة حين جاءت بالانتخابات الديمقراطية الشفافة لم يحدث سبي لأحد، ولا فرض جزية على أحد، وفي الوقت نفسه فإن من يملكون النبّوت لم يسمحوا للدولة الديمقراطية الوليدة أن تستمر، وخطفوا رئيسها المسلم، وظهر رئيس النصارى في موكب الخطف مبتهجاً بسقوط ما سماه النظام الإسلامي، ثم بارك القتلة الذين سفحوا دماء الآلاف في رابعة والنهضة والفتح وغيرها وهنأهم على إنجازاتهم الرائعة، ودفاعهم عن الوطن الذي لا تؤذي فيه النصارى روحاً حتى لو كانت نبتة لقيطة حملت الريح بذرتها كما يقول الكتاب!
في ثنايا صفحات "السلفي" أو المرافعة الطويلة ضد الإسلام فطرة رب العالمين، نجد المحامي الراوي يحمل حملة ضارية على الشباب الذين يمثلون الحركة الإسلامية في ألوانها المختلفة، ولا يستثني من ذلك غير الصوفية أو الدراويش الذين يعيشون خارج الزمن ولا علاقة لهم إلا ببطونهم وأورادهم، ثم إنه لا يعجبه الحديث عن تطبيق الشريعة الذي يتنادى به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ويسخر من الذين تحدثوا عن معجزات في أثناء مدافعة السوفييت الغزاة القتلة لدى احتلالهم بلاد الأفغان، ويتهم المسلمين برفض الشعر والأدب وتحريم الموسيقى والغناء، وينادي بما يسمى الزواج المدني في مقابل الزواج الشرعي الذي عرفه الإسلام والمسلمون على مدى أربعة عشر قرناً من الزمان، يصعب تتبع ما قاله في مرافعته الطويلة المنحازة إلى الفكر الشيوعي أو اليسار الذي صار طريقه وابتعد عنه ابنه إلى تورا بورا حيث اختطفه من ليس في قلوبهم رحمة كما يتصورهم.
سأكتفي هنا بعرض مسألتين من هذه المسائل كما وردتا في الرواية أو المرافعة الطويلة ضد ابنه السلفي أو بالأحرى ضد الإسلام؛ وهما قضية الشريعة، وقضية الموسيقى.
الشريعة بوجهة نظر اليساري
يتحدث حضرة المحامي إلى ابنه حول الشريعة ويورد رأي ولده الذي يقول: إن بلدنا تجافيها والسلطة تحاربها، وإنه - أي المحامي - مع تطبيق الشريعة كما جاءت في القرآن الكريم بشرط أن نقرأه دون اجتزاء، وكل ما لا يخالفه مما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال، وما تواتر عنه من أعمال، لكنه – أي المحامي الراوي – ضد شريعة الخلق التي يطرحها بعض مشايخ ولده ويزعمون أنها شريعة الخالق ويمنحونها قداسة تتقدم على وحي السماء، واستعاروا ما أنتجه الأوائل عبر إعمال العقل في مشكلات واقعهم على أنه "نقل" شأنه شأن التنزيل!
ويلخص المحامي الراوي رأيه بالقول لابنه:
"الشريعة كما أفهمها لم تغب يوماً عن الشعب المصري، فهي مطبقة كاملة، ومتجسدة في قانون الأحوال الشخصية، حيث أحكام الزواج والطلاق والميراث، أما بالنسبة للحدود، فهناك التعزير الذي استبدل السجن بقطع يد السارق، وجلد الزاني وشارب الخمر، وهذا من حق الحاكم، كما اتفق الفقهاء الأوائل، وحتى لو لم نرد التعزير هذا فإن الشروط الصارمة والقاسية التي وضعت في سبيل تطبيق الحد تكاد تقول لنا بوضوح: إن الحدود للردع، والقانون المصري الحالي لا يكافئ السارق، ولا يحتفي بالسكير، ولا يبارك فعل الزاني، إنما يعاقبه" (انظر: السلفي، ص 162 – 164).
واضح أن حضرة الأفوكاتو الراوي لا يعرف شيئاً عن الشريعة ولا مفهومها، ويردد ما تنشره صحف النظام المستبد الذي يرى الاستبداد وقهر المسلمين تطبيقاً للشريعة، كما يسعد ببعض المأجورين الذين يرون قياداته أنبياء مثل موسى وهارون أو فاتحين مثل خالد بن الوليد.
ثم إن صاحبنا يعتقد أن الشريعة محصورة في الأحوال الشخصية (الزواج، الطلاق، الميراث..)، ويرتبط بها إقامة الحدود: التعزير (الجلد الرجم، قطع الأيدي والأرجل..).
الإطار المحدود
ومع أنه يساري أو شيوعي، فلم يلتفت حسن سبانخ إلى أن الشريعة تتجاوز الإطار المحدود الذي وضعها في سياقه، فهي أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وهي نهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وهي رحمة ومودة وتضامن وتكافل، وهي بناء للقوة وجمع للحكمة، وهي عمل مستمر لإعزاز الإسلام والمسلمين، وهي جهاد يواجه أعداء الدين والأوطان مثل السوفييت الغزاة والأمريكيين المحتلين واليهود القتلة المغتصبين للمقدسات، وليته قرأ القرآن الكريم الذي يدّعي الإيمان به ليرى مفهوم الشريعة كما ينبغي، ليته قرأ قوله تعالى: (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل:90)، لو قرأ هذه الآية لعرف أن نظامه المستبد الظالم آذى كثيراً من الناس وظلمهم وقهرهم وميّز بينهم وأطلق فيروس العنصرية القاتل بين طبقات الأمة، وخلق بيئة مثالية لتفشي الرشوة والوساطة والمحسوبية والنفاق والكذب والوصولية والتسلق والتملق.. فهل هذه الأمور من الشريعة؟ وهل هذا النظام يطبق الشريعة؟
لن أدخل في جدل حول مفهومه القاصر للشريعة، ولكن ما أضحكني قوله: إن السلطة لا تكافئ السارق! ونسي أنها تمنح اللصوص الكبار حصانة وامتيازات قانونية لينهبوا الوطن وأراضيه وثرواته وممتلكاته.. وكله بالقانون كما يقولون!
تناقض عجيب
المفارقة أن صاحبنا يقع في تناقض عجيب حين يقرر أن الشريعة مطبقة في قانون الأحوال الشخصية، ثم يكتب في صحف النظام التي لا تتاح الكتابة فيها إلا لأمثاله من الشيوعيين وأشباههم داعياً إلى ما يسمى بالزواج المدني! (ص 148)، وما أدراك ما الزواج المدني؟ إنه يُسقط فكرة الدين؛ أي من الممكن أن يتزوج مسيحي مسلمة بالمخالفة للشريعة، ويترتب على ذلك خلل وخلط في الطلاق والعدة والميراث وحقوق الأبناء وغير ذلك.. فإلى أي شاطئ يقودنا حسن سبانخ المحامي بتخرصاته وأفكاره الشيوعية؟
موسيقى الأنين في الزنازين
المسألة الأخرى وهي تحريم السلفي للموسيقى والغناء والأدب والشعر وما يتعلق بتغذية الوجدان من رقائق ومتع فنية، ويثير جدالاً مسهباً على صفحات الرواية يمكن تلخيصه في السؤال الذي طرحه على ابنه (ص 174):
على أي أساس تحرم الموسيقى؟
من جانبي سأوافق المحامي الراوي في مرافعته على غلو نفر من السلفيين وجهامتهم ضد الرقائق، ومن عندي أقول له: إن بعضهم يحرم الثقافة عموماً ولا يعترف بها، ولكني أسمح لنفسي أن أسأله عن حكم موسيقى من نوع آخر، إنها موسيقى الأنين التي تنبعث من أفواه المظلومين الذين يعذبون بأبشع أنواع التعذيب وآلاته في الزنازين المعتمة وسجون السلطات التي يزعم المحامي أنها تطبق الشريعة كاملة.
ما حكم هذه الموسيقى؟ هل هي حلال أو حرام؟ هل هي من ضمن تطبيق الشريعة لدى الأنظمة الدموية المستبدة؟ هل يمكن أن نستمع إلى هذه الموسيقى والجلادون الذين لا يعرفون الرحمة يعزفونها إلى درجة قتل الضحية تعذيباً؟ هل يعلم حسن سبانخ عدد آلاف الضحايا الذين يعزفون هذه الموسيقى؟ لا يعرف لأنه مؤمن أن النظام يطبق الشريعة.
المحامي الذي يعيش مع ملح الأرض لم يستنكر في كلمة واحدة عبر منشوره اليساري احتلال السوفييت لأفغانستان، ولم يجزع لقتل عشرات الألوف من الأفغان وهدم بيوتهم بطائرات "الميج" وأيضاً "السوخوي"، ولم يغضب لتدمير البيوت المتواضعة والمساجد وقصف جبال أفغانستان وسهولها بالمطر الأصفر أو الغاز المحرم دولياً، وبالطبع لم يفعل ذلك مع أمريكا التي فعلت ما هو أكثر منه بشاعة وشناعة، ليس في أفغانستان فقط بل في العراق والصومال واليمن وخلفت ملايين الأرامل واليتامى والعجزة والمصابين!
حسن سبانخ يدعو في مجال الأدب الروائي إلى الإيمان بالسلطة الدموية المستبدة التي تطبق الشريعة كما يزعم، ويهجو السلفيين والإسلام من خلال حكايته المتخيلة مع ولده الذي سافر إلى تورا بورا واختفى هناك، فتملكته الشجاعة ليهاجم السلفيين، ويبارك استبداد الجلادين، ولم تمسسه لحظة رفق بابنه أو أمثاله ليقول للجلادين: إن الحرية علاج لمشكلات المجتمعات، وإن الدكتاتورية سبب المصائب والبلايا، وانحطاط الأدب أيضاً!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل