3 توجهات ناشئة في التمويل الإسلامي العالمي
لأن الله أعلم
بخلقه وبشؤونهم الدنيوية والأخروية، لا يزال شرعه المرجع الأخير والمنقذ للبشرية
في كل الأصعدة والمجالات؛ (أَلَا
يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
ولذلك، لم يعد
التمويل الإسلامي الحلال حكرا على الأسواق ذات الأغلبية المسلمة، بل أصبح سريع
النمو وإحدى أسرع ركائز التمويل الأخلاقي العالمي، وهناك توقعات بأن تتجاوز أصول
التمويل الإسلامي 3 تريليونات دولار أمريكي عالميا، ويجذب هذا القطاع اهتمام
المستثمرين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، الباحثين عن الاستقرار والبدائل
الأخلاقية.
وتسهم التكنولوجيا، ولا سيما التكنولوجيا المالية (Fin Tech)، في تسريع هذا التحول، ويؤدي التقاء الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية والخدمات المصرفية الرقمية إلى توسيع نطاق الشمول المالي، وإعادة تشكيل توقعات المستهلكين، وتقديم نموذج لاقتصاد عالمي أكثر مرونة.
التوجه الأول: صعود البنوك الرقمية الجديدة والمنصات الرقمية بالكامل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية:
البنوك
الإسلامية الرقمية بالكامل، التي يشار إليها غالبًا بالبنوك الجديدة، تستحوذ على
اهتمام «جيل الألفية» و«جيل Z» من المسلمين حول العالم، فمن مشهد
التكنولوجيا المالية الإسلامية المتنامي في المملكة المتحدة إلى المنصات في جنوب
شرق آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، تعيد هذه البنوك تعريف مفهوم سهولة الوصول
إلى الخدمات المالية، ولهذا أسبابه التي من بينها:
1- عدم وجود
فروع فعلية: فبفضل إلغاء تكاليف الفروع التقليدية، تستطيع البنوك الرقمية تقديم
أسعار فائدة تنافسية ورسوم أقل.
2- التزام صارم
بأحكام الشريعة الإسلامية: تلتزم هذه المنصات بمبادئ الشريعة الإسلامية مثل تحريم
الربا؛ ما يضمن تحقيق الأرباح من خلال معاملات أخلاقية مدعومة بأصول حقيقية.
3- انتشار
عالمي: تتيح المنصات المصممة خصيصًا للهواتف المحمولة لمجتمعات المغتربين الوصول
بسلاسة إلى الخدمات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية؛ ما يسد الفجوات بين القارات.
4- تحول جيلي
بارز: وهذا التوجه يعكس تحولا جيليا قويا حيث يتوقع المسلمون الشباب سهولة الوصول
إلى الخدمات الرقمية دون المساس بالقيم الدينية، وهذا ما توفره البنوك الرقمية.
التوجه الثاني: «التوكنة» والتكنولوجيا المالية الإسلامية:
«التوكنة»؛
وتعني تحويل أصل أو قيمة معينة إلى رمز رقمي، والتكنولوجيا المالية الإسلامية
(التمويل اللامركزي والعقود الذكية)؛ فقد أحدثت تقنية «البلوك تشين» وما زالت ثورة
في التمويل الإسلامي، حيث يجري تطبيق «التوكنة» -وهي عملية إصدار تمثيلات رقمية
للأصول- على الصكوك (السندات الإسلامية)؛ ما يجعلها أكثر سهولة وشفافية، ويعتمد
هذا التوجه على:
1- العقود
الذكية: يمكن للاتفاقيات الآلية المبرمجة على «البلوك تشين» تطبيق أحكام الشريعة
الإسلامية، مثل تقاسم الأرباح أو ضمان بقاء المعاملات مدعومة بأصول.
2- انخفاض
تكاليف الامتثال: فمن خلال دمج القواعد مباشرة في الشيفرة البرمجية تصبح عملية
التدقيق فورية وأقل تكلفة.
3- إمكانية
الوصول عالميًا: يمكن تداول الصكوك الرقمية عبر الحدود؛ ما يتيح الوصول إلى
التمويل الإسلامي للمستثمرين الذين واجهوا سابقًا عوائق حقيقية ومصطنعة.
ويضمن هذا
الابتكار أن يكون الامتثال ليس شفافًا فحسب، وإنما قابل للتوسع أيضًا؛ ما يسمح
للتمويل الإسلامي بمنافسة الأصول الرقمية السائدة مع الحفاظ على أسسه الأخلاقية.
التوجه الثالث: تقارب التمويل الإسلامي الحلال من الاستثمار البيئي والاجتماعي والحوكمة:
يدرك المستثمرون
العالميون بشكل متزايد أن التمويل المتوافق مع الشريعة الإسلامية يتماشى بطبيعته
مع مبادئ الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية للأسباب التالية:
1- الاستثناءات
المشتركة: يتجنب كلا الإطارين الممارسات والصناعات الضارة مثل القمار والكحول
والتبغ والأسلحة.
2- نماذج تقاسم الأخطار:
يركز التمويل الإسلامي على الشراكة والاستقرار المدعوم بالأصول؛ ما يقلل من
الأخطار النظامية مقارنة بالأنظمة المثقلة بالديون.
2- جاذبية
أخلاقية: يدخل المستثمرون غير المسلمين الباحثون عن محافظ استثمارية مستدامة
وأخلاقية إلى منظومة التمويل الإسلامي الحلال؛ ما يوسع نطاقها، ويؤدي هذا التقارب
إلى تضافر فعال حيث إن التمويل الإسلامي الحلال لا ينظر إليه فقط كنظام متوافق مع
الشريعة الإسلامية، بل أيضاً كخيار استثماري أخلاقي سائد.
فوائد ازدهار
الخدمات المصرفية الرقمية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية للاقتصاد العالمي
يقدم ازدهار
الخدمات المصرفية الرقمية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية فوائد ملموسة للاقتصاد
العالمي، منها:
1- الشمول
المالي: يتيح هذا النظام لملايين الأفراد غير المتعاملين مع البنوك، لا سيما في
أفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا، الوصول إلى الأنظمة المالية الرسمية عبر منصات
إسلامية مُصممة خصيصاً للهواتف الذكية.
2- الاستقرار:
تقلل نماذج الأصول المدعومة ونماذج تقاسم الأخطار من الاعتماد على الديون
المضاربة؛ ما يوفر أساسا اقتصاديا كليا أكثر مرونة.
3- النمو العابر
للحدود: تتيح المنصات الرقمية إجراء معاملات سلسة عبر المناطق؛ ما يعزز التجارة
والاستثمار بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والدول غير المسلمة.
ومن خلال دمج
الأخلاقيات في التمويل، تقدم الخدمات المصرفية الرقمية الإسلامية الحلال نموذجاً
للنمو المستدام في سوق عالمية تزداد تقلباً.
تبين الاتجاهات
الناشئة الثلاثة -البنوك الرقمية المتوافقة مع الشريعة، والتكنولوجيا المالية
الإسلامية القائمة على تقنية البلوك تشين، والتقارب مع الاستثمار المسؤول بيئياً
واجتماعياً وحوكمياً- كيف يتطور التمويل الإسلامي الحلال ليصبح قوة رئيسة.
وما كان ينظر
إليه سابقا كنظام مواز، أصبح الآن ركيزة أساسية في ثورة المصارف الأخلاقية
العالمية، ومع تسارع وتيرة الابتكار الرقمي، يتوقع أن يعيد التمويل الإسلامي
الحلال تشكيل ليس فقط الاقتصادات الإسلامية، بل أيضا المشهد الأوسع للتمويل
العالمي المسؤول.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً