العنوان أجمع العراقيون على رفض التدخل التركي فتراجعت واشنطن
الكاتب أحمد الزاويتي
تاريخ النشر السبت 01-نوفمبر-2003
مشاهدات 113
نشر في العدد 1575
نشر في الصفحة 29
السبت 01-نوفمبر-2003
التدخل التركي في العراق.. مسألة قديمة جديدة، وورقة تلوح بها أمريكا في سياستها في المنطقة بين الحين والآخر. ومع تحقق الوجود الأمريكي المباشر على أرض العراق أهملت واشنطن التعامل بهذه الورقة خاصة بعد أن امتنعت تركيا عن المشاركة في الحرب الأنجلو أمريكية الأخيرة، فقررت واشنطن عدم إعطاء أي دور لتركيا في قضية العراق وهو الدور الذي كانت تركيا تنتظره.
وبعد الشعور بالدوار في مواجهة المقاومة العراقية والرغبة في إشراك غيرها في ورطتها، عادت واشنطن لتلعب بالورقة من جديد وعلى عكس المرات السابقة اتفق البرلمان التركي هذه المرة مع حكومته فوافق على التدخل، مما أحدث في العراق عمومًا وفي كردستان خصوصًا ردة فعل وقلقًا سياسيًا شعبيًا ورسميًا عارمًا لتعود القضية إلى بدايتها من جديد.
لماذا الخوف من التدخل التركي؟
قد يسأل سائل هذا السؤال وهو بعيد عن القضية العراقية: لماذا هذا الخوف والعراق أصلاً محتل؟!
ما يحدث الخوف عند العراقيين من الأتراك وتدخلهم هو استغلال قضايا عدة من قبل تركيا، سبق لها أن صرحت بها، وهي:
- لواء الموصل الذي كان يشمل كل شمال العراق الغني بالنفط، حيث لا تزال تركيا ترى أنه يعود إليها، ويشعر العراقيون بالخوف من استغلال الوضع الراهن لتتكرر حالة قبرص جديدة في العراق!
- قضية التركمان، الذين يعتبرون قومية عراقية إضافة إلى قوميات العرب والكرد والكلدوآشور الذين يؤلفون النسيج العراقي.
- وجود عناصر من حزب العمال الكردستاني في الحدود العراقية مع تركيا، وهذه القضية تقلق تركيا كثيرًا وتحاول التخلص منها بالشكل الذي تريده.
- القضية الكردية في العراق والتي لا تريد لها تركيا واقعًا خاصًا بها حتى لا يصبح فيما بعد طرحًا كرديًا لأكراد تركيا.
مجموع هذه القضايا يجعل من التدخل التركي «لتدارك الوضع الأمني في العراق» حسب الهدف المعلن عنه للتدخل (أي أنه لمصلحة الشعب العراقي) أمرًا مثار شك عند الإنسان العراقي، ولهذا أحدث الموضوع ردة فعل عراقية واحدة تندد بهذا التدخل.
موقف عراقي معارض للإرادة الأمريكية
الجديد الذي طرأ على الموقف العراقي هذه المرة من قضية التدخل التركي، هو وحدة الموقف وإن اختلفت المقاصد، سواء من الرسميين والسياسيين أو الشعبيين وسواء من المؤيدين لمجلس الحكم أو المعارضين له أو حتى أطراف من المقاومة العراقية التي جاء ردها على شكل عملية تفجير أمام القنصلية التركية في بغداد، على عكس المرات السابقة حيث كان الموقف كرديًا فقط.
وسرعان ما صرحت القيادات الكردية بمواقف وصلت إلى حد التهديد بالانسحاب من مجلس الحكم، كما حصل من مسعود البارزاني وأيدته في ذلك القيادات الكردية الأخرى في الساحة الكردية، أما الوسط الشعبي الكردي فكان مشحونًا بشحنة غضب من الاتفاق التركي الأمريكي بهذا الشأن وخاصة بعد موافقة البرلمان التركي، لهذا لم تستبعد الأطراف الشعبية أن ينتهي شهر العسل الأمريكي في کردستان وأن تولد فلوجة جديدة في كردستان العراق لمقاومة القوات التركية، حسب كلام الشارع الكردي المعارض لهذا التدخل.
ساعد على هذا الموقف الكردي اعتراض مجلس الحكم الذي كان في بدايته بالإجماع ثم تراجع إلى الأغلبية، بعد التدخل الأمريكي ولكن لم تتمكن أمريكا من أخذ قرار بالموافقة من مجلس الحكم بشأن التدخل التركي.
ومع محاولات أمريكية تركية لطمأنة الشعب الكردي بأن الوجود التركي سيكون في ما يسمى بالمثلث السني ولأغراض إنسانية فقط، لم يساعد ذلك في إقناع العراقيين.
وفي محاولة لترجيح الكفة العراقية أمام الكفة التركوامريكية زار ٢٥٠ من شيوخ العشائر العربية في العراق تحت مظلة رابطة زعماء وشيوخ العشائر العراقية كردستان العراق وأبدوا تضامنهم مع الشعب الكردي في معارضته تدخل الجيش التركي في المنطقة، وجاءت هذه الزيارة بعد مؤتمر الرابطة الذي انعقد في مدينة الموصل يوم ٢٠ أكتوبر تحت شعار (لا للتدخل الإقليمي، لا للإرهاب، نعم للوحدة الوطنية)، وينضوي تحت مظلة هذه الرابطة- حسبما ذكرت لـ«المجتمع» مصادر في الرابطة- ١٠ آلاف شيخ وعالم دين من كافة الملل والطوائف والقوميات في العراق.
تراجع أمريكي تركي
بعد محاولات إقناع العراقيين تارة بأن القوال التركية لن تكون قوة احتلال، وتارة أخرى بأنها ستنسحب بعد عام من مجيئها، ناهيك عن الحجج الإنسانية الأخرى، ومع الفشل في إقناع العراقيين بتلك الحجج، ظهرت على السطح تصريحات جديدة تشبه إلى حد ما تراجعًا أمريكيًا تركيًا عن تحديد تدخل الجيش التركي، فقال الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار:« إن موافقة البرلمان بدخول الجيش التركي للعراق لا تعني أنه أمر بالدخول بل مجرد سماح، وعندما نرى من غير مصلحتنا التدخل لن نتدخل» وبعدها جاءت تصريحات رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان «نحن لا نتدخل في العراق إلا أن يكون هناك ترحيب من قبل العراقيين» والواقع العراقي لا يوحي بأي ترحيب، أما الطرف الأمريكي في العراق فكان أيضًا له قوله حين صرح الكولونيل هاري شووت مسؤول الإدارة الأمريكية في كردستان العراق في مؤتمر صحفي له في مدينة السليمانية يوم ٢٠ أكتوبر بأن ليس هناك قرار متفق عليه بين واشنطن وأنقرة وبغداد بشأن إرسال قوات أمريكية إلى العراق، وقال أيضًا إن رئيس الوزراء التركي سيأخذ بنظر الاعتبار إرادة الشعب العراقي في هذه القضية، وفي رده على سؤال في نفس المؤتمر حول: هل يعني تدخل الجيش التركي في العراق نهاية شهر العسل الأمريكي في كردستان العراق؟ وهل تدارسوا الحساسية الكردية في هذه القضية والمشكلات التي سيواجهونها أم لا؟ قال شووت: «أنا هنا لأنقل هذه الحساسية إلى قيادتي وأحول لهم الواقع والموقف الكردي من هذه القضية ومن غيرها أيضاً، وقيادتي أيضاً تراعي هذه الحساسية، وأنا على ثقة بأن قيادتنا لا تأخذ قرارًا لا تراعي فيه مصلحة الشعب العراقي بما فيه الكردي».