5 فوائد لتكرار قراءة السيرة النبوية

عزة مختار

30 يوليو 2026

90

5 فوائد لتكرار قراءة السيرة النبوية

السيرة النبوية مدرسة إيمانية وتربوية وحضارية لا تنقضي فوائدها، ولا يتم تحصيلها بقراءة واحدة، وإنما يلزمها تكرار قراءتها كي تكشف لنا أسرارها وخباياها وكنوزها؛ (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21).

وإعادة قراءة السيرة النبوية يعد تجديداً للإيمان وترسيخاً للمفاهيم وزيادة للوعي والإدراك، وفيما يلي 5 فوائد من إعادة قراءة السيرة:

1- تجدد دروس السيرة بتجدد ظروفنا الحياتية:

في كل مرة يقرأ فيها المسلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، سيقوم بالتركيز على جانب معين من جوانبها، فالشاب حين يقرأ يرى فيها البطولة والجهاد، وحين ينتقل لحياته الزوجية، فسوف يتوقف كثيراً عند جوانب حسن معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته، وإذا رزقه الله بالأبناء، استوقفته أكثر مواقفه التربوية ورحمته بأطفاله، وإذا تحمل مسؤولية ما، فإذا به يتأمل مواطن عدله وحكمته في القيادة.

ولهذا كان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقاً ليجدد التربية، فقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) (الإسراء 106)، يقول ابن كثير: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً منجماً على الوقائع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة؛ قاله عكرمة عن ابن عباس(1).

ويظهر من كلام ابن كثير أن من حكم التنزيل المتدرج تثبيت القلوب وتجديد الهداية، وإذا كان القرآن يتجدد أثره مع كثرة تلاوته، فإن السيرة التي تشرح تطبيق القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم تتجدد كذلك مع كل قراءة في مراحل العمر المختلفة.

2- القراءة المتكررة تكشف ثراء شخصية النبي:

إعادة القراءة في المرحلة العمرية الواحدة تختلف نتائجها في كل مرة عن سابقتها؛ لأن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم نفسها، وأحداث السيرة النبوية تحمل من الثراء ما لا تستوعبه قراءة واحدة، فنجد معظم هواة القراءة يعيدون قراءة الروايات أو الكتب الهادفة، وذلك للمزيد من الاستفادة واستخلاص الدروس، والسيرة النبوية التي منهج المسلم في حياته أولى بذلك التكرار.

جَاء في تَرجمة أحمدَ بنِ الفُرَاتِ (أبي مسعودٍ الرَّازي): أنَّه كان يُكرِّرُ كلَّ حَديثٍ خمسَمائةِ مَرَّة(2)، وقال له رجل: إنَّا نَنْسى الحديثَ؟ فقال: أيُّكمْ يرْجِعُ في حِفظِ حديثٍ وَاحدٍ خمسمائة مرَّةٍ؟! قَالوا: وَمَنْ يَقوَى عَلَى هَذَا؟ فَقَال: لِذاكَ لا تحفظون(3)، وقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب (وفي لفظ لم نسمع) الحديث خمسين مرة ما عرفناه(4).

3- تكرار السيرة يثبت القلوب وقت الأزمات:

السيرة ليست أخبار انتصارات متتالية، بل هي مدرسة تعلم أن طريق الدعوة مليء بالابتلاء والصبر، وأن النصر يأتي بعد الأخذ بالأسباب، قال تعالى: (حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) (يوسف: 110)، وقال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ) (آل عمران: 160)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» (رواه أحمد).

4- تعالج التصورات التاريخية المجتزأة؟

كثير من الناس يعرفون أحداثاً مشهورة من السيرة، لكنهم يجهلون سياقاتها أو حكمتها، فتتكون لديهم تصورات ناقصة، ومع تكرار القراءة في المصادر المحققة، تتضح الصورة الكاملة، ويعرف المسلم كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الرحمة والحزم، وبين القوة والعفو، وبين العبادة والعمل، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) (آل عمران: 159)، (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح: 29).

فالسيرة تعلم المسلم التوازن الذي يفتقده الناس، وتكرار قراءتها يبرز تلك المعاني ويوضحها بقوة.

5- للتكرار أثر في نقل السيرة للواقع العملي:

الغاية من قراءة السيرة ليست حفظ التواريخ، وإنما الاقتداء؛ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري).

وتكرار قراءة الرسائل أو سماعها يمثل عملية برمجة عصبية مؤثرة بصورة عميقة، فتترسخ القدوة، ويصبح المسلم أقرب إلى تطبيق القدوة في أخلاقه وصبره وتعامله مع الناس وإدارة شؤون حياته.

إن أعظم ما تمنحه القراءة المتكررة للسيرة أنها تنقل الإنسان من مرحلة الإعجاب بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاقتداء الحقيقي به، والمسلمون يقرؤون سيرة نبيهم ليحيوا بها، وكل قراءة بها اكتشاف جديد، لأن نور السيرة لا ينفد، ولأن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت التطبيق العملي الكامل لكتاب الله، ومن وفقه الله إلى ملازمة السيرة قراءة وتدبراً، وجد فيها زاداً لإيمانه، وهداية لعقله، ورحمة لقلبه، وبصيرة تعينه على مواجهة تحديات عصره.

الهوامش
  • 1 تفسير ابن كثير، ص1142.
  • 2 تهذيب التهذيب (1/ 58)، ط. المكتبة الشاملة.
  • 3 تهذيب الكمال للمزي (1/ 424).
  • 4 تاريخ دمشق (14/ 458).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة