; آفات على الطريق (٢٦) (4 من 4)- الحقد «علاجه وسبل الوقاية منه» | مجلة المجتمع

العنوان آفات على الطريق (٢٦) (4 من 4)- الحقد «علاجه وسبل الوقاية منه»

الكاتب أ.د. السيد محمد نوح

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1994

مشاهدات 137

نشر في العدد 1110

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 02-أغسطس-1994

·       العيش مع كتاب الله وفي ظلال السنة المطهرة والسيرة العطرة يقوي الإيمان في النفس ويساعد على التخلص من الحقد

خامسًا: علاج الحقد: وما دمنا قد عرفنا حقيقة الحقد ومظاهره وموقف الإسلام منه، وأسبابه وآثاره، فقد سهل علينا تحديد سبيل العلاج بل الوقاية، وتتلخص هذه السبيل في هذه الخطوات:

1- اليقين التام بأن الله عز وجل عليم حكيم يعطي العباد من النعم تبعا لما سبق في علمه، وما اقتضته حكمته، وما فيه مصلحة للعبد، فإن هذا اليقين يحمل صاحبه على الرضا بما قسم الله، وأعطى من النعمة أعم من أن تكون هذه النعمة له، أو للآخرين.

2– الحرص على العدالة في التوزيع والتسوية في المعاملة من الأب لأولاده، ومن الأخ لإخوانه، ومن الحاكم للرعية، فإن ذلك له دور كبير في اقتلاع جذور الحقد من النفس وأن يحل محله العفو والصفح والإحسان.

3- إعطاء الغير الحق في التعبير عما يدور بداخله، ومنع جلد الظهور، والاعتداء على الدماء والأموال والأعراض، فإن هذا مما يساعد كذلك في تطهير النفس من الحقد وصبغها بصبغة العفو والتسامح.

4- رعاية الحقوق الإسلامية على النحو الذي شرحنا، فإن هذا له دور كبير في القضاء على هذا الحقد وآثاره، وأن يعيش المسلمون أعزة كرماء، وفي رفاهية ورخاء.

5– التخلص من أمراض الإعجاب بالنفس والغرور، والتكبر على النحو الذي تقدم في الجزء الأول من هذه الآفات، فإنه بالتخلص من هذه الأمراض تكون طهارة النفس من الحقد.

6- التحذير من استغلال الآخرين في أي صورة من الصور ببيان أن هذا الاستغلال تكون له عواقب وخيمة، ومنها الحقد فلعل هذا التحذير يؤدي إلى تلاشي الاستغلال، وأن يحل محله الرحمة والمواساة بل والإيثار.

7- التأكيد على رعاية حقوق الجار بغض النظر عن عقيدة وجنسية هذا الجار، فإنه إذا روعيت هذه الحقوق وكانت صادقة أثمرت اقتلاع جذور العداوة والبغضاء والحقد.

8- السعي لحل المشكلات الأسرية، ورعاية العدالة عند تعدد الزوجات، وكفالة اليتامى حين يموت عائلهم كفالة تحميهم من سائر العلل والأمراض الظاهرة والباطنة فلعل هذا يسهم في اقتلاع جذور الحقد من النفس.

9– التثبت من كل ما نرى وما نسمع، فإن هذا له دور كبير في عدم الوقوع في الحقد أصلًا، ومن باب أولى التخلص منه، إن كان قد ألقى بجرَّانه في الصدر.

10- السعي لقطع الهجران بطريقة أو بأخرى، فإن هذا له دور كبير في اقتلاع بذور الحقد من النفس قبل أن تنبت وتثمر، والقصة التالية تشرح ذلك:

جاء عن عوف بن مالك بن الطفيل -هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها- أن عائشة حُدِثت أن عبدالله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: «والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها»، فقالت: «أهو قال هذا؟» قالوا: نعم، قالت: «فلله علي نذر، ألا أكلم ابن الزبير أبدًا»، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة فقالت: «والله لا أُشَفِّعُ فيه أبدًا ولا أتحنّث إلى نذري»، فلما طال ذلك على ابن الزبير، كلم المسور بن مخرمة، وعبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث. وهما من بني زهرة وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور، وعبدالرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليكِ ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها، ويبكي، وطفق المسور، وعبدالرحمن يناشدانها إلا ما كلمته، وقبلت منه، ويقولان: إن النبي ﷺ نهى عما قد علمت من الهجرة، فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من التذكرة، والتحريج طفقت تذكرهما، وهي تبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك، فتبكي حتى تبل دموعها خمارها(1).

11– تنقية المحيط الذي يعيش فيه المرء قريبًا كالبيت أو بعيدًا كالمجتمع من الحقد، بل تهيئة الأجواء الطاهرة النظيفة القائمة على سلامة الصدر من الأحقاد بل المواساة والإيثار فإن ذلك له دور كبير في العلاج من الحقد، بل والتحصن ضده.

12– دوام العيش مع كتاب الله وسنة وسيرة النبي ﷺ وكيف جاء الذم للغل، والبغضاء والدخل، والضغن، ونحوها مما يصب في النهاية في إناء الحقد فإن ذلك يساعد أولًا على مجاهدة النفس والتطهر أو التخلص من الحقد وثانيًا يقوي الإيمان في النفس، بحيث تسد الطريق في وجه الحقد فلا يدخل إلى هذه النفس مرة أخرى.

13– محاسبة النفس أولًا بأول، وإفهامها أن الحقد على الآخرين لأنهم أوتوا من النعمة ما حرمت منه يعني الاعتراض على الله وعدم الرضا بقضائه وقدره، وهذا خدش في أصل الإيمان يوجب أن يحبط العمل، وأن يحل غضب الله في الدنيا والآخرة.

14– دوام المطالعة في التاريخ الإسلامي والسماع والنظر فيما جاء عن السلف في علاج الحقد عند الآخرين حيث كانوا يقابلون السيئة بالحسنة، فيقدمون لهؤلاء النفقة والهدية ويحسنون جوارهم وضيافتهم، ويتفقدونهم ويشاركونهم أفراحهم ولا يؤذونهم في غياب أو حضور ويدعون لهم بظهر الغيب وهكذا وحسبنا هنا موقف الصديق من مسطح بن أثاثة وكان قريبًا له وكان الصديق يتعهده بالنفقة، وحين تورط في حادثة الإفك حلف الصديق أن يمنع عنه رفده وعطاءه، فنزل القرآن يقول: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُواۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النور: 22).

وحين سمع الصديق ذلك قال: بلى يا رب أحب أن تغفر لي وعاد إلى النفقة عليه وكفر عن يمينه(2).

وهذا الفاروق عمر كان يرى عدم قسمة أراضي سواد العراق والشام ومصر ونحوها محتجًا بأن مثل هذا الفتح لا يكون كل يوم، وأنه إذا قسمت هذه الأراضي بين المقاتلين لم يبق شيء لمن بعدهم، ولم يبق لبيت المال مورد ثابت كما استند إلى آيات سورة الحشر: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواۚ وَاتَّقُوا اللَّهَۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 7-10). قائلًا: «وقد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيتُ ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه»(2) -يعني كرامته مصونة- إذ يقال لمن يسأل الناس أراق ماء وجهه.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي معقبًا على هذه الآيات وفقه عمر هذا:

«وقررت الآيات توزيع عائد الفيء توزيعًا عادلًا، لا زال غرة في جبين الإنسانية فجعلت نصيبًا فيه للجيل الحاضر من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وصودرت ملكياتهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومن الأنصار الذين فتحوا صدورهم ودورهم لإخوانهم المهاجرين، فآووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة وأشركت مع هذا الجيل الذي بذل، وضحى أجيالًا أخرى عبر عنهم القرآن بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحشر: 10) وبهذا علمتنا الآيات الكريمة أن الأمة كلها وحدة متكاملة على اختلاف الأمكنة، وامتداد الأزمنة، وأنها -على مر العصور- حلقات متماسكة، يعمل أولها لخير آخرها، ويغرس سلفها ليجني خلفها، ثم يأتي الآخر، فيكمل ما بدأه الأول، ويفخر الأحفاد بما فعله الأجداد، ويستغفر اللاحق للسابق، ولا يلعن آخر الأمة أولها، وبهذا التوزيع العادل تفادى الإسلام خطأ الرأسمالية التي تؤثر مصلحة الجيل الحاضر، ومنفعته مغفلة- في الغالب- ما وراءه من الأجيال، كما تجنب خطأ الشيوعية التي تتطرف كثيرًا إلى حد التضحية بجيل، أو أجيال، قائمة في سبيل أجيال لم تطرق بعد أبواب الحياة.

ولهذا قال الفقيه الجليل معاذ بن جبل لأمير المؤمنين عمر- حين هم بقسمة الأرض أول الأمر على الفاتحين: والله إذن ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير إلى الرجل الواحد، والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام سدًا -يعني يدافعون عنه- وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم، قال: فصار عمر إلى قول معاذ.

ومن هنا قال عمر لبلال وغيره ممن عارض وقف الأرض على الأمة كلها: «تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء»(4).

وبالجملة فإن عمر كان يرى أن بقاء هذه الأرض ملكًا للأمة كلها دون قسمة لها على الأجيال الحاضرة، مما يتفق وجوهر هذا الدعاء: «ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا».

15– التذكير الدائم بهذا الداء وخطورته على الفرد والجماعة وأسبابه وسبيل الوقاية منه، فإن الإنسان ينسى وعلاج النسيان إنما يكون بالتذكير.

16– كثرة الدعاء والتبتل والضراعة إلى الله -عز وجل- أن يطهر القلوب من هذا الداء، وخير ما ندعو به في هذا المقام ما قدمنا مما علمنا الله في كتابه.

الهوامش

1- الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الأدب باب الهجرة وقول الرسول «ولا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث» 25/8 من حديث عوف بن مالك بن الطفيل عن عبد الله بن الزبير بهذا اللفظ.

2- الحديث جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في:

الصحيح كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضًا 3/227-231 وكتاب المغازي: باب حديث الإفك 5/148–154 وكتاب التفسير سورة النور: باب منه 6/127–132، ومسلم في الصحيح كتاب التوبة باب في حديث الإفك وقبوله توبة القاذف 2129/4–2137 رقم 2770 (56)، والترمذي في السنن كتاب التفسير سورة النور: باب منه 5/310–314 رقم 3180، وأحمد في المسند 59/6–61، 194–197 كلهم من حديث عائشة -رضي الله عنها- وعقب الترمذي على حديثه بقوله: «هذا حديث حسن صحيح غريب. حديث هشام بن عروة، وقد رواه يونس بن يزيد، ومعمر وغير واحد عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب وعلقمة ابن وقاص الليثي وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة هذا الحديث أطول من حديث هشام بن عروة، وأتم».

3- انظر: الخراج لأبي يوسف ص 24-33، وعنه نقل الدكتور يوسف القرضاوي في فقه الزكاة.

4- انظر: فقه الزكاة 406/1-410.

(*) أستاذ الحديث وعلومه بكلية الشريعة جامعة الكويت.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

180

الثلاثاء 19-مايو-1970

نحو منظمة إسلامية - مولد النور

نشر في العدد 46

142

الثلاثاء 02-فبراير-1971

يا أعضاء مجلس الأمّة

نشر في العدد 77

107

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)