العنوان أبو الحسن الأشعري
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
مشاهدات 104
نشر في العدد 1269
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 30-سبتمبر-1997
بينما كنت في إحدى قاعات الدرس أشرح حديث رسول الله ﷺ: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» (متفق عليه، أخرجه البخاري في الشركة باب الشركة في الطعام وغيره، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل الأشعريين) إذ إنبرى أحدهم ليقول لي: يا شيخ.. كيف يمتدح النبي ﷺ هؤلاء الأشاعرة وهم أصحاب منهج فاسد وعقيدة باطلة؟
فقلت له: يا أخي إن آفتك وآفة أمثالك أنكم تريدون أن تتصدروا للفتيا بلا أدوات، وتتربعوا على منابر التوحيد بلا علم، وتتجرؤوا على الكبار بغير حق، وتفتروا كذبًا على الأفذاذ من هذه الأمة.
ألم تسمع عن شيء اسمه أدب الخلاف أو حسن الحوار؟! ثم كيف تسمح لنفسك أن تنال من أعراض العلماء وسمعتهم وإلصاق التهم الظالمة بهم؟
يا أخي: إن الله تعالى يقول للأمة كلها في شخص رسول الله ﷺ: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ...﴾ (محمد: ۱۹) فالخطاب إلى رسول الله ﷺ ومن معه من المهتدين المتقين، ليأخذوا طريق العلم والمعرفة قبل الذكر والاستغفار، ورسولنا الحبيب المحبوب له يقول: «لأن تغدو فتتعلم بابًا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة» (رواه ابن عبد البر عن أبي ذر).
إن البون شاسع بين الأشعريين والأشاعرة، زمانًا ومكانًا؛ فالأشعريون الذين يمتدحهم رسول الله ﷺ جماعة من أهل اليمن منهم الصحابي الجليل عبد الله بن قيس بن حضار الأشعري اليماني المعروف بأبي موسى الأشعري، وهو الجد السابع للشيخ أبي الحسن الأشعري الذي ظهر في البصرة (٢٦٠ هـ - ٣٣٠هـ)، وإليه ينتسب الأشاعرة.
وللشيخ أبي الحسن الأشعري مؤلفات كثيرة نذكر منها: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، رسالته إلى أهل الثغر، رسالته في الإيمان، تفسير القرآن، وكشف الأسرار وهتك الأستار، وقد أظهر فيه عوار المعتزلة، وأخيرًا كتاب: الإبانة عن أصول الديانة، والذي سيكون لنا عودة إليه إذ إنه آخر ما كتبه الشيخ وعليه المعول في بيان عقيدته -رحمه الله- تعالى.
أما ما تزعمه يا أخي- من فساد منهجه وبطلان عقيدته، فأظنك واهمًا حيث تهرف بما لا تعرف، ولا أراني في حاجة لإيراد كثير حجج أو براهين، لكني سأترك الشيخ الإمام أبا الحسن الأشعري يحدثنا -بنفسه- عن عقيدته السلفية عملاً بالقول المأثور: «من فمك أدينك» فيقول- رحمه الله- في كتابه الإبانة: «فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل- نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثويته- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين، وجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ ، وأن له وجهًا كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا، وأن لله علما كما قال: ﴿أنزله بعلمه﴾ وكما قال: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ ونثبت له السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج، ونثبت أن لله قوة كما قال: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾، ونقول إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له ﴿كن فيكون﴾ كما قال: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ وأنه لا يمكن في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله» (الإبانة عن أصول الديانة للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري)... إلخ ما جاء في كتاب الشيخ الأشعري، أيكفيك هذا أيها الرشيد، أم أنك تريد المزيد؟ أم تريد أن تحكم على الناس من أقوال غيرهم؟ حسنا.. سأكتفي بإيراد قول من أعتقد أنك لا تستطيع له خلافًا.. فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:
«أبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد في كتبه كلها، كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطًا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم» (درء التعارض لابن تيمية، ج ۲، ص ١٦).
يا أخي.. أكتفي بذلك ولدينا مزيد، لكني أسال الله لي ولك الهداية والتسديد.
كمال محمد درويش