العنوان آفات على الطريق (٢٤) (١ من ٣) الشح.. تعريفه ومظاهره
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1994
مشاهدات 76
نشر في العدد 1101
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 24-مايو-1994
·
بذل
الجاه في الذود عن الحق والراحة لمصلحة الغير والعلم لطالبه لها آثارها في دفع
الضرر عن المجتمع.
·
البخل
بالنفس والمال في الذود عن الدين يؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض والاعتداء
على المقدسات.
والآفة الرابعة والعشرون التي أصابت وتصيب نفرًا
من العاملين، وكانت سببًا في كثير مما نعاني نحن المسلمين اليوم إنما هي: «الشح».
وحتى يتطهر منها من ابتلي بها ويتقيها من عافاه الله –عز وجل– منها، فإننا سنقف
على أبعادها، ومعالمها من خلال هذه الفقرات.
أولًا: تعريف الشح
لغة: يطلق
الشح لغة على معانٍ منها:
1- حرص النفس على ما تملك، وبخلها به، أو هو
ضد الإيثار، إذ المؤثر غيره على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما
ليس بيده فإذا حصل بيده شح، وبخل بإخراجه، نقول: شح فلان بالشيء: بخل، وشح على
الشيء: حرص، فهو شحيح وشحاح.
2- القلة والعسر، نقول: شح الماء ونحوه، شحًا:
قل، وعسر، وشح الزناد: لم يورِ أي لم يشتعل.
3- التسابق إلى الشيء والتنافس عليه، نقول:
تشاحوا في الأمر وعلى الأمر: تسابقوا، وتنافسوا، وتشاح الخصمان: بدا حرصهما على
الغلبة.
4- المخاصمة أو المماحكة والمجادلة، نقول: شاح
فلانًا: خاصمه، وماحكه، ويقول العلماء: لا مشاحة في الاصطلاح: لا مجادلة فيما
تعارفوا عليه(1).
وعندي أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعًا،
إذ الشح حرص أو بخل يتلخص في المنع، أو العطاء بقلة، وربما يحمل على التنافس
والمخاصمة أو المجادلة.
اصطلاحًا:
له معنيان:
أحدهما عرفي: وهو البخل بالمال حتى صار معروفًا
بين الناس أنه إذا أطلقت كلمة شح انصرفت مباشرة إلى إمساك المال وعدم بذله.
والآخر شرعي: وهو البخل بكل بر ومعروف مالًا
أو غيره، في يده أو في يد غيره، ولهذا المعنى الشرعي شواهد وأدلة منها:
1- قوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم،
فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على
أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم»(2). وفي رواية: «إياكم والشح فإنما هلك من كان
قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا»(3).
2- قوله: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليَّ»(4).
3- وجاء رجل إلى النبي فقال: إن لفلان في
حائطي عذقًا(5)، وإنه قد أذاني وشق على مكان عذقه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه
وسلم: «بعني عذقك الذي في حائط فلان» قال: لا، قال: «فهبه لي»، قال: لا، قال:
«فبعنيه بعذق في الجنة» قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت الذي هو
أبخل منك إلا الذي يبخل بالسلام»(6).
إلى غير ذلك من النصوص الشرعية الدالة على أن
الشح في لسان الشرع إنما هو البخل بكل بر ومعروف مالًا أو غيره، في يده أو في يد
غيره.
ثانيًا: مظاهر الشح وقيمته في
ميزان الإسلام
وللشح بمعناه الشرعي الذي ذكرنا مظاهر تدل
عليه، وأمارات يعرف بها، وأهم هذه المظاهر وتلك الأمارات:
1- البخل بالرئاسة،
بأن يكون المرء صاحب رئاسة تعود على الدين والأمة بالخير، ثم يحبس هذه الرئاسة،
فلا يصرفها في خدمة الدين ومصالح الأمة.
2- البخل بالوجاهة،
بأن يكون المرء من بيت معروف بشرف ووجاهة يفيدان حماية الحق ومؤازرته، ثم يحبس هذا
الشرف وهذه الوجاهة عن أن يقفا مع هذا الحق ويؤازرانه.
3- البخل براحته ورفاهيته وإجمام نفسه عن أن
تكون هذه جميعًا في مصلحة الغير مع قدرته على ذلك.
4- البخل بالعلم بمعنى حبسه عن الناس وإن
سألوه أو حبس الجواب الكافي الشافي عند السؤال، والاقتصار في الجواب، ولاسيما عند
الفتيا بكتابة «نعم» أو «لا».
5- البخل بنفع البدن في أي صورة من الصور،
كالعدل بين الناس ومواساة ذوي الحاجة، وإماطة الأذى عن الطريق، وإرشاد الضال أو
التائه إلى الطريق والإفساح في المجلس ونحوه.
6- البخل بحسن الخلق من عدم مقابلة السيئة
بمثلها، ومن العفو، وكف الأذى.
7- البخل بالنفس، فلا يضحي بها ولا يبذلها
فداء لدين الله، مع أنه يرى حرمة الدين تنتهك متمثلة في نشر الشرك والإلحاد، وسفك
الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال والعدوان على المقدسات ونحوها.
8- البخل بالمال، بمعنى حبسه عن صرفه في أوجه
الخير والاستحقاق.
9- البخل بما يقدمه الآخرون من نفس ومال خدمة
لدين الله عز وجل على نحو ما يصنعه رسميون اليوم من ملاحقة وإيذاء كل من يصنع ذلك
متهمين إياه بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان بحجة تجفيف المنابع.
10- لمز الآخرين فيما يقدمون على نحو ما قال
المنافقون في نفر من المؤمنين لم يجدوا ما يتصدقون به سوى جهدهم، وحكاه الحق تبارك
وتعالى في كتابه فقال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(التوبة: 79).
والشح بكل صوره ومظاهره مذموم: فقد بين الله
في كتابه أن من طهرت نفسه من الشح فهو من المفلحين حقًا، فقال: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ
نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9- التغابن: 16). عن أبي
الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلًا يقول: «اللهم قني شح نفسي» لا
يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: «إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل
شيئًا»، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف(7).
وعن ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله عز
وجل: «ومن يوق شح نفسه»، قال: من وقي شح نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم
يقربه، ولم يدعه الشح أن يحبس من الحلال شيئًا فهو من المفلحين(8).
وعن ابن عباس قال: «قوله: ومن يوق شح نفسه،
يقول هوى نفسه، حيث يتبع هواه، ولم يقبل الإيمان»(9).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ومن يوق شح
نفسه، أن يعمد إلى مال غيره فيأكله»(10).
ويقول ابن جرير –رحمه الله: «وقوله فأولئك هم
المفلحون» يقول: فهؤلاء الذين وقوا شح أنفسهم المنجحون الذين أدركوا طلباتهم عند
ربهم»(11).
كما بين سبحانه أن الشح على المؤمنين بالخير
من البر والمعروف من صفات المنافقين وكفى بهذا ذمًا للشح، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ
اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ
إِلَيْنَاۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْۖ
فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا
فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾
(الأحزاب: 18-19).
يقول أبو الحسن الماوردي: قوله تعالى: «أشحة
عليكم» فيه أربعة تأويلات: أحدها: أشحة بالخير قاله مجاهد. الثاني: بالقتال معكم،
قاله ابن كامل. الثالث: بالغنائم أصابوها، قاله السدي. الرابع: أشحة بالنفقة في
سبيل الله، قاله قتادة»(12).
ويقول أيضًا: «قوله تعالى: «أشحة على الخير»،
فيه ثلاثة أوجه: أحدها: على قسمة الغنيمة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: على المال
ينفقونه في سبيل الله، قاله السدي. الثالث: على النبي صلى الله عليه وسلم بظفره»(13).
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ
لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران:
180).
وقال صلى الله عليه وسلم فوق ما ذكرنا من
أحاديث في تعريف الشح وكلها في ذمه: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان
من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده
حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة
مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع»(14).
يقول الإمام الخطابي –رحمه الله: «هذا مثل
ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للجواد المنفق والبخيل الممسك، وشبههما برجلين
أرادا كل واحد منهما أن يلبس درعًا يستجن بها –يعني يستتر– فصبهما على رأسه
ليلبسها، والدرع أول ما يلبس إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها
يديه في كميها، ويرسل ذيلها على أسفل بدنه فيستمر سفلًا، فجعل صلى الله عليه وسلم
مثل المنفق مثل من لبس درعًا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وحصنته، وجعل
البخيل كرجل كانت يداه مغلولتين إلى عنقه، ناتئتين دون صدره، فإذا أراد لبس الدرع
حالت يداه بينهما وبين أن تمر سفلًا على البدن، واجتمعت في عنقه فلزمت بترقوته،
فكانت ثقلًا ووبالًا عليه من غير وقاية له أو تحصين لبدنه. وحقيقة المعنى: أن
الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره، وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبذل، وأن
البخيل يضيق صدره وتنقبض يداه عن الإنفاق في المعروف والصدقة، وإلى هذا المعنى
أشير –والله أعلم– في قوله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ
مَغْلُولَةٌۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُواۘ بَلْ يَدَاهُ
مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة: 64)(15).
الهوامش
1. انظر: المعجم الوسيط 1 /474 بتصرف.
2. الحديث أخرجه مسلم في الصحيح كتاب البر والصلة
والآداب باب تحريم الظلم 4 /1996 رقم 2078 (56) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا
بهذا اللفظ، وأحمد في المسند 2 /431 من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «إياكم
والظلم فإن الظلم ظلمات عند الله يوم القيامة وإياكم والفحش، فإن الله لا يحب
الفحش والتفحش وإياكم والشح، فإنه دعا من قبلكم فاستحلوا محارمهم وسفكوا دماءهم،
وقطعوا أرحامهم»، و3 /323 من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا بلفظ مسلم.
3. الحديث أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الزكاة باب
في الشح 2 /324 رقم 1698، وأحمد في المسند 2 /160، 191، 195 كلاهما من حديث عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعًا واللفظ لأبي داود.
4. الحديث أخرجه الترمذي في السنن كتاب الدعوات باب
قول رسول الله: رغم أنف رجل 5 /515 رقم 3546، وأحمد في المسند 1 /201 كلاهما من
حديث الحسن بن علي بن أبي طالب وعقب عليه الترمذي بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب.
5. العذق: العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على
عذاق، أما العذق بالفتح فهو النخلة، ومنه قوله في الحديث: «كم من عذق في الجنة
لأبي الدحداح» انظر النهاية في غريب الحديث والأثر 3 /7.
6. الحديث أخرجه أحمد في المسند 3 /228 من حديث جابر
بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعًا بهذا اللفظ.
7. الحديث أخرجه ابن جرير في جامع البيان 28 /12 /82
من حديث سعيد بن جبير عن أبي الهياج بهذا اللفظ، وأورده السيوطي في الدر المنثور
في التفسير بالمأثور 8 /108، وعزاه إلى ابن جرير، وابن المنذر وابن عساكر.
8. الحديث أخرجه ابن جرير في: جامع البيان 28 /12 /30
من طريق يونس قال: أخبرنا ابن وهب عن ابن زيد وساقه بهذا اللفظ.
9. الحديث أخرجه ابن جرير في جامع البيان 28 /12 من
حديث أبي معاوية عن علي عن ابن عباس، وساق الحديث بهذا اللفظ.
10. الحديث أخرجه ابن جرير في: جامع البيان 28 /12 /82
من حديث سفيان عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود وساق الحديث بهذا
اللفظ.
11. انظر: جامع البيان لابن جرير الطبري 28 /12 /82.
12. انظر: النكت والعيون بتفسير الماوردي 2 /312.
13. انظر: النكت والعيون المعروف بتفسير الماوردي 3
/313.
14. الحديث أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الزكاة باب
مثل المتصدق والبخيل 2 /142 - 143، وكتاب الجهاد باب ما قيل في درع النبي والقميص
في الحرب 4 /1050 وكتاب الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور 7 /67، وكتاب اللباس
باب جيب القميص عند الصدر وغيره 7 /185، ومسلم في الصحيح كتاب الزكاة باب مثل
المنفق والبخيل 2 /708 - 709 رقم 1021 (75-77)، والنسائي في السنن كتاب الزكاة باب
صدقة البخيل 2 /37 - 38 رقم 2327– 2329 (1- 3) (الكبرى) 5 /70- 72 (المجتبى)،
وأحمد في المسند 2 /256، 522، 389 - 523 كلهم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -
مرفوعًا، واللفظ للبخاري.
15. انظر: أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري 1 /769 -
770، وعنه نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري 3 /306- بتصرف كثير.
(*) أستاذ الحديث وعلومه في كلية
الشريعة- جامعة الكويت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل