5 حقائق عن عام الفيل وعلاقته بالمولد النبوي الشريف

عزة مختار

23 أغسطس 2026

367

مقال بعنوان: 5 حقائق عن عام الفيل

تعد قصة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما ارتبط به من أحداث «عام الفيل»، من أشهر قصص الميلاد، فمنذ وعي أبنائهم يحرص معظم المسلمين على تلقينها لهم، ثم تعليمهم سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.

ثم تأتي تفاصيلها بغطرسة ملك أراد أن يهدم بيت الله، حيث أعد جيشاً قوياً وتوجه يريد هدم الكعبة المشرفة، ليعود هذا الجيش مهزوماً مدحوراً، ليس بقوة جيوش العرب، وإنما بقوة الله وحده، وعلى المشهور عند أهل السيرة ولد النبي صلى الله عليه وسلم في نفس العام.

والقرآن الكريم قد أفرد سورة عن قصة أصحاب الفيل يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ {1} أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) (الفيل)، فما الذي لا تعرفه عن «عام الفيل»، وعن مولد النبي صلى الله عليه وسلم؟

أولاً: «عام الفيل» درس عملي عن قدرة الله تعالى:

في سياق الحديث عن «عام الفيل»، لسنا في حاجة لإثبات القصة، فهي مثبتة في كتاب الله وتناولها العلماء والمفسرون بالكثير من التفصيل، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم «فتح مكة»: «إِنَّ اللَّهَ حَبْسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وسَلَّط عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ قَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» (رواه البخاري، ومسلم).

ويقول ابن كثير: هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة»(1).

وبالرغم من أن ذلك كان قبل البعثة بنحو 40 عاماً، فإن القرآن تجاوز ذكر اسم أبرهة، وإنما عرف الجيش بـ«أصحاب الفيل»، وفي ذلك دلالة ظاهرة على قدرة الله على إبطال أعظم مشروعات القوة حين تتجاوز حدودها، فأصحاب الفيل لم يهزموا لقوة قريش، وإنما قال تعالى: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)؛ إنه تدخل إلهي في اللحظات التي يحسب البشر أنها محسومة لصالح الشر، وهو العام الذي شهدت فيه مكة ذلك الدرس العظيم.

ثانياً: حملة أبرهة.. بين الغزو العسكري والمشروع الاقتصادي:

ربطت روايات السيرة بين حملة أبرهة ومشروع أكبر من مجرد هدم الكعبة، فقد أرسل أبرهة للنجاشي برسالة: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء. سمتها العرب القليس(2).

وكانت الكعبة تتمتع بمكانة دينية واقتصادية كبيرة في حياة العرب، فالناس يحجون إلى البيت، وكانت قريش تستفيد من مكانتها في خدمة الحجيج والتجارة، ولذلك ارتبطت حملته بهدف ديني واقتصادي، إلى جانب هدفه العسكري، وتذكر الروايات أن أبرهة خرج بجيشه ومعه الفيل، وأن العرب لما علموا بقصده عظموا الأمر، ووقعت خلال الطريق مواجهات مع بعض القبائل، حتى وصل الجيش إلى مشارف مكة(3).

لقد امتلك أبرهة جيشا قوياً، وامتلك فيلاً ضخماً لم تعرف العرب الحرب به، وقطع مسافة طويلة من اليمن حتى وصل إلى مشارف مكة، بمعنى أنه اتخذ الأسباب كلها كي ينفذ مخططه، ومع كل هذا فقد توقفت الأسباب وعجزت عن تمكينه، وبهذا اكتسب «عام الفيل» رمزية تاريخية ودينية كبيرة، فيقول تعالى فيه: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)، فالآية لا تتحدث عن سقوط القوة فقط، وإنما عن سقوط المشروع نفسه(4).

ثالثاً: موقف عبدالمطلب وقريش أمام أبرهة والجيش:

تذكر الروايات التي أوردها الطبري وغيره أن أبرهة استولى على إبل لعبدالمطلب، وكان من بينها 200 بعير، ثم طلب لقاءه، يقول د. راغب السرجاني: خرج ليفاوض أبرهة قبل أن يدخل إلى مكة، ولما رأى أبرهة عبدالمطلب أجلّه وأعظمه وأكرمه وأجلسه إلى جواره، ثم سأل أبرهة عبدالمطلب وقال له: ما حاجتك؟ فقال عبدالمطلب: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال عبدالمطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت رباً سيمنعه(5).

ويجب أن ننتبه هنا إلى أن عبدالمطلب لم يكن نبياً مرسلاً، فكلامه ليس تشريعاً يؤخذ منه قاعدة للتعامل في مثل تلك المواقف، وكذلك لم يكن يملك جيشاً يدافع به عن بيت الله وقد تصرف بقدرته ووفق الظروف المحيطة به وإمكاناته البشرية، وتذكر روايات السيرة أنه توجه بمفرده للكعبة للدعاء، ومن زاوية التأمل يمكن أن نرى في الحدث رسالة ربانية، فالله عز وجل يقول لهم: إن لهذا البيت رباً سيمنعه.

رابعاً: الذي ثبت عن يوم مولد النبي هو يوم الإثنين:

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الإثنين فقال: «ذلك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت» أو «أُنزل عليَّ فيه» (رواه مسلم)، فالحديث الصحيح يثبت بوضوح أن يوم مولده صلى الله عليه وسلم كان يوم الإثنين، وأما في تخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول فقد نصَّ عليه ابن إسحاق، وفيه رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس وجابر، وهو المشهور عند الجمهور(6).

خامساً: هل كان «عام الفيل» تمهيداً لمولد النبي؟

كان «عام الفيل»عام حماية الكعبة من جيش جاء لهدمها، وفي العام نفسه، على المشهور في كتب السيرة، ولد محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ومن مكة نفسها خرجت الرسالة الخالدة، ومن نفس البيت الذي أراد أبرهة هدمه تنطلق الرسالة، ومع ذلك لم يرد نص صريح يذكر أن مهلك جيش أبرهة كان تمهيداً لمولد النبي صلى الله عليه وسلم.

«عام الفيل» ليس صفحة هامشية في السيرة النبوية، إنه العام الذي حفظ القرآن ذكراه، فحفظ الله البيت من أبرهة، ثم أتى خاتم الأنبياء ليعيد الناس إلى رب البيت ورب العالمين.

الهوامش
  • 1 من تفسير سورة «الفيل» لابن كثير، ج8، ص483.
  • 2 المرجع السابق، ص484.
  • 3 البداية والنهاية، ج2، سبب قصد أبرهة بالفيل ليخرب الكعبة.
  • 4 ابن عاشور، سورة «الفيل» الآية (5)، التحرير والتنوير (بتصرف).
  • 5 من كتاب دروس د. راغب السرجاني تحت عنوان «لسنا في زمن أبرهة».
  • 6 البداية والنهاية (2/ 219)، ولطائف المعارف، ص122.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة