العنوان آلآم المخاض ودولة المارون
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1980
مشاهدات 74
نشر في العدد 490
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 22-يوليو-1980
بن غوريون: دولة مارونية جارة لنا.
تناقلت مختلف وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي أخبار الاشتباكات المسلحة بين أطراف الجبهة اللبنانية المارونية، الكتائب والأحرار وصلت إلى حد اجتياح الكتائب لمعاقل الشمعونيين مستخدمين الأعيرة النارية الثقيلة والدبابات، فلماذا هذا الاقتتال العنيف بين أطراف الجبهة اللبنانية المارونية ولماذا في هذا الوقت بالذات؟
وللتوصل إلى إجابة منطقية على هذا التساؤل، فلا بد من استنكار طبيعة الدور الذي رسم للمارون -الذي تنتمي له الجبهة اللبنانية- لكي يلعبه في لبنان ضمن لعبة ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط، طبقًا لاتفاقية «سايكس بيكو» الاستعمارية جثم الفرنسيون على أرض لبنان ردحًا من الزمن استطاعوا خلاله فصل لبنان عن سوريا وتقنين غلبة المارون على المسلمين وربطه بعجلة العالم الغربي الصليبي فكرًا وعملًا، وقد كرس ذلك بدستور عام ١٩٤٢ الذي أعطى الهيمنة للمارون ضمن معادلة التوازن الطائفي.
اليهود والدولة المارونية
على أن اليهود الذين فرغوا عام ١٩٥٤ من تأسيس كيانهم اللاشرعي في فلسطين بمناصرة قُوى البغي الصليبية والصهيونية والشيوعية، بدءوا يدرسون فكرة العمل على تشجيع المارون لكي يقيموا دولة مارونية طائفية في لبنان تكون جارة لهم ومن جنس فكرتهم فقد كشفت مذكرات السياسي اليهودي المعروف إلياهو ساسون أن بن غوريون كان قد نصح موشي شاریت «شرتوك» الذي كان رئيسًا لوزراء اليهود عام ١٩٥٤ بأن «إیجاد دولة مسيحية مارونية في لبنان هو إحدى المهام الرئيسية لسياستنا الخارجية».
وقد رد عليه شرتوك بأن الظروف السياسية الحالية لا تمكننا من أن تلعب الدور المطلوب ولكن إذا ما حدث «غليان ماروني في لبنان» تكون نتيجته زعزعة استقرار «لبنان الكبير» الذي أعلنه غور عام ۱۹۲۰ وتأصيل روح الانفصال لدى المارونيين.
ومنذ ذلك الحين بدأ الشمعونيون والكتائب بتنظيم أنفسهم واستغلال معادلة التعايش الطائفي لتكريس وجودهم الطائفي وهيمنتهم السياسية على حساب المسلمين الذين يشكلون الأغلبية.
وقد كانت الاتصالات بين كميل شمعون وزعماء اليهود مبكرة، وبالرغم من ذلك فلم ينجح شمعون عام ١٩٥٨ في فرض التقسيم.
ولكن يبدو أن الفرصة قد سنحت منذ أن لجأ إلى لبنان آلاف من الفلسطينيين الذين شرَّدتهم سلطات البغي والعدوان الصهيونية، فمنذ أوائل السبعينيات بدأ المارون يتبرم من الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان وأخذ يعد العُدة إلى إحداث «الغليان» الذي ذكره شرتوك!
حرب السنتين
والمارون لم يعترضوا على الوجود الفلسطيني في لبنان؛ لأنهم يحاربون حليفهم الطبيعي «دولة یهود» فحسب، بل لأن هذا الوجود قد أحدث خللًا في التوازن الطائفي الصالح المسلمين باعتبار أن أغلبية الفلسطينيين مسلمون، أما المسيحيون منهم فقد أصبحوا لبنانيين!
وقد كانت مجزرة أيلول الأسود في الأردن عام ١٩٧٠ بمثابة الضوء الأخضر لبدء التحرش بالقوى الفلسطينية المسلحة في لبنان،
● اليهود شجعوا «المارون» لإقامة دولة طائفية في لبنان.
● جوهر الصراع بين أطراف الجبهة اللبنانية هو حول دور الوكيل الرئيسي لليهود.
كانوا قد بدءوا يشكِّلون قوات مسلحة خاصة بهم «مليشيات» متجاهلين «نظام الشرعية» «والجيش الشرعي» وما إلى ذلك من أجهزة لا تُعَد أكثر من جيب طائفي لهم، ولما كان المارون جادين في تكريس وجودهم الطائفي، وعزمهم على إلحاق ضربة كبيرة بالوجود الفلسطيني المسلح كان أي صدام مسلح ولو شخصي مسوغًا لأحداث «الغليان الشرتوكي» واستشعال الحرب اللبنانية عامي ١٩٧٥- ١٩٧٦
جهة متحدة
وكان من الطبيعي أن يشكل المارون جبهة قتالية موحدة وعرفت بالجهة اللبنانية وأركانها حزب الكتائب بزعامة بيار الجميل، والوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وقوات الرئيس السابق سليمان فرنجية إضافة إلى قُوَى مارونية أخرى صغيرة.
وفي الجبهة المقابلة وقف المسلمون والتشكيلات الحزبية القومية واليسارية إلى جانب الفلسطينيين ضمن جبهة واحدة، وقد أوشكت هذه الحرب القذرة أن ترجح فيها كفة المسلمين، ولكن القوى الاستعمارية التي رتبت معادلة التوازن الطائفي الكاذبة، سارعت للتدخل بإرسال قوات دولية وأخرى عربية! بحجة الحفاظ على الأمن في لبنان وإبقاء معادلة التوازن الطائفي على حالها.
ولنا أن نتذكر كيف عملت الأيدي العربية الآثمة على حصار تل الزعتر في حين أنها لم تكلف نفسها عناء الدخول في مناطق المارون إلا في أضيق الحالات!!
بداية الشقاق
إلا أنه بعد أن انتهت الحرب اللبنانية لصالح المارون بفعل عوامل عديدة، بدأت بوادر الخلاف بين أطراف الجبهة اللبنانية، ففي عام ۱۹۷۸ تطور الخلاف بين الزغرتاويين من أنصار فرنجية من جبهة، والكتائب والأحرار من جبهة أخرى، وكانت حادثة «أهدن» التي قتل فيها ابن فرنجية بداية الخلاف الملموس داخل الجبهة والخلاف مع فرنجية كان مرده لتنافس عنصري على قيادة المارونيين من جبهة ولارتباط فرنجية بمحور السياسة العربية من جبهة ثانية، فهو وإن كان يعترض على الوجود الفلسطيني إلا أنه كان ينتقد التعامل الماروني مع «دولة يهود» إلا إننا نرجح أن التنافس على زعامة المارون كان السبب الأقوى لبدء سلسلة هجمات عسكرية كتائبية - شمعونية على مواقع مناصري فرنجية في زغرتا.
الكمب ديفيد
وبعد أن تمت تصفية فرنجية سياسيًّا توقع المراقبون تنافسًا كتائبيًّا شمعونيًّا منذ توقيع اتفاقيات كمب ديفيد؛ وذلك لأن هذه الاتفاقيات بقدر ما تتعلق في لبنان، تعني خلق وضع سياسي جديد يسمح باستيعاب عدد من الفلسطينيين لتوطينهم ولكن بشرط ألا يكون التوطين في صالح المسلمين.
وكان الكتائب والأحرار قد أقاموا اتصالات وعلاقات قوية مع «دولة يهود» تكللت باحتلال اليهود للشريط الحدودي في الجنوب، وإقامة دويلة سعد حداد العميلة لتفصل بين اليهود وقواعد العمل الفدائي وتمارس أبشع أنواع الظلم والبطش ضد سكان الجنوب من فلسطينيين ولبنانيين، وقد صرح شمعون علنًا بقوله لفكرة التوطين بحدود «200» ألف، وهو يلتقي في ذلك مع الكتائب مما جعلهما يلعبان إعلاميا على ورقة التوطين والتقسيم لابتزاز الجبهة الإسلامية والوطنية وبعض الأطراف العربية.
التقليدية والتنظيمية
وإزاء هذه الأوضاع التي رجحت كفة المارونيين كما أسلفنا أفسحت المجال لظهور نوع من التنافس بين الكتائب والأحرار تسميته بأنه صراع بين عصبية مارونية تقليدية يقودها كميل شمعون، وعصبية مارونية حديثة ومنظمة تنظيمًا دقيقًا يقودها بيار الجميل.
ومن الطبيعي أن تؤول نتيجة هذا الصراع للفريق المنظم أي لحزب الكتائب، وبهذا يمكن فهم طبيعة الصراع بين أهم أطراف الجبهة اللبنانية المارونية.
● دور الكتائب في لبنان.. تكريس التقسيم.. توطين الفلسطينيين بعد تجريدهم من السلام.. وأطراف لبنانية أخرى ضالعة في تقوية دور الكتائب.
-الوكيل الرئيسي «لدولة يهود»
وبما أن كلًّا من الكتائب والشمعونيين قد التقيا سياسيًّا مما جعلهما يثنيان حتى الوقت الحاضر في الجبهة اللبنانية، إلا أن المجال قد انفسح للصراع السياسي بين الطرفين لا ليتناول طبيعة العلاقة مع دولة يهود، بل ليكون صراعًا على من يكون الوكيل الرئيسي للتعامل مع اليهود ضد مظاهر التسلُّح الفلسطيني أو أي حل سياسي لا يرضى عنه اليهود سواء كان الحل لبنانيًّا إسلاميًّا، أو عربيًّا رسميًّا.
دور الكتائب
وتأتي أخبار اجتياح الكتائب لمواقع الأحرار واستسلام الشمعونيين الكامل لهم على مدار الأسبوع الماضي لتؤكد صواب هذا التحليل من جهة، وتتلقي ضوءًا على الدور الذي ستلعبه الكتائب في السياسة اللبنانية وفي المشرق العربي كله.
وقد وردت معلومات من مصادر مطلعة في بيروت أن الكتائب قد أعدوا خطة عمل تتلخص بالتالي:
1- توسيع رقعة الانتشار السياسي العسكري لحزب الكتائب في مناطق التجمعات المارونية وبناء ركائز كيانية مارونية مسيحية.
2- الحفاظ على نظام الشرعية وتقويته طالما يعمل على تكريس مصالح وامتيازات الطائفة المارونية سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًا.
3- كسر شوكة الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان والحركة الوطنية.
4- فرض واقع سياسي لتوطين الفلسطينيين بعد كسر شوكتهم ونزع سلاحهم غالبًا ما يكون عن طريق تكريس المعطيات التقسيمية الحالية.
5- بعد أن تتم تسوية مشكلة الفلسطينيين والحركة الوطنية.. والتقسيم الطائفي تكون الكتائب هي أقوى الفرق السياسية في لبنان مما يؤهلها لإعادة الهيمنة الشاملة على لبنان أو إعادة «لبنان الكبير».
ومن الطبيعي أن دولة يهود بموجب هذا الدور قد حصلت على أطماعها في جنوب لبنان.
نظام الشرعية مع الدولة المارونية
ومن الجدير بالذِّكر أن «نظام الشرعية» المتمثل بالرئيس إلياس سركيس كان دائمًا يعمل لمصلحة المارون أو لمصلحة لبنان الذي يسيطر عليه المارون.
وليست قضية الوفاق الوطني أو حكومة الفعاليات أو استقالة الحصّ إلا مناورات تهدف إلى الإلهاء وتمضِيَة الوقت حتى تنتهي السنتان الباقيتان من مدة رئاسته، ومما يؤكد هذا التحيز في الحوادث الأخيرة دفاعه عن عدم تمكن الجيش من دخول مناطق الاشتباكات بين الكتائب والأحرار وتسويغه لذلك بعدم رغبة الأطراف المعنية!
إشارات خطيرة
• في مقابلة لجريدة القبس الكويتية مع ريمون أنه حذر من أن هناك مخططًّا للتقسيم أصبح جاهزًا.
• وذكرت أنباء عن أن الكتائب بصدد بناء جيش قوامه ٤٠ ألف رجل.
• وذكرت الأنباء أنه في نفس الوقت الذي كانت تدور فيه القتال بين الكتائب والأحرار في بيروت الشرقية، كانت الاشتباكات دائرة في بيروت الغربية بين طرفين من الحركة الوطنية، كما دارت في الجنوب اشتباكات بين منظمة أمل من جهة والفلسطينيين والحركة الوطنية من جهة ثانية!
• وفي مقابلة لجريدة الوطن مع بشير الجميل قال إنه لو كشف عن خفايا الحوار بين حزبه وأعضاء الحركة الوطنية لتهددت حياة بعض الأشخاص من الحركة الوطنية.
آلام المخاض
وهذه إشارات خطيرة تصلح أن تكون مؤشرًا ودليلًا على صحة الدور المرسوم للكتائب في لبنان، وأن كثيرًا من الأطراف قد تكون ضالعة في هذا الأمر، وعليه فإن
الحرب اللبنانية وما تبعها من قتال عنيف بين مختلف الجبهات والأطراف لا سيما القتال الكتائبي - الشمعوني ليست أكثر من آلام المخاض للدولة المارونية ركيزة اليهود والاستعمار الأميركي البشع وكل أشكال البغي والظلم فهل يتحقق ذلك ومتى وما هو دور الأطراف العربية الرسمية؟! هذا ما ستكشف عنه الشهور القادمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل