; أخطار الغزو التبشيري و طريق القضاء عليها | مجلة المجتمع

العنوان أخطار الغزو التبشيري و طريق القضاء عليها

الكاتب الشيخ محمد الأباصيري خليفة

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975

مشاهدات 18

نشر في العدد 259

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 22-يوليو-1975

لما قام الأوروبيون بشن الحملات الصليبية على بلاد الشرق الإسلامي كانوا يعتقدون أنهم سيقضون على المسلمين وعلى دينهم بيسر وسهولة لسببين:

أولهما: أن الجحافل الصليبية الغازية كانت عظيمة القوة متحدة الكلمة على القتال، على حين كان المسلمون -حينذاك- متقاطعين متدابرين قد بدأ الانحلال يدب في حياتهم.

وثانيهما: وجود نصارى عرب يقيمون في بلاد الشرق الإسلامي، وخاصة في بلاد الشام، فكان الأوروبيون يعتمدون على أن هؤلاء النصارى سيكونون للمسلمين، وسيكونون عيونًا عليهم لصالح الغزاة المتفقين معهم في الدين.

وكم كانت دهشة الأوروبيين بالغة الحد حين قوبلوا بصلابة المسلمين وصبرهم على الجهاد، وحين رأوا النصارى يحاربون مع المسلمين! فلما انتهت الحروب الصليبية بالفشل أخذوا يدرسون السر في قوة المسلمين وتماسك النصارى معهم، فأدركوا أن قوة المسلمين نابعة من عقيدتهم التي يترابطون بها، والتي تجعل الشهادة في سبيل الله أسمى أمانيهم، وأن تعاون النصارى مع المسلمين نابع من سماحة الإسلام التي جعلت لهم ما للمسلمين من الحقوق وعليهم ما على المسلمين من الواجبات، فهم يدافعون عما ينعمون به في ظل المجتمع الإسلامي من رعاية لم تعهد إلا في تعاليم الإسلام.

إذن فلكي يسهل غزو الشرق الإسلامي -وهو أمر يمليه الحقد الأسود على الإسلام- لابد من عمل يضعف العقيدة الإسلامية، ويوجد الانقسام الطائفي بين المسلمين والنصارى!

وخير طريق يؤدي إلى هذا الغرض هو الغزو التبشيري باسم العلم والطب، فإنهم بذلك يستطيعون أن يضللوا نصارى العرب ويكسبوهم إلى جانبهم، وأن يثيروا شكوكًا حول دين المسلمين وتاريخهم بما يؤدي إلى إضعاف عقيدتهم.

وقد نفذوا هذا الغزو فأسسوا في أواخر القرن السادس عشر مركزًا كبيرًا للتبشير في مالطة، ومنه كانت ترسل إرساليات التبشير إلى الشرق الإسلامي، فتؤسس المدارس والمستشفيات والمستوصفات وتقيم الحلقات العلمية وتنشر الكتب الدينية. وفي سنة 1820م أسس أول مركز للتبشير في بيروت، ونقلت الإرسالية مطبعتها من مالطة إلى هذا المركز، وعلى إثر إنشائه ازداد النشاط التبشيري في سائر بلاد الشام، ففتحت كلية في قرية «عينطورة» في لبنان، وأبدى المبشر الأمريكي المشهور إيلي سميث تحركًا واسعًا، وفتح هو وزوجته مدرسة للبنات، وقد استطاع هو وغيره من رجال التبشير أن يوغروا الصدور بين أبناء الشعب باسم الحرية الدينية، وأن يوجدوا بين المسلمين والنصارى صراعًا فكريًا يتصل بالعقيدة.

ولما انسحب إبراهيم باشا من الشام سنة 1840م انتشرت الفوضى، وساد الاضطراب والقلق، وانقسم الناس على أنفسهم، وبدأ ضعف نفوذ الدولة العثمانية في البلاد، فاغتنم أعضاء البعثات التبشيرية تلك الفرصة وأخذوا يشعلون نيران الفتنة لتكون مفتاحًا للتدخل الأجنبي. ولم يمر عام واحد حتى وقعت اضطرابات خطرة في جبل لبنان بين النصارى والدروز، وأخذت الدول الأجنبية عن طريق المبشرين توسع نطاق الفتنة حتى مرت من لبنان إلى سائر بلاد الشام وخاصة دمشق، فقد قامت فيها سنة 1860م مذابح رهيبة صاحبها تخريب وتدمير على نطاق واسع، وبذلك سنحت الفرصة لها للتدخل عسكريًا في سوريا ولبنان! فأرسلت البوارج الحربية إلى المياه السورية، وأرسلت حملة برية من الجيش الفرنسي إلى بيروت، وهكذا صنع المبشرون الفتنة لتكون مفتاحًا لتدخل دولهم، واستطاعوا بها أن يجعلوا لبنان مركزًا للدول الأجنبية فكان رأس الجسر الذي ينفذون منه إلى قلب البلاد العربية الإسلامية.

وأثناء اشتعال تلك الفتن الطاحنة في لبنان وسوريا اتخذت أعمال التبشير مظهرًا آخر لم يكن موجودًا من قبل، فلم يكتفوا بحركة المدارس ودروس التبشير، والمطابع، والمستشفيات والمستوصفات، بل تعدوا ذلك إلى تأسيس الجمعيات.

ففي سنة 1842م شكلت لجنة لتأسيس جمعية علمية تحت رعاية الإرسالية الأمريكية.

وفي سنة 1847م كونت جمعية سميت «جمعية الفنون والعلوم»، وكان أعضاؤها اثنين من نصارى العرب واثنين من الأمريكان، وواحدًا من الإنكليز.

وفي سنة 1850م أسست جمعية سموها "الجمعية الشرقية"، وكانت تحت رعاية الأب اليسوعي الفرنسي هنري دوبرونيه، وكان جميع أعضائها من النصارى.

ولما لم يقبل على الاشتراك في هذه الجمعيات أحد من المسلمين، لجأ المبشرون إلى تكوين جمعية لا يدخلها أحد من الأجانب، حتى توصلوا إلى ضم عدد من المسلمين والدروز وسُموها «الجمعية العلمية السورية»، وفعلًا دخل عضوية هذه الجمعية واحد من المسلمين، وواحد من الدروز، وبقية الأعضاء كانوا من النصارى، وأعلنت هذه الجمعية أن رسالتها التوفيق بين الطوائف.

ولكن سرعان ما ظهر أمرها، وأنها استعمارية تبشيرية تعمل على بعث الثقافة الغربية والمدنية الغربية، وفي سنة 1875م قام خمسة من شباب النصارى الذين تلقوا العلم في الكلية البروتستانتية في بيروت بتأليف جمعية ألبسوها ثوب العروبة، وأخذوا يركزونها على فكرة سياسية وهي بعث فكرة القومية العربية، إلا أن القائمين عليها كثيرًا ما ضمّنوا نشراتهم اتهام تركيا بأنها اغتصبت الخلافة الإسلامية من العرب، وأنها تجاوزت حدود الشريعة الإسلامية، مما يدل على الغاية التي وجدت من أجلها، وهي إثارة القلاقل ضد الدولة العثمانية، وتشكيك المسلمين في دينهم، وإقامة الحركات السياسية على غير الإسلام.

وكانت هذه الحركات التبشيرية بأشكالها المختلفة هي الطلائع التي مهدت الطريق للاستعمار الغربي في بلاد الشرق الإسلامي، وكانت مؤسساتها في البلاد العربية حصونًا للدول الأجنبية توجه منها سهامها المسمومة إلى الكيان الإسلامي، كما اتخذت مأوى لرجال المخابرات الحربية والسياسية، وكان هؤلاء يفدون إلى البلاد تحت لباس الكهنوت أو باسم الدين والاستشراق.

واستطاعوا أن يضموا عددًا كبيرًا من النصارى للعمل في خدمة أغراضهم ممنين إياهم بالعصر الذهبي القادم الذي سيستظل فيه نصارى العرب بالراية الصليبية.

ولما قامت الحرب العالمية الأولى (1914–1918م) أخذت المراكز التبشيرية تذكي نار الحقد والبغضاء في نفوس النصارى العرب ضد المسلمين، وتصور لهم الحرب الماثلة بأنها نهاية الحروب الصليبية، كما جاء في تصريح اللورد اللنبي عند دخوله مدينة القدس سنة 1917م حيث قال: «اليوم فقط انتهت الحروب الصليبية».

وعقب حرب فلسطين سنة 1948م انتهز المبشرون الظروف القاسية التي يعيشها الفلسطينيون ونشطوا في تحقيق أهدافهم الصليبية!

ففي مدينة القدس أخذوا يشترون الأملاك العربية الإسلامية في المدينة وما حولها حتى يتمكنوا من وضعها تحت الحكم الديني البابوي!

وفي قطاع غزة ظهر نشاطهم مؤيدًا من رجال وكالة الغوث ورجال الدين المسيحي، وقدموا لهذا النشاط بمد يد الإحسان للمهاجرين الذين تجمعوا في القطاع عقب إجلائهم عن بلادهم، ومنح بعض القروض للمحتاجين من أبناء غزة، ظنًا منهم أنهم بذلك يكممون الأفواه، ويمنعون المعارضة لمخططاتهم في المنطقة، وقد بدأوا بمحاولة بناء مركز للتبشير بمدينة غزة، فتقدموا للحاكم الإداري العام طالبين إقطاعهم قطعة أرض من أراضي الحكومة ليقيموا عليها كنيسة ومدرسة، ولما لم يتم لهم ذلك قاموا ببناء كنيسة بجوار الكنيسة القديمة، وعمدوا إلى فتح جمعية سموها "جمعية الشبان المسيحية"، وكانت أولى أعمال هذه الجمعية استمالة بعض الشباب المسلم غير المتمكن من تعاليم دينه، والمقهور بـذل الحاجة! تغريه بالمال، وتبث في نفسه الشكوك، وتحبب إليه الخروج على الأخلاق الإسلامية؛ لتتخذه معاول لهدم الإسلام في نفوس عشيرته والمخالطين له، وذلك جريًا على المخطط التبشيري الذي أعلنه القسيس سميث مدير مدرسة مار لوقا التبشيرية في حيفا ردًا على سؤال وجه إليه عن عدد أبناء المسلمين الذين انضموا إلى الدين المسيحي حيث قال هذا القسيس: "لا تسألونا عن عدد أبناء المسلمين الذين انضموا إلى الديانة المسيحية، إذ إننا نتخذ أبناء الإسلام معاونين لهدم الدين الإسلامي".

وقد حرص الاستعمار على تنحية الإسلام عن واقع الحياة في الأمم الإسلامية، فعمل على غرس الثقافة الغربية في نفوس بعض المتعلمين من المسلمين، وحبب إليهم الفسوق والافتتان بكل ما هو أجنبي، ومكن لهم من تولي المراكز الحساسة في بعض البلاد العربية الإسلامية، وأوجد فيهم الإحساس بأن وجودهم في الحياة مرتبط بوجوده.

ويعتمد الاستعمار على هؤلاء العملاء في طمس لواء الإسلام في نفوس المسلمين، والحيلولة دون تطبيق الشريعة الإسلامية، والإفساح للقوانين والعادات غير الإسلامية لتأخذ طريقها إلى عقول الناس وأعمالهم، وصبغ المجتمعات الإسلامية بفيض الكفر ومفاسده، وإقامة حركة لمناهضة الإسلام تحت أسماء كاسم القومية، وكاسم الوطنية والشيوعية، وغيرها من الأسماء التي لا يقبلها الإسلام، ولا يسمح لفلولها أن تقتحم حماه فـيدنس عقيدته، أو ينقص عالميته، أو يعطل أحكامه.

ولقد كانت الدول الأوروبية تمد المبشرين بالمال لإقامة المراكز التبشيرية وإعداد النشرات والكتب وشراء الذمم، ولكنها -بعد نجاح المبشرين في تضليل الكثيرين من نصارى العرب وضمهم إلى جانبهم- أخذت تكون منهم الأحزاب والتكتلات وتمدهم بالسلاح لضرب المد الإسلامي، وتعويق تقدم المسلمين وتطويق انتصاراتهم!

وما حزب الكتائب النصراني في لبنان إلا مثل لهذا الواقع الأليم، ولقد شهد العالم في الأيام الأخيرة عدوانه الأثيم بالمدفع والصواريخ على المقاومة الفلسطينية قصد تصفيتها والقضاء عليها؛ لأن نزعات الأحقاد الصليبية لم تطق أن ترى نجاحها في المجال الدولي حيث اعترفت بها هيئة الأمم، وخطواتها الموفقة في تسديد الضربات للعدو الإسرائيلي المغتصب لأرضها، والذي نصبه الاستعمار في الشرق الإسلامي ليكون رأس حربة تستخدم في إضعاف شأن المسلمين!

هذا هو الغزو التبشيري في الشرق الإسلامي، وتلك أخطاره التي توجب على المسلمين اليقظة والحذر والإعداد القوي السريع لكل احتمالات المستقبل.

وقبل أن أتناول واجب المسلمين لدفع تلك الأخطار أقول لمواطنينا من نصارى العرب: إنهم يكونون ضالين لأنفسهم إذا استبدلوا حماية الاستعمار بعدل الإسلام، ويكونون مخدوعين كل الخداع إذا وقع في نفوسهم أن ما يعدهم ويمنيهم به الاستعمار سيتحقق، فما يعدهم ويمنيهم إلا غرورًا، ولن تسقط الراية أبدًا من يد المسلمين: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

أما واجب المسلمين إزاء ذلك البلاء فهو:

1.      القيام فورًا بتطبيق شريعة الله في جميع مرافق الحياة، حتى يستمدوا منها كل أسباب القوة والمنعة، ويستنوا في جو طاهر نظيف يحبب إليهم الإيمان ويزينه في قلوبهم، ويبغض إليهم الكفر والفسوق والعصيان.

2.      التماسك في وحدة جامعة على أساس الإيمان بالله والعمل بشريعته؛ تحقيقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).

3.      تعهد الأبناء -في جميع المراحل التعليمية- بالتربية الإسلامية التي تغرس القيم الفاضلة معرقة في عقولهم، وعملًا في سلوكهم.

4.      العمل على أن تكون المناصب القيادية في يد المختصين بعلمها الحريصين على تطبيق تعاليم الإسلام، والحيلولة بينها وبين كل محب للاستعمار مفتون بثقافته.. بهذا يستطاع القضاء على التخطيط الاستعماري لتصفية المسلمين.

وكأني رسول الله صلى الله عليه وسلم يطل على المسلمين اليوم من آفاق الوحي القرآني الكريم ليتلو على مسامعهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ۝ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 100–101).

وكأني به عليه الصلاة والسلام يشرق من علياء سنته المطهرة لينذر المسلمين بالخطر الزاحف فيقول: «إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأولجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق» (رواه البخاري ومسلم).

إن لنا في الله رجاء عظيمًا أن يوفق المسلمين لما يحييهم، وليستطيعوا أن يقلموا أظافر البغي، ويقيدوا شياطين البشرية حتى لا تهتاج على مبادئ الحق والعدل: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ۝ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 4–6).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 229

171

الثلاثاء 10-ديسمبر-1974

سوانح