العنوان أبعاد النظر في الأمور الحادثة.. «نقاط في ضوء التفكير المستنير»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
مشاهدات 84
نشر في العدد 460
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 27-نوفمبر-1979
أهمية التفكير: ليس من أمر لا يحتاج إلى تفكير، ذلك أنه بفقدان هذا العامل يغلب أن يكون ناقصًا، بل وفاشلاً، إننا لذا لزم أن ينبه القائم بعمل ما أن يفكر بالإعداد له، باعتبار أن التخطيط والبرمجة عاملان مهمان في صحة وسلامة العمل المطلوب، وخلاف النشاط الفكر في موضوع مراد يؤدي إلى الربكة والخلخلة والارتجال، ولا يرقى إلى درجة القبول عند عموم الناس، فضلاً عن خاصتهم، وحالة عدد الاهتمام بالتفكير المؤدي إلى التخطيط السليم المتكامل من أرزاء ما بلونا به في الفكر العربي في المراحل الأمنية الأخيرة مما عرف بالغزو الفكري ، وهو سهام مسمومة أردت العقول التي لم تعتصم بكتاب الله سبحانه، ولا بسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وحادت عن الجادة سالكة سبل الضلال . لذلك كله كان التفكير مهما بل وفي غاية الأهمية.
الحث على التفكير: ما معنى أن يدعونا سبحانه إلى النظر في السماوات والأرض، وأن نعتبر في آثار السابقين؟ وأن ندرك معنى الحياة والموت؟ وأن نستعد إلى ما بعد الموت، وأن نطمئن بأنه سبحانه الخالق العظيم؟ كل ذلك تعليم رباني جليل هو أن يتسع أفق التفكير البشري لجميع قضاياه، فيقوم بها على بينة، وباقتناع، وبداية ذلك أن يؤمن بالخالق الواحد، فإذا ما أيقن قلبه بأن الله جل وعلا هو الحق المبين، وأنه الخالق المالك الذي لا شريك له، آنئذٍ ينفتح عقله لآفاق الحياة وما بعد الحياة، وهو إن لم يصل به فكره إلى تلك الحقيقة الكبيرة، فهو مبتور مقطوع النظر البعيد والمعاني السامية، حتى لو أنه نال المجد في ريادة الفضاء والمكتشفات، ذلك أنه لم ينتقل بفكره إلى إدراك الحياة الآخرة، فيؤمن أنها حق لا جدال فيه، ولضرورة الانفتاح الذهني أثنى سبحانه على أولى الألباب.
ولضرورة الانفتاح الذهني أثني سبحانه على أولى الألباب، والذين يفكرون ويعقلون ويعتبرون، قال الله سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة آل عمران: 190). ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البقرة: 242). ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة: 219). وعليه فقد اعتبر سبحانه الكافرين - دونما نظر إلى امتيازاتهم العلمية- مجرمين وجاهلين وضالين بصورة أقل من الحيوان. فقال جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (سورة القلم: 35-36). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43). ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 179)، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12).
- أسس التفكير السليم:
من أهم الأسس والقواعد التي يبني عليها التفكير السليم وجود منهجية ثابتة بمثابة الأرض التي يقوم عليها البناء، ومن ثم النظر إلى موقع القضية المطروحة في الواقع المحيط من حيث الظروف والملابسات، التي تشمل القوة والضعف، والقبول والرفض، والانطلاق والتوقف، وكل هذه تمثل جانب النظرة الشاملة لما هو مطلوب، يضاف إلى ذلك الضمانات التي تكفل صحة العمل ونجاحه وعنصر الزمان، وما له من علاقة قصيرة أو طويلة أو مستمرة في ذات الموضوع، ولوضوح الصورة نجد في مثال بسيط فعالية ما ذكرنا من أسس، وذلك كأن يقوم ثلاثة أفراد كل على حدة بصنع طائرة تساعد في تيسير المواصلات غير البعيدة، وكلهم يعتمدون على التفكير السليم حسب القواعد السابقة، سوى أنهم يختلفون في اعتقاداتهم، فأحدهم لا يؤمن بالله، والآخر يتبع ديانة وثنية، والثالث مؤمن بالله سبحانه، وهنا لا شك أن يكون الثالث أكثرهم نفعًا للناس لصحة منهجه الإسلامي الذي يدعو إلى الخير العام، وإلى شكر الله سبحانه، وعليه فميزان التفكير الصحيح ما كان قائمًا على أصول العقيدة الصادقة، وتوجيهات الرسول صلي الله عليه وسلم وحياة الصحابة رضي الله عنهم.
- أمثلة مطروحة:
أخبار ما يقع في بقاع العالم أمست كالرياح تهب في كل مكان، وتلك الأخبار التي تسمع صباح مساء كالذي حدث في الباكستان أو تركيا وإيران وأفغانستان والفلبين وغيرها، وأخيرًا ما وقع في السعودية في الحرم المكي، كل ذلك يتعجل كثير من الناس بالحكم عليه وصولاً إلى النتيجة، دونما نظر إلى المقومات. والجدير بالمسلم المدرك لأبعاد المواقف المؤيدة والمعارضة والحاقدة لنور الإسلام الباهر، أن يبني أحكامه على ما آمن به في أصول العقيدة الصحيحة وبيانات الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وخصوصًا ما جاء منها في الصحيحين، وما يجب أن يعيه المسلم في هذا المقام هو كثرة الادعاءات التي حصلت أخيرًا، من أن شخصًا يرى في نفسه أهلية أن يبايعه عموم المسلمين، أو أهلية تبنيه لآراء فقهية يرى أنها حكم الإسلام الوحيد، فكل هذا مما يخالف الأصول التي اتفق عليها جمهور المسلمين من أهل العلم والصلاح في القرون الأولى في أمة محمد صلي الله عليه وسلم.
وهكذا؛ ليس سهلًا أن نطلق الأحكام دونما تأكد ورجوع إلى الكتاب والسنة.
هذا، وإن الفتن قد كثرت اليوم، فواجب على المسلم أن يتحرى الدقة ما يحفظ له دينه وعرضه باتقاء الشبهات، ولزوم طاعة الله سبحانه.
- راحة الذهن:
إن تحلى المسلم بالأناة والرفق يعد من حميد الخلق الكريم والتعجل في الحكم على الأشياء، وعدم استيفاء الأدلة الكافية، والأخذ بالآراء المتضاربة والنظرات المتباينة، يطبع الشخص بعدم الاتزان والتحكم. ولا شك أن الذهن يطمئن ويرتاح حالما يركن إلى قاعدة هادئة آمنة، ولن يكون ذلك إلا بالمنهج الواضح الصحيح، منهج دين الله سبحانه في وعيه للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وسعيه في استيضاح صورة ما يريد الوصول إليه برفق وهدوء. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل