العنوان أثر أشراط الساعة في سلوكيات المسلم المعاصر (١ من ٣)
الكاتب عبد القادر أحمد عبد القادر
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
مشاهدات 111
نشر في العدد 1324
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 03-نوفمبر-1998
• الناس ينقسمون إزاءها إلى متدينين يتأثرون سالبًا وعامة يعتبرونها من الغرائب
• الأم الجارية والبنت السيدة تفسير حاصل للنبوءة النبوية: «أن تلد الأمة ربتها»
• خير انتظار للمهدي أن ننحاز للمصلحين ونعمل على إصلاح الأوضاع
موجة عالية من الكتب والمسامرات تغمر منتديات المسلمين حديثًا عن العلامات الصغرى والكبرى للقيامة، وتهيمن- تبعاً لذلك- مخاوف العلامات على أحاديث المتسامرين والمتسائلين، وطلاب العلم.. ولقد وجدت أكثر الأحاديث تدور في موضوعات ظهور المهدي المنتظر، وخروج يأجوج ومأجوج، والمسيح الدجال، وكثرة الفتن والحروب والقتلى وتطاول البنيان في جزيرة العرب، واقتراب ملحمة المسلمين واليهود، وأن تلد الأمة ربتها... إلخ.
كما رأيت الناس في أحاديثهم فريقين:
- فريق المتدينين وهم يهتمون بتلك المسائل، لأنها جزء من العقيدة، وبخاصة مع ظهور العلامات الصغرى في زماننا.
- فريق العامة وهم الذين يهتمون بتلك المسائل لأنها من الغرائب، وهؤلاء العامة تستهويهم أحاديث الغرائب بشكل عام.
ولقدْ اختلفت بالتالي مسالك الفريقين، إزاء الحديث في موضوع علامات الساعة، فالمتدينون: ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ (الشورى: ١٨)، أما العامة فإنهم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٧٨)، إلا قليلاً منهم.
هؤلاء العامة تستثيرهم غرابة الأحداث دون أن تحرك فيهم ساكنًا، إلا من شاء الله، ولذلك يجب علينا الاهتمام بهؤلاء الأميين، لأن الجاهل في ذمة العالم.
أما المتدينون - وهم طلائع الصحوة الإسلامية - فإن جماعات منهم يستغرقون في استذكار علامات الساعة، ثم ينتهي بهم الحال إلى الاستسلام السلبي للواقع الفاسد الشارد عن منهج الله، فلا تكاد ترى هذا الفريق يؤدي أعمالًا إيجابية، لإصلاح الواقع المتردي في مجالات الحياة، سواء في التشريع، أو الاقتصاد، أو السياسة، أو الأخلاق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الإصلاح الاجتماعي، أو التعليم، أو الجهاد القتالي ضد القوى الكافرة المتسلطة على العالم.
وتجد آخر أحاديث هؤلاء السلبيين المتقاعسين قولهم: لقد اقتربت الساعة، ثم تراهم يطأطئون رؤوسهم ويمصمصون شفاههم ويسترجعون ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦) هؤلاء المتدينون المعاصرون لا يختلفون كثيرًا عن دراويش المتصوفة الذين يرفع أحدهم صوته قائلاً: «يالطيف! يا حسن الختام» وغير ذلك من الكلمات التي تعبر عن التراخي والتكاسل والقعود عن أي عمل لإصلاح الواقع، استعدادًا لما سيكون قبيل القيامة ويوصي هؤلاء الدراويش بترك الملك للمالك. وربما أعد بعضهم أكفانهم استعداداً للموت كموت البعير حسب تعبير خالد بن الوليد الفارس المغوار الذي مات على فراشه.
والآن.. الج بكم إلى بعض أشراط الساعة، لعل التوفيق يقودنا إلى حسن النظرة وسلامة الفكرة، فلا نكون من العامة ولا كالدراويش.
١. الأم الجارية.. والبنت السيدة
أجاب النبي ﷺ جبريل - عليه السلام - عن سؤاله له: متى الساعة فكان مما قال عن علاماتها: و«أن تلد الأمة ربتها». لوحظت هذه العلامة في بيوت كثيرة الآن في بيوت العامة، وفي بيوت بعض المتدينين.
إن المرأة الموظفة، ذات المؤهل العلمي، أو المال، تستخدم أمها، لتنظف البيت وتربي الأولاد وتطهو الطعام، وتغسل الملابس والأواني، وتقوم ببعض الأعمال التي تشمئز منها النفس.. وترى تلك البنت تعيش سعيدة بهذه الحال، لقد انقلبت الموازين المعنوية فيما بين هؤلاء البنات السيدات وأمهاتهن الجواري وأنهار البناء العاطفي الصحيح بين الاثنتين!
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه هل كل ابنة ذات مؤهل تعليمي، أو مال، تقع من أمها موقع السيدة من الجارية؟ الإجابة لا، ولكن يجب أن تكون الحدود واضحة بين الابنة والأم، وبخاصة فيما تقوم به الأم، وتؤديه من أعمال في البيت أو في المحيط الذي يجمعهما، فتبقى الأم هي السيدة المكرمة الموقرة، ويجب أن تبقى الابنة هي الخادمة لأمها مطلقًا، برغم المؤهل العلمي، وبرغم الوظيفة، مهما علت- وبرغم المال الكثير - فإن لم تكن الابنة هي خادمة أمها. فلتستأجر لها خادمة.
فإن قيل: أليست البيوت تقوم على التعاون فيما بين الأمهات والبنات؟ أقول: بلى، ولكن لتحذر البنات كل عمل أو قول، تشتم منه رائحة الأم الجارية، والبنت السيدة، وإن الأخت المسلمة، مطالبة بحسم هذه المسألة في نفسها، وبيتها. قبل غيرها من النساء.
٢- المهدي المنتظر
وردت في شأنه أحاديث كثيرة صحيحة، رواها الأئمة: أحمد بن حنبل، وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وبعض الروايات صحيحة على شرط البخاري ومسلم. واختار مما ورد هذه النصوص النبوية:
«لا تنقضي الأيام، ولا يذهب الدهر، حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه، يواطئ اسمي» (۱).
«لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لطول الله ذلك اليوم، حتى يبعث رجلًا مني - أو من أهل بيتي- يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلمًا وجورًا» (۲).
«أبشركم بالمهدي، يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت الأرض ظلمًا وجورًا، ويرضى عنه ساكن السماء، وساكن الأرض يقسم المال بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا، فيقول: من له في مال حاجة، فما يقوم من الناس إلا رجل.. فيكون كذلك سبع سنين، أو ثمان سنين، أو تسع سنين» (۳).
«المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين (٤). وغير تلك الأحاديث، مما صح.
إن الحديث عن المهدي المنتظر، يلاقي أنواعًا من الإنكار أو من التعتيم في بعض البلدان؛ ذلك لأن التبشير بالمهدي يصطدم ببعض أنظمة ظالمة جائرة، والمعروف الآن وسابقاً أن الظالمين الجائرين لا يحبون أن يذكر غيرهم بالعدل، لأن ذكر العدل والعادلين يكشف ظلمهم، لذا يجعلون حولهم متعلقين وشعراء يمتدحونهم بالعدل والإنصاف.
يحكى أن واليًا ظالمًا جمع الشعراء حوله، ليستمتع بإطرائهم، ومدحهم له، وبينما هم في مجلس الملق والنفاق؛ إذ زلزلت الأرض زلزالها، ولم تخرج أثقالها، فاضطرب الجميع ثم تماسك الوالي بعد انتهاء الزلزال وطلب من الشعراء أن يعبروا عن مشاعرهم تجاه الزلزال فقال كبيرهم.
ما زلزلت تلك من كيد ألم بها
لكنها رقصت من عدلكم طريًا
وهكذا تفعل بطائن الظالمين في كل زمان ومكان، إلا ما ندر وممن استنكر عقيدة المهدي على هذا الدرب الشيخ عبد المنعم النمر - غفر الله له - إذ قال في كتابه الشيعة والمهدي والدروز، ص (۱۸۲) «ولسنا في حاجة إلى هذا المهدي، كي ينتصف لنا من مسلمين ظلمونا...». ومضى يستنكر المحدثين، وينكر الأحاديث الواردة في الباب باندفاع لا يليق بالعلماء، وخلط بين اختلاف أهل العلم بشأن بعض أوصاف المهدي، أو بشأن تعارض بعض الفاظ الحديث الواردة عنه، وبين إنكار المسألة من الأصل، لقد خلط بين أصالة المسألة، وادعاءات بعض الفرق.. فما علينا من الادعاءات والشطحات ولنكن مع أصالة المسألة. والراسخين في العلم من أهل السنة والجماعة.
قال ابن حجر الهيثمي: «الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج، والدجال، وعيسى عليه السلام في زمانه» (٥).
وقال الشوكاني: «الأحاديث الواردة في المهدي متواترة ب لا شَكَّ أو شبهة، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي، فهي: كثيرة لها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك».
إننا نؤمن بالبشارة بالمهدي في إطار النصوص الواردة فإن كان بعض المخبولين قد ادعى المهدية، فإن غيرهم قد ادعى النبوة، فلا عبرة بخبل مخبول، ولا بادعاء كاذب ولا إنكار العقيدة وردت بها النصوص الصحيحة.
ويطرح هذا السؤال نفسه ما موقفي من المهدي إذا ظهر؟ هل أكون معه أو ضده؟ ويمكن لكل مسلم أن يجيب عن هذا السؤال، بأن يحدد موقفه من الآن، على ضوء انحيازه للمصلحين في هذا الزمان أو مناوأته لهم.
ويطرح هذا السؤال نفسه أيضاً: هل تتوقف الدعوة الإسلامية، وتتوقف خطط الإصلاح، حتى يظهر المهدي؟ والإجابة بالقطع: لا، إن إيقاف الدعوة والإصلاح، نوع من الانتحار الجماعي، وذلك لن يقع في أمة محمد ﷺ لأن نبوءة نبوية تقول: «لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» (٦)، وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم».(۷).
لن تجمتع الأمة على ترك الدعوة والإصلاح، لأن الرسول ﷺ قال: «إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد ﷺ - على ضلالة» (۸).
إن خير انتظار للمهدي الذي اقترب زمانه أن نكون على عهده، تعمل على إصلاح الأوضاع، ونسدد وتقارب في ذلك إن هذه الأمة كالبحر، تصلحها موجات الدعوة مثلما يصلح الموج ماء البحر، ولقد حذرنا رب العالمين من ترك عمليات الإصلاح، فقال في كتابه الحكيم: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (محمد: ٣٨).
3- المسيح الدجال
أجمع أهل السنة والجماعة على خروج الدجال، ووردت أحاديث كثيرة في صحيح مسلم، وعند الترمذي وأبي داود. وابن ماجة، وأحمد، وأوصافه من الأحاديث أنه مطموس العين اليمني «أعور»، وكان عينه زبيبة طافية، ومكتوب بين عينيه «كافر»، يقرؤها كل مسلم، ضخم، كان شعره أغصان شجرة، يركب حمارًا ضخمًا، وسماه النبي ﷺ «مسيح الضلالة»، يأتي من ناحية إيران والعراق، وقالت عنه الأحاديث أيضاً: يتبعه سبعون ألف يهودي، يمضي أربعين ليلة في فتنة الناس اليوم منها كالسنة، واليوم منها كالجمعة «الأسبوع»، وسائر أيامه كأيامنا، وتكون معه جنة ونار، ويقتل رجلًا ويحييه، ويأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها يحبسه المطر عند خروجه، وتكون مجاعة.
قال القاضي أبو بكر بن العربي - المالكي الأندلسي-: الذي يظهر على يد الدجال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدقه والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار، ومياه تجري، كل ذلك محنة من الله واختبار، ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن كل ذلك أمر مخوف، ولهذا قال ﷺ: «لا فتنة أعظم من الدجال» وقالت عنه الأحاديث أيضاً: «لا يدخل مكة ولا المدينة، ويقتله المسيح عليه السلام - بأرض الله بفلسطين، وقال العلماء إنه آخر العلامات ظهورًا.
ما الذي يهمنا من أمر الدجال؟
1- أن نصدق بخبره، وأن نعرف به المسلمين صغارهم وكبارهم فإن النفور منه يورث النفور من أمثاله، وإنه مما يثير التعجب أن أناسًا ينفرون من الدجال، ويشمئزون من أوصافه وسيرته، لكنهم يشايعون بعض أصحاب الضلالات ويتأثرون بأصحاب المذاهب المنحرفة، والأفكار الشاذة والسلوكيات الكافرة.
۲- ثم إن المسلمين مطالبون بالانخلاع من قوى الكفر والدجل، إننا مطالبون بأن نتفل لا أن نبتسم في وجوه تلك القوى، قال ﷺ «من يلقون الدجال من لقيه، فليتفل في وجهه» (۹)
٣- إن الاستعاذة من الدجال، تفيدنا في هذا المقام فنكفر بالدجالين صغيرهم وكبيرهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر، فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» (۱۰)، وكان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال» (۱۱).
وفي أثناء الاستعاذة من المسيح الدجال، يتذكر المسلم الدجالين والمنحرفين، والأشرار في عصره، فينفر منهم ويبتعد عنهم، وليتفل في وجوههم. هذه خلاصة ما يجب على المسلم المعاصر تجاه عقيدة المسيح الدجال.
الهوامش
(۱) رواه أحمد.
(۲) رواه الترمذي وأبو داود.
(۳) رواه أحمد.
(٤) رواه أبو داود.
(٥) اتحاف الجماعة، بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة للشيخ حمود بن عبد الله التويجري.
(٦) رواه مسلم.
(۷) رواه مسلم.
(۸) رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة، وأحمد، والدارمي، واللفظ للترمذي.
(٩) رواه الحاكم، والطبراني، وهو صحيح على شرط مسلم.
(١٠) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وأحمد، والدارمي.
(۱۱) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، واللفظ له.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل