5 أسرار وراء نجاح الدبلوماسية الكويتية الناعمة
لا يستطيع أحد
أن ينكر أن دولة الكويت رسّخت هويةً فريدةً لا غنى عنها في خضمّ المشهد المضطرب
للشرق الأوسط، في عالم لا يهدأ حتى يضطرب مرة أخرى، فبينما تعتمد القوى الإقليمية
الكبرى غالبًا على القوة الصلبة والاستعراض العسكري، أتقنت الكويت فنّ «القوة
الناعمة»؛ وهو مصطلح صاغه جوزيف ناي لوصف القدرة على التأثير في الآخرين من خلال
الجذب والإقناع بدلًا من القوة والإكراه.
تستند العقيدة
الإستراتيجية الكويتية على 5 أركان رئيسة راسخة: الوساطة الواقعية الحكيمة، والعمل
الإنساني، والدبلوماسية الثقافية، والمبادرات التعليمية، والشراكات الدولية، ولا
شك أن هذه الأركان مجتمعة هي التي تجعل من الكويت قوة دبلوماسية مؤثرة، تعمل كصمام
أمان للمنطقة بأسرها.
1- وسيط حكيم موثوق.. الدبلوماسية كقيمة وطنية:
دور الكويت
كوسيط خبير محايد حكيم، هو أبرز ما يُميّز قوتها الناعمة، فعلى عكس العديد من
الدول، ترتكز السياسة الخارجية الكويتية على مبدأ الحياد الإيجابي الفعال، حيث تقف
موقفًا إيجابيا، يعمل على تقريب وجهات النظر، والبناء على المشتركات.
فقد بلغت وساطة
الكويت ذروتها التاريخية خلال أزمة الخليج 2017-2021م، فعندما فُرض حصار دبلوماسي
على قطر، انطلق الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، يرحمه الله -الذي
يُلقب غالبًا بعميد الدبلوماسية العربية- في جولة مكثفة من الجهود الدبلوماسية
المكوكية بين الرياض وأبوظبي والدوحة، وقد أرست هذه الجهود الدؤوبة في نهاية
المطاف الأساس لإعلان العلا عام 2021م.
فالكويت كما
تذكر دراسة لريسرش جيت، نشرت عام 2025م، تجمع إستراتيجية الوساطة الكويتية بين
ممارسات المصالحة العربية التقليدية والمبادئ الدبلوماسية الحديثة؛ ما يسمح لها
بتهدئة النزاعات حيث يكون التفاوض المباشر حساسًا سياسيًا.
وإلى جانب منطقة
الخليج، استضافت الكويت محادثات سلام لحل النزاع اليمني، وتوسطت بين لبنان
وجيرانها، مُثبتةً أن مكانتها كوسيط نزيه تُعدّ ركيزة أمنية حيوية للشرق الأوسط.
2- المركز الإنساني العالمي:
إذا كانت
الوساطة صوت الكويت، فإن العمل الإنساني هو جوهرها، ففي عام 2014م، اتخذت الأمم
المتحدة خطوة غير مسبوقة بتسمية الكويت «مركزًا إنسانيًا عالميًا»، والأمير الراحل
صباح الأحمد الجابر الصباح «قائدًا إنسانيًا».
وقد كان صندوق
الكويت للتنمية الاقتصادية العربية، الذي تأسس عام 1961م، أول وكالة تنمية في
العالم تُؤسسها دولة نامية، وقدّم الصندوق أكثر من 1000 قرض ميسر لأكثر من 100
دولة، ومن خلال فصل المساعدات عن الأجندات السياسية، تُرسّخ الكويت رصيدًا من
النوايا الحسنة الدولية التي تُشكل ضمانة أمنية.
3- بناء جسور الهوية من خلال الدبلوماسية الثقافية:
تعتبر الكويت دار
حكمة الخليج الحديثة ومنارتها الأدبية، فمن خلال المجلس الوطني للثقافة والفنون
والآداب، تُصدّر الكويت هويتها عبر المسرح والتلفزيون ومجلة «العربي» المرموقة،
التي تُعدّ ركيزة أساسية للحياة الفكرية العربية منذ عام 1958م.
وعبر تهيئة بيئة
حاضنة للفنون والآداب، تُرسّخ الكويت صورة الانفتاح والنضج الفكري، وتُشكّل
المهرجانات الثقافية ومركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي -أحد أكبر المجمعات
الثقافية في العالم- منصات يتفاعل فيها الزوار الدوليون مع التراث الكويتي؛ ما
يُعزّز الاحترام المتبادل الذي يتجاوز الخلافات السياسية.
4- المبادرات التعليمية والاستثمار في رأس المال البشري:
يعدّ التعليم
قوة ناعمة شديدة التأثير واستثمارًا طويل الأجل، وتُدرك الكويت أن التعليم أنجع
السبل لبناء علاقات راسخة مع المحيط العربي والإسلامي والعالمي؛ ولذلك تساهم المنح
الدراسية الكويتية للطلاب الدوليين وإنشاء كراسي بحثية في الجامعات الغربية (مثل
برنامج الكويت في معهد العلوم السياسية) في إنشاء شبكة عالمية من الخريجين الذين
يُدركون المصالح الكويتية ويدافعون عنها.
وعلى الصعيد
المحلي، تُولي «رؤية الكويت 2035» أولوية قصوى لرأس المال البشري، فمن خلال
استضافة مؤتمرات أكاديمية دولية، مثل مؤتمر النهج متعددة الثقافات لسياسة التعليم
2026م، ترسخ الكويت مكانتها كمركز فكري رائد في مجال التنمية.
ولا شك أن هذه
المبادرات تضمن أن ينظر الجيل القادم من القادة العالميين إلى الكويت ليس فقط
كمنتج للنفط، بل كمركز للمعرفة والتميز الأكاديمي.
5- الشراكات الدولية والتعددية:
الركيزة الخامسة
لقوة الكويت الناعمة التزام الدولة الراسخ والصارم بقواعد النظام الدولي، فمنذ
انضمامها إلى الأمم المتحدة عام 1963م، دأبت الكويت على دعم التعددية، مستفيدة من
عضويتها في المنظمات الدولية للدفاع عن الحقوق والحريات في إطار الأعراف والشرائع
المتفق عليها وأهمية القانون الدولي.
وتُعدّ شراكة
الكويت مع الأمم المتحدة نموذجًا ديناميكيًا للتعاون، فسواءً أكان ذلك من خلال
استضافة مؤتمرات المانحين لسورية أو قيادة جهود إعادة إعمار العراق (حيث حصدت
الكويت تعهدات مساعدات بقيمة 30 مليار دولار عام 2018م)، فإنها تستخدم شراكاتها
الدولية لحشد المجتمع الدولي نحو تحقيق الاستقرار.
فالكويت كما
يقول د. فايز النشوان، أستاذ العلاقات الدولية، ليست مجرد وسيط، بل تستثمر في
معايير ثقافية ودينية وهوية تلقى صدىً لدى جميع الأطراف، متجاوزةً بذلك حجمها
الجغرافي.
دولة عظيمة التأثير
إن القوة
الناعمة الكويتية ليست مجرد شعار دبلوماسي، بل هي إستراتيجية وجودية تضمن بقاء
الدولة وتأثيرها في محيط إقليمي مضطرب، فالكويت، عبر وساطتها الحكيمة، وعملها
الإنساني، ودبلوماسيتها الثقافية، واستثمارها في التعليم، وشراكاتها الدولية،
استطاعت أن ترسّخ لنفسها مكانة تتجاوز حدود الجغرافيا والموارد.
هذه الركائز
الخمس ليست أدوات مثالية فحسب، بل هي ضمانة عملية للأمن والاستقرار، إذ تمنح
الكويت احترامًا عالميًا يقيها من العزلة ويجعلها شريكًا لا غنى عنه في معادلة
السلام.
وفي عالم يزداد
انقسامًا، تظل الكويت شاهدة على أن غصن الزيتون يمكن أن يكون أقوى من السيف، وأن
بناء الجسور بين الشعوب هو السبيل الأنجع لحماية الهوية وصون المستقبل، هكذا، تبقى
الكويت مهندس الاستقرار، وصوت الحكمة، وركيزةً ثابتة في قلب الشرق الأوسط المضطرب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً