6 أمراض قلبية يعالجها الحج
بعض الرحلات
والانتقالات لا تصح حتى ينتقل القلب كما انتقل الجسد من مكان لآخر، فلا يصح مثلاً
أن تسافر وهمومك بين جوانحك لم تتركها خلفك، هنا يفقد السفر صلاحيته للترويح عن
النفس وتخليصها من أثقالها التي سافر من أجل الهروب منها.
وكذلك رحلة الحج،
لا تجوز أن تكون مجرد انتقال بالجسد من مكان لمكان، تؤدى فيها بعض المناسك ثم يعود
الإنسان بذات النفس التي ذهب بها، بينما هي في حقيقتها رحلة إعادة بناء للنفس
الإنسانية، وكأن مناسك الحج ترمم كل كسر، وتصلح كل ما فسد في علاقة الإنسان بنفسه
ومع بالله عز وجل؛ (وَتَزَوَّدُوا
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)
(البقرة: 197)، فكيف تعالج مناسك الحج النفس الإنسانية؟
أولاً: الإحرام.. علاج الشعور بالتميز عن الخلق:
يتوافد الحجيج
إلى مكة بأثوابهم المعتادة، وما إن يبلغوا الميقات حتى يتجردوا من زينة الدنيا في
لباسٍ أشبه بالكفن، في تلك اللحظة المهيبة، تتلاشى كل الفوارق الطبقية، وتذوب
الألقاب، ليستوي الجميع في مشهد جليل، فلا تمايز بينهم ولا تفاضل إلا بميزان
التقوى وصالح الأعمال؛ قال سبحانه: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب» (رواه أبو داود).
وفي عالمنا تقاس
قيمة الإنسان بما يملك، يأتي الإحرام ليعالج وهماً خطيراً استقر في النفوس، وهو وهْم
التفوق بالمظاهر، فيتعلم المسلم أن قيمته الحقيقية ليست في قيمة ما يرتديه، ولا
حجم ما يملكه، وإنما فيما يحمله قلبه من تقوى وإخلاص.
ثانياً: الطواف.. علاج التشتت وفوضى الهويات:
تتوالى دروس
الطواف لتوقظ المسلم من غفلته؛ ففي دروب الحياة، يطوف الغافلون دون إدراكٍ في
أفلاكٍ شتى؛ فمنهم من يجعل المال كعبته، ومنهم من يدور في فلك المناصب والمكانة
الاجتماعية.
هكذا يتبدد سعي
الإنسان ويتوزع قلبه بين أصنامٍ عصرية متعددة، وهو واهمٌ بأنه على صواب ثم يأتي
الطواف ليعيد ترتيب مركز الحياة من جديد؛ إنه إله واحد، وبيت واحد، وقبلة واحدة،
وهنا يتجلى معنى قوله تعالى: (يَا
صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)؛ فالقلب دون توحيد قبلته ومساره في حيرة لا يصلحها
سوى منسك الطواف إن استطاع إليه سبيلاً.
ثالثاً: السعي.. علاج العجز واليأس:
من أكثر مشاهد
الحج تأثيراً في النفس، السعي بين الصفا والمروة؛ استحضاراً لقصة السيدة هاجر، حيث
تقطن الصحراء وحدها بغير زاد أو ماء مع رضيع لا حول له ولا قوة، لم يمنعها يقينها
أن تسأل ليطمئن قلبها أن أمرها لله وحده، وليس رغبة زوجها النبي إبراهيم: «آلله
أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا» (رواه البخاري).
ثم يدفعها نفس
اليقين للسعي كي يتعلم المسلم حق التوكل الذي لا يعني الاستسلام، وانقضاء الأسباب
لا يعني اليأس، وبذل الجهد حتى ينفد ليس دافعاً للعجز، وبهذا يكون السعي علاجاً
نفسياً ناجعاً لثقافة العجز وانتشار روح الانهزام واللجوء إلى الانتحار بدعوى قصر
اليد، مع أن أبواب الله واسعة، وفرجه دائماً معجز لمن يسعى إليه بصدق، حيث صدق
البذل، وصدق وجهة القلب.
رابعاً: عرفة.. علاج الكبر وغرور النفس:
وليس مثل يوم
عرفة ينكسر فيه المؤمنون لربهم، بل هو من أعظم مشاهد الانكسار البشري أمام
الله في العام كله، حيث تتجرد النفوس من
أوهام القوة والسيطرة والكبر والغرور، فلا فرق بين غني وفقير، ورئيس ومرؤوس، وقوي
وضعيف، وإنما ملايين البشر بلباس واحد، وأرض واحدة، وقلوب متوجهة إلى السماء ترجو
رحمة ربها، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة» (رواه الترمذي).
وبهذا لا تكون
عرفة مجرد محطة زمنية في الحج، وإنما لحظة سقوط الغرور الإنساني كله، حين يدرك
الإنسان حجمه الحقيقي، وأنه مهما بلغ من قوة أو نفوذ، فهو عبد محتاج إلى رحمة ربه.
خامساً: رمي الجمرات.. علاج الاستسلام للهوى:
ورغم أن رمي
الجمرات يبدو شعيرة حركية بسيطة، فإن معناه النفسي والتربوي بالغ العمق، فالإنسان
لا يرجم حجراً في الحقيقة، وإنما يعلن حربه المتجددة على وساوس الشيطان وشهوات
النفس وأسباب الانحراف عن طريق الله، ولذلك يرتبط الرمي بالتكبير، فيقول الحاج مع
كل حصاة: «الله أكبر»؛ أي أن الله أكبر من الشهوة، وأكبر من الخوف، وأكبر من كل ما
يحاول السيطرة على القلب وإبعاده عن طاعة الله.
إنها رمز لتقرير
العداء مع الشيطان؛ (إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) (فاطر: 6)، فالرجم
ليس حرباً مع حجر، وإنما تدريب عملي على العداء الدائم للشيطان، وهوى النفس، ولذلك
رأى عدد من العلماء أن من أعظم مقاصد العبادات تدريب النفس على مجاهدة شهواتها،
ومن هذه العبادات، مناسك الحج الأعظم.
سادساً: أيام التشريق.. علاج الغفلة بعد الطاعة:
وبعد انتهاء
معظم المناسك، لا يترك الإسلام القلب فارغاً، وإنما يملأ أيام التشريق بالتكبير
والذكر، يقول سبحانه: (وَاذْكُرُوا
اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) (البقرة: 203)، فالإنسان بعد كل عبادة
عالية وهمة كبيرة يكون معرضاً أكثر من غيره للانتكاس، فحربه مع الشيطان أبداً لا
تنقضي، ولن تنقضي إلا بخروجه من الدنيا سالماً من الشرك أو الكفر.
وتلك إشكالية
معظم الناس، فالطاعة قد تكون يسيرة، إنما الثبات عليها يكون هو الأصعب، ولذلك كان
دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» (رواه
الترمذي).
الحج ليس مجرد
رحلةٍ للأجساد، بل مسيرة لإعادة بناء القلوب، وترميم صلة العبد بربه، فمن خلال
مناسكه، يتعلم المؤمن التواضع، ووحدة الغاية، والافتقار إلى الله، ومقاومة الهوى،
ليعود في النهاية إنساناً جديداً كما يحبه الله ويرضاه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً