«الغيبة الإلكترونية».. خناجر خلف الشاشات تهتك سمعة الناس والمؤسسات

لم تعد الغيبة حكرًا على مجالس الأنس، بل تحولت إلى وباء إلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تكنولوجيا النشر وتسارع رد الفعل يسمحان بشن هجمات على سمعة الأفراد والمؤسسات خلال دقائق، فما بين زناد المنشورات وأروقة التعليقات، تتفشى ظاهرة جديدة أطلق عليها أطباء الاجتماع مصطلح الغيبة الإلكترونية، وهي الغيبة في عصر السرعة الرقمية والتشهير السريع.

استشراف علم الاجتماع

استعرض أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت د. خالد العجمي تأثير هذه الظاهرة فقال: الغيبة الإلكترونية لا تنتصر لغايتها فحسب، بل تحوّل الضحية إلى مادة متاحة للقيل والقال، حتى لا يكاد ينسى الحاضر ما طُرح عنه، ولا ينسى الغائب ما لُفق له.

وأضاف: بغضِّ النظر عن صحة الخبر أو كذبه، فإن سرعة النشر وعدم التثبت تقود إلى مقتل السمعة قبل أن تُدافع عنها المحكمة القانونية أو الأخلاقية.

مركز البحوث الاجتماعية

وفي دراسة أجراها مركز البحوث في جامعة الكويت على 1200 شاب وفتاة في الفروقات العمرية بين 18–35 عامًا، وجدت أن:

- 70% ممن تعرضوا للتشهير الإلكتروني عانوا من سلسلة تبعات صحية ونفسية، أبرزها الانسحاب الاجتماعي والاكتئاب.

- 43% تخلوا عن وظائف أو تخصصات دراسية بعد حملات غيبة مركّزة.

- 85% أكدوا أن السمعة أصبحت رهينة الكلمة الرقمية الزائفة أكثر من الحقيقة.

وهذه نتائج مقلقة تُشير إلى أن كل ضحية تشهير إلكتروني تعاني 30% زيادة في مستوى القلق والسطحية الاجتماعية، بحسب تحليل فريق الدراسة.

أثر السمعة الإلكترونية على المؤسسات

أشارت مؤسسة «Reputation Institute» المعروفة بـ«РепТрак» إلى أن 92% من المؤسسات تتأثر بشكل حاد بسبب منشور واحد خاطئ يعصف بسمعتها، حتى لو أثبت لاحقًا أنه كاذب.

ويؤكد التقرير أن السمعة أصبحت أصولًا رقمية لا يُمكن تجاهلها، خاصة في الاجتماع الحالي الذي يقيس المؤشر عبر بيانات الشبكات ومؤشرات الأداء الرقمي.

الابتزاز الإلكتروني

في زمن الثورة الرقمية والانفتاح التكنولوجي، برزت تحديات خطيرة تهدّد استقرار المجتمعات وتسيء إلى منظومة القيم، ولعل من أخطر هذه التحديات ما يُعرف بـ«الابتزاز الإلكتروني»، الذي بات يفتك بالأفراد ويخلخل أمن الأسرة والمجتمع.

ويُعلق د. صلاح المهيني على هذه الظاهرة قائلاً: إن الابتزاز الإلكتروني بأشكاله المختلفة، سواء من خلال التهديد بنشر صور أو مقاطع خاصة، أو بالمطالبة بأموال مقابل السكوت، يُعدّ من الجرائم السلوكية الجسيمة التي تحرّمها الشريعة الإسلامية، لما فيها من ظلم وعدوان على الحقوق الإنسانية والكرامة البشرية.

ويؤكد أن هذه الممارسات تدخل في باب البغي والعدوان، وقد نهى عنها الإسلام بشدة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، كما أن استخدام المعلومات الخاصة في الإضرار بالآخرين يدخل شرعًا في دائرة الغيبة المحرّمة، بل يتجاوزها إلى ما هو أشد، لأن فيها نشرًا لما يُكره صاحبه إظهاره، وربما لم يأذن به أصلاً.

وأضاف: الشريعة الإسلامية حرّمت كل ما يُفضي إلى إيذاء الناس في أموالهم أو أعراضهم أو مشاعرهم، فقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تمثل قاعدة راسخة في الفقه الإسلامي، والابتزاز داخل في معناها بلا شك.

وتابع: المؤلم أن الابتزاز الإلكتروني لا يقتصر أثره على الجانب المادي، بل يمتد ليحطم النفسيات، وقد يقود ضحاياه في أحيان كثيرة إلى حافة الانتحار، كما هي الحال في بعض الحالات المرصودة عالمياً.

واختتم د. المهيني بالقول: إن مسؤولية مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق القوانين وحدها، بل لا بد من تكاتف الأسرة والمجتمع والمؤسسات التربوية والدينية، للحد من انتشارها وتجريمها وردع من تسول له نفسه العبث بحرمات الناس.

مقترحات لمعالجة الظاهرة

- تصميم قوانين محلية صارمة تمنع التشهير والكذب الإلكتروني، مع رفع إمكانات اتخاذ إجراء ضد الصفحات المحرضة.

- حملات توعية مستمرة في المدارس والجامعات تبيّن أثر الكلمة الإلكترونية في تدمير الأفراد والمجتمع.

- إلزام المؤسسات بتأسيس فرق لرصد «السمعة الرقمية» والتعامل معها فورًا.

- تبنّي وعي عام بأن المسؤولية تنتقل للقلم واللوحة الرقمية.

الغيبة الإلكترونية لا تتورع عن استخدام أدوات الفتنة والافتراء من خلف الشاشات، فيتحوّل الفرد إلى هدف أطلق عليه النار بلا إنذار، فتتشظى حياته ما لم يكن له وعي ودفاع قوي.

لذلك، فإن استعادة السمعة وتحصين المجتمع مكلفتان، لكنهما السبيل الوحيد لقول كلمة الحق في زمن صناعة الظلال الرقمية.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة