; عقيدة أهل السنة في ميزان الشرع | مجلة المجتمع

العنوان عقيدة أهل السنة في ميزان الشرع

الكاتب محمد علي الصابوني

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يونيو-1983

مشاهدات 111

نشر في العدد 627

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 28-يونيو-1983

* نسأل الله أن يجمع المسلمين على مذهب واحد هو مذهب السلف الصالح

* يجب أن يحرص المسلمون أولًا على وحدة الصف

* فقدان القيادة الواعية هي سبب معظم الخلافات

قبل أن أخوض في هذا الموضوع.. أحب أن أقدم مقدمة يسيرة.. تكشف النقاب عن أمر عظيم وخطير.. تناساه المسلمون أو كادوا.. بسبب غلبة الأهواء، وانتشار الجهل، وكثرة الأعداء الذين برعوا بالمكر والدهاء.. لتمزيق وحدة المسلمين.. وتحطيم مصدر عزتهم وقوتهم، بإثارة الفتن بينهم.. حتى يخلوا لهم الميدان، لتحطيم تلك الصخرة العاتية التي تجابههم، ألا وهي «الإسلام» و«وحدة الأمة الإسلامية» عملًا بالمبدأ القائل: «فرق تسد» ويا له من مكر خبيث وقعنا في شراكه!

قرآننا.. يا مسلمون

هناك أمر ضروري هام.. يجب أن يحرص عليه المسلمون جميعًا.. ألا وهو الالتفاف تحت راية الإسلام.. والدعوة إلى «وحدة الصف» واجتماع كلمة المسلمين، و«عدم التشتت والتفرق» الذي هو سبب دمار الأمة، وسبب تشردها وضياعها.

وأول من ندعو إليه قادة الأمة.. وعلماءها وعقلاءها، ومفكريها.. أن يبذلوا جهودًا مخلصة، لجمع كلمة المسلمين، وتشتيت جمعهم.. وإشغالهم بأنفسهم عن عدوهم، وكتابنا يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: 103). وقرآننا ينادينا -محذرًا لنا من التفرق والاختلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) فأين نحن اليوم من أوامر القرآن وهداية الرحمن؟!

يا أسفى على هذه الأمة.. كم مزقتها الأهواء، وشتتها الأعداء! كم سارت بمخطط صنعه لها عدو خبيث ماكر.. ليوقعها في المعاطب والمهالك! ولكن كما قال القائل:

لا يلام الذئب في عدوانه          

                إن يك الراعي عدوًا للغنم

ومن أولى بالدعوة إلى «وحدة الصف» من علماء المسلمين.. الذين جعلهم الله مشاعل النور والضياء.. في كل زمان ومكان.. وجعلهم ورثة الأنبياء؟!

نداء.. إلى علماء المسلمين

إنني أنادي من على منبر مجلة «المجتمع» -التي فتحت صدرها للدفاع عن الإسلام ومقدساته- أنادي علماء المسلمين- ورثة الأنبياء- الذين ائتمنهم الله على هذا الدين.. أن يتقوا الله في هذه الأمة.. فيكونوا صفًا واحدًا، وقلبًا واحدًا، لدفع تلك الأخطار التي تحيط بالمسلمين.. وأن يدعوا الأمة كلها إلى الانضواء تحت راية واحدة.. حمل لواءها سيد الأنبياء محمد بن عبدالله، ألا وهي راية الإسلام «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فإذا دب الخلاف والنزاع بين العلماء كيف تجتمع الأمة؟ وإذا تمزقت الوحدة بين صفوف أهل العلم.. واستحكم الشقاق والخلاف بينهم، فكيف يرجى خير للعامة؟ الطعام نصلحه بالملح.. فإذا فسد الملح فكيف نصلح به الطعام؟ والعلماء هم ملح هذه الأمة، هم قدوتها وقادتها، وقد أحسن من قال:

يا علماء الدين يا ملح البلد      

ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟

ولهذا أقول: إن المسؤولية عظيمة وجسيمة في أعناق العلماء.. ولئن كانت الدعوة إلى «وحدة الصف» في يوم من الأيام أمرًا مستحبًّا مندوبًا.. فهي اليوم من أوجب الواجبات، لقد تكالبت علينا قوى الشر.. وبغت على ديننا ومقدساتنا رؤوس الفتنة والضلالة.. من شرقية وغربية.. من صهيونية وصليبية.. من شيوعية.. وقومية وشيطانية.. وهلم جرا.

كلها تريد أن تمحونا من الوجود.. وتريد أن تقتلع الإسلام من جذوره.. ولا يزال فينا من يعين هؤلاء الأعداء، بغبائه، وسفهه، وجهله على تمزيق صف المسلمين، لا يزال فينا من يفكر بعقلية ساذجة (عقلية القرون الوسطى) بالنسبة للغربيين أما عندنا فقد كانت القرون الوسطى هي العصر الزاهر اللامع، في تاريخ الإسلام والمسلمين.

يتنازعون على «عقد اليدين» في الصلاة أو إسبالها، ويختلفون على أمر «الجهر بالبسملة» أو الإسرار بها، ويتخاصمون على «صلاة التراويح» هل هي ثمان أم عشرون؟ ويكفر بعضهم بعضًا في أمر النزول والصفات... حتى أصبح بعض علمائنا ودعاتنا كفلاسفة وفقهاء بيزنطة.. الأعداء قد أحاطوا بالبلاد، وهم يتجادلون ويتخاصمون: هل الدجاجة من البيضة؟ أم البيضة من الدجاجة؟

هذا حالنا اليوم.. المسلمون يذبحون في كل مكان.. في الشام، في الفلبين، فلسطين، في أفغانستان، ونحن نتناظر ونتجادل: هل جهاد هؤلاء المسلمين للأعداء، جهاد إسلامي مقدس؟ أم هو غير جهاد شرعي؛ لأن المسلمين في تلك البلاد، يدينون بمذهب الشافعية والأحناف.. وفيهم «أشاعرة» و«ماتريدية»! يا الله في أي عصر نعيش نحن؟ وأي فهم للإسلام هذا؟ أن نكفر المسلمين ونخرجهم عن الملة لأبسط الأشياء، لقد صدق ما قاله قديمًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «يقتلون أهل الإيمان، ويتركون عبدة الأوثان» وإنا لله وإنا إليه راجعون.

من هم أهل السنة؟

بعد هذه المقدمة، أريد أن أدخل في صلب الموضوع، فمن هم أهل السنة والجماعة؟ ومن هم الذين يدينون بمذهب «الأشاعرة» و«الماتريدية»؟ هل هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أم هم خارجون عن الملة، مرتدون عن دين الإسلام؟

لقد قلت في الحوار المفتوح، الذي أجراه معي رئيس تحرير مجلة المجتمع الكويتية حفظه الله في الشهر الماضي، حول مساعدة المجاهدين المسلمين، وإعانتهم بالمال في بعض الأقطار الإسلامية، مع أن فيهم أشاعرة...الخ- قلت: إن الأشاعرة والماتريدية هم من أهل السنة والجماعة.. لم يخرجوا عن الإسلام، ولا نطردهم من الملة؛ بل هم من أهل السنة، مع أن لهم آراء في تأويل بعض الصفات، خالفوا فيها المتقدمين من سلف الأمة.. ولكنها لا تخرجهم عن فرق أهل السنة.. ولا يجوز أن نجعلهم في صف الروافض، والمعتزلة والخوارج، الذين انحرفوا عن أهل السنة والجماعة، غاية ما في الأمر أن نقول: إنهم مخطئون في التأويل؛ ذلك لأن الأسلم أن نفوض الأمر في موضوع الصفات إلى علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية.

أما أن نخرجهم عن صف المسلمين، ونجعلهم في عداد الضالين، ونسقطهم من أهل السنة والجماعة، فهل تدرون ما معنى ذلك؟

معنى ذلك أن نحكم بالكفر والضلالة على ما يزيد على نسبة 95 بالمائة من المسلمين.. فإن الأشاعرة هم أكثرية المالكية والشافعية وبعض الحنابلة، والماتريدية هم أكثرية الأحناف.. ولو فتشنا في العالم من أقصاه إلى أقصاه.. لوجدنا أن أتباع هؤلاء ملأوا الدنيا والمعمورة.. فأينما يممت وجهك في أطراف المعمورة، وجدت لهم أتباعًا وأنصارًا.

علماء مصر وشيوخ الأزهر، يدينون- في معتقدهم- بمذهب الإمام أبي الحسن الأشعري.. علماء الشام، والعراق، وتونس، والمغرب، معظمهم على المذهب الأشعري، وبعضهم على مذهب أبي منصور الماتريدي.. علماء الهند، وباكستان وأفغانستان، يجمعون بين المذهبين.. أي منهم من هو أشعري، ومنهم من هو ماتريدي، ومنهم من هو سلفي.

وفي بلاد نجد والحجاز والخليج العربي، يكثر المذهب السلفي والحمد لله.. ونسأل الله عز وجل أن يجمع المسلمين على مذهب واحد في المعتقد، هو «مذهب السلف الصالح» لنخلص من هذه «المشكلة الدولية» التي فرقت المسلمين وجعلتهم شيعًا وأحزابًا «كل حزب بما لديهم فرحون»، وذلك بجهاد العلماء المخلصين، الحريصين على جمع صف المسلمين، وما ذلك على الله بعزيز.

سبب النزاع والخصام

وسبب هذا النزاع والخصام -في نظري- بين طوائف المسلمين اليوم.. يرجع إلى جهل المسلمين، وعدم وجود «القيادة الواعية» التي تبصر المسلم بدينه، وتهدي المخطئ إلى جادة الصواب.. دون تكفير، أو تضليل؛ بل بالحكمة والموعظة الحسنة. فالجهل هو الأساس -وقد عم وطم- ولا حول ولا قوة إلا بالله، بين الخاصة والعامة، وهو من علامات الساعة وأماراتها، كما صح في الحديث الذي رواه البخاري: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنى، وتكثر النساء ويقل الرجال» الحديث ذكره البخاري في باب رفع العلم وظهور الجهل، وحقًا أصبحنا ممسوخين متخلفين، كما قال الشاعر العربي:

إذا ما الجهل خيم في بلاد        

رأيت «أسودها» مسخت «قرودا»

والسبب الثاني لهذا النزاع والخلاف فقدان «القيادة الواعية» الرشيدة.. التي تعمل لرأب الصدع، وجمع الشمل.. لقد أضحى بعض شيوخنا يجهلون أكثر مما يعلمون.. شغلوا بالدنيا وبالمناصب الرفيعة، والرواتب الضخمة، عن متابعة العلم.. أو بتجارة الأراضي، وإشادة ناطحات السحاب، عن البحث والتنقيب عن درر العلم النفيسة، فأصبحوا كالعامة يسمعون فيصدقون.. ويصدرون الأحكام بالكفر والضلال، على من خالف رأيهم أو طريقتهم.. خلافًا لما كان عليه علماؤنا الأقدمون رحمهم الله.. فقد كانوا يتعبون ويبحثون طلبًا لرضاء الله.. فلم نجد عندهم من الخصام والنزاع ما هو موجود الآن.. بل كان بينهم المودة والألفة، والإجلال والتقدير، يحترم الواحد منهم رأي غيره حتى ولو خالفه في رأيه، وخطأه في قوله، وأقرب شاهد على ذلك «الأئمة المجتهدون» رحمهم الله وأتباعهم من العلماء العاملين، يذكرون أدلتهم وأدلة معارضيهم ويترحمون عليهم، فيقولون: هذا ما ذهب إليه أصحابنا، وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى كذا.. وهذا هو أدب العلم، ووقار العلم.. أما في عصرنا فليس هناك لمن خالف رأينا إلا التكفير، والتضليل، واللعنة والسباب.. وكأننا نجزم بأن الحق معنا والضلال مع من مخالف رأينا.

بين الشافعي وأحمد

وما أجمل ما نقل عن الإمام الشافعي، من إجلاله وتقديره للإمام أحمد رحمه الله، واعترافه بفضله مع أن أحمد كان تلميذًا للإمام الشافعي؛ حيث يقول:

قالوا يزورك أحمد وتزوره

قلت: الفضائل لا تفارق منزله

إن زارني فبفضله أو زرته

فلفضله، فالفضل في الحالين له

أدب العلم في عصرنا ضائع

لقد ضيعنا نحن علماء العصر أدب العلم.. وجهلنا أدب المجادلة والمناظرة.. فرمينا خصومنا بكل لفظ قبيح.. مع أن الخلاف في الآراء والمفاهيم لا بد أن يكون، لأن العقول متفاوتة، والمفاهيم تختلف من شخص إلى آخر -كما سنبينه عن ابن تيمية رحمه الله- والأسلوب الذي ينبغي أن يكون رائد العقلاء والعلماء.. ما قاله الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: «نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه» ويا لها من حكمة بليغة!

شيخ الإسلام ابن تيمية يثني على خصومه

ويا ليت شيوخ العصر، على جانب من وفرة العلم، وأدب المناظرة، التي كان عليها شيخ الإسلام «ابن تيمية» رحمه الله! ويا ليتهم سلكوا طريقه في مقارعة الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان.. وتأدبوا كما تأدب هو مع الخصوم.. فلم يشتطوا في الإقذاع باللسان، ورمي مخالفيهم بالكفر والضلال! يقول ابن تيمية في كتاب مفصل الاعتقاد:

«وسنتكلم على هذا بما ييسره الله، متحرين للكلام بعلم وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فمازال في الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات، الذي ينفيه طائفة أخرى منهم.. ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعًا، ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعهم في مسائل الدق، وأما الأصول الكبار فهم متفقون عليها.. ولهذا كانوا أقل الطوائف تنازعًا وافتراقًا، لكثرة اعتصامهم بالسنة والآثار.. ولهذا كان جميع من ينتحل السنة من طوائف الأمة - فقهائها ومتكلمتها وصوفيتها- ينتحلونه، ثم قد يتنازع هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمر لابد منه في العالم.. فلابد من الطوائف المنتسبة إلى «السنة والجماعة» من نوع تنازع، لكن لابد فيهم من طائفة تعتصم بالكتاب والسنة.. كما أنه لابد أن يكون بين المسلمين تنازع واختلاف، لكنه لا يزال في هذه الأمة طائفة قائمة بالحق، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم الساعة.

ولهذا لما كان «أبو الحسن الأشعري» وأصحابه منتسبين إلى «السنة والجماعة» كان منتحلًا للإمام أحمد، ذاكرًا أنه مقتد به متبع سيبله.. وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة، لكثير من أصحاب الإمام أحمد ما هو معروف حتى أن أبا بكر عبدالعزيز، يذكر من حجج أبي الحسن في كلامه، مثل ما يذكر من حجج أصحابه، لأنه كان عنده من متكلمة أصحابه.. وكان من أعظم المائلين إليهم التميميون: أبو الحسن التميمي وابنه.. وكان بينه وبين القاضي «أبي بكر بن الباقلاني» من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور.. ولهذا اعتمد الحافظ «أبو بكر البيهقي» في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد -لما ذكر اعتقاده- اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل «عبدالواحد بن أبي الحسن التميمي»، وله في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فهمه..».

هذا نص ما جاء في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم يتبع الجزء الرابع صفحة 167 وفيه نسبة أبي الحسن الأشعري وأصحابه إلى السنة والجماعة، وليس فيه التكفير والتضليل.. كما هو حال المسلمين اليوم!

هلا اقتدينا بأولئك الأعلام!

أفرأيتم هذا الثناء العاطر من شيخ الإسلام ابن تيمية على خصومه الذين خالفوه في الرأي والعقيدة.. وهذه سمة السلف الصالح، يختلفون ومع ذلك يتأدبون، ولكننا -مع الأسف- قوم لا نقرأ.. وإذا قرأنا لا نفهم ولا نعمل.. ولا نتأدب بأدب السلف الصالح.

ونجد «ابن تيمية» رحمه الله في مكان آخر من فتاواه، يشدد النكير على من سب أو شتم الإمام الأشعري أو أحدًا من المسلمين، فيقول: «ومن لعن أحدًا من المسلمين عزر تعزيرًا بليغًا.. والمؤمن لا يكون لعانًا.. وأما لعن العلماء لأئمة الأشعرية، فمن لعنهم عزر وعادت اللعنة عليه.. فمن لعن من ليس أهلًا للعنة وقعت اللعنة عليه.. والعلماء أنصار فروع الدين، والأشعرية أنصار أصول الدين».

ويقول في مكان آخر: «وكذلك الشافعي وإسحاق وغيرهما، إنما نبلوا في الإسلام باتباع أهل الحديث والسنة.. وكذلك البخاري وأمثاله، إنما نبلوا بذلك، وكذلك مالك والأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهم، إنما نبلوا في عموم الأمة وقبل قولهم، لما وافقوا فيه الحديث والسنة.. وما تكلم فيمن تكلم فيه منهم، إلا بسبب المواضع التي لم يتفق له متابعتها من الحديث والسنة، إما لعدم بلاغها إياه، أو لاعتقاده ضعف دلالتها، أو رجحان غيرها عليها.

وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكرامية، والأشعرية إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة، بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية، والمعتزلة، والرافضة، والقدرية من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة.. فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث، ولم يتبع أحد مذهب الأشعري ونحوه، إلا لأحد هذين الوصفين أو كلاهما، وكل من أحبه وانتصر له من المسلمين وعلمائهم، فإنما يحبه وينتصر له بذلك..

فالمصنف في مناقبه، الدافع للطعن واللعن عنه كالبيهقي، والقشيري، وابن عساكر، إنما يحتجون لذلك بما يقوله من أقوال أهل السنة والحديث، ولولا أنه كان أقرب بني جنسه إلى ذلك، لألحقوه بطبقته، لكن كان له من موافقة مذهب السنة والحديث في الصفات، والقدر، والإمامة، والشفاعة، والحوض والصراط، والميزان، وله من الردود على المعتزلة، والقدرية، والرافضة، والجهمية، وبيان تناقضهم، ما أوجب أن يمتاز بذلك عن أولئك، ويعرف له حقه وقدره «وقد جعل الله لكل شيء قدرًا». (الفتاوى 4/ 13).

اعتراف.. وإنصاف

أرأيتم إلى العالم التقي المنصف كيف يعترف بالفضل لأهل الفضل.. ولا يقيم الناس جميعًا في مستوى واحد، يساوي به بين أولياء الله وأعداء الله.. كما يفعل الجهلة في هذا العصر، حيث يسلكون الجهمية، والرافضة، والمعتزلة، والأشعرية، جميعًا في سلك الضلالة، ولا يفرقون بين التبر والتبن.. وإلى اللقاء في مقال آخر.

الرابط المختصر :