10 مواضع للذكر في مناسك الحج

زحامٌ لا يهدأ، وحركةٌ لا تتوقف، تقف وراءها جهودٌ جبارة تُحمل صاحبها على الوقوف لدقائق تكاد لا تكفي لالتقاط الأنفاس، ثم يعاود السير مجددًا، فينتقل من منسك إلى آخر، يؤدي واجبًا دقيقًا لحياة جديدة، غير تلك التي عاشها في السابق.

وحتى حين يطبق الشفتين، فلا تظن أن هذا يعني صمته، بل هو في حالة ذكرٍ لا يتوقف، وإن لم تُسمع كلماتُه من حوله، تتحول كافة جوارحه إلى عبادة، تنبض بها روح المكان، فتمنحه الحياة وتعيد إليه سكينته، وهكذا، كان القرآن الكريم قد جعل الذكر محورًا لهذا الركن الجليل من أركان الإسلام، الذي لا تكتمل عبادته إلا به، يقول تعالى: (ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَام) (الحج: 28)، ويقول سبحانه: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (البقرة: 198).

ويؤكد على الذكر في نفس الآية كمقصد من مقاصد الفريضة: (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة: 198)، حتى في ختام المناسك، حين تحلق الأرواح فرحة بتمام الركن الخامس من أركان الإسلام، فينقضي الركن، لكن الذكر أبداً لا ينقضي.

1- التلبية ذكر:

عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»(1).

فمنذ اللحظة الأولى، لا يبدأ الحاج بالتحرك نحو المناسك، بالإذعان لنداء الحج الذي أطلقه نبي الله إبراهيم عليهم السلام منذ آلاف السنين تنفيذاً لأمر الله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج: 27)، فيأتي المسلمون معلنين تلبية النداء، ليس كشعار يردد في فرضة الحج، بل كإعلان انقياد دائم، وجواب متجدد، إنه ذكر يؤسس لبقية الرحلة، بل ولبقية الحياة

2- الإحرام.. ذكر صامت:

المسلم حين ينوي الإحرام لينتقل من حالة دنيوية، لعالم روحاني خالص، لا يتوقف الذكر عند قلبه، وإنما يمتد لجوارحه فتنشد استسلاماً لله وحباً وانقياداً، تمتلئ نفسه بذكر الله غير ناطق بحروف معروفة، فيغض طرفه، وينضبط سلوكه، وتهدأ نفسه، ويتلاشى الغضب الأسود من طباعه.

3- الطواف.. ذكر بالحركة:

يقول تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود) (البقرة: 125)، وظاهر الطواف أن الجسد يطوف حول البيت، لكن الحقيقة أن القلب يدور قبل الجسد ويسبقه، فيخال صاحبه أن روحه هي من تطوف، سبعة أشواط لا يعد أثرها على الإنسان بعدد الخطوات التي يسيرها، بل يقاس بعمق حضور القلب.

فمن حكم التقرب إلى الله بعبادة الطواف؛ إقامة ذكر الله تعالى؛ فما يقوم بقلب الطائف من تعظيم الله تعالى يجعله ذاكراً لله سبحانه، وتكون حركاته ومشيه واستلامه للحجر والركن اليماني، والإشارة إلى الحجر، يكون كل ذلك ذكراً لله تعالى؛ لأنها عبادات، وكل العبادات ذكر لله تعالى بالمعنى العام، فضلاً عما ينطق به بلسانه من التكبير والذكر والدعاء؛ فهو ذكر لله تعالى(2).

4- السعي.. ذكر الثقة:

وبين الصفا والمروة ننظر بأعيننا وقلوبنا لأم تهرول بقلب واثق بالله أنه لا يضيعها أبداً، هي لا تعلم كيف سينقذ وحيدها الرضيع من مرارة العطش وقلة الزاد وسط صحراء بغير بشر أو ما يقيم الحياة، هي تهرول لتتعبد لله عز وجل بثقتها فيه سبحانه، تبحث وهي لا تعلم عن أي شيء تبحث، إنها عبادة القلب مع الأخذ بالأسباب، هي مؤمنة، وتسعى، وتبحث، ليأتي في النهاية الفرج والرزق تحت قدمي الوليد، إنه ذكر اليقين، يردده القلب لا اللسان، والعقل لا الجوارح.

5- عرفة.. الذكر في ذروته:

ويمثل يوم عرفة يوم التجرد من الدنيا وما فيها، حيث لا شعائر معقدة يؤديها الحاج، هو فقط وقوف، ودعاء، واستسلام، وانكسار وتذلل لله عز وجل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له» (رواه الترمذي)، هنا الذكر مختلف، اعتراف بالذنب، وطمع في المغفرة وفيما عند الله، وأمل في الإجابة للنفس والأهل والأمة جميعها.

6- رمي الجمرات.. الذكر العملي:

الحجارة في الرمي ليست المقصودة لذاتها، إنها معنى يحمله القلب المؤمن، حين يحمل صاحبه حجراً يلقيه ناوياً به رجم الشيطان، ليعلن به رفضه القاطع لوسوسته، فضلاً عن اتباعه، ورفضاً للضعف الذي يجعله في لحظة ما من أتباعه، لحظة تحول الذكر إلى موقف عملي، لا مجرد حديث قلب أو لسان، هنا يتحول الرفض لعبادة وذكر من نوع خاص.

7- أيام التشريق.. الذكر الجماعي:

وأيام التشريق هي اليومُ الحاديَ عشَرَ، والثاني عشَرَ، والثالثَ عَشَرَ من ذي الحِجَّة، قال ابن عَبدِ البَرِّ: فأيَّام مِنًى ثلاثةٌ بإجماع، وهي أيَّام التَّشْريق، وهي الأيَّام المعدودات، فقِفْ على ذلك(3).

في هذا الأيام يحتل التكبير القلوب فلا تكاد تكف الألسنة عنه امتثالاً لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ) (البقرة: 203)، ليصير الذكر حالة جماعية، وصوت أمة واحداً، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل» (رواه مسلم).

8- الحلق.. ذكر بالتجرد لله:

إنها لحظة رمزية، تلك التي يتخلى فيها الحاج عن مظهره المعروف به، وعن جزء من ذاته، لحظة تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يتخلى، وأن يتجرد لله تماماً، وأن يعلن بداية جديدة في الكثير من محطات حياته، وذلك في حد ذاته ذكر لله، واستحضار له في قلبه.

9- ما بين المناسك:

وتتخلل المناسك أوقات بينية، لا ينبغي فيها أن يكف الحاج عن ذكر الله تعالى، في أوقات الانتظار، في المشي الطويل، في لحظات التعب الذي يجلس لالتماس بعض الراحة، هذه الأوقات تعد اختباراً حقيقياً: هل يبقى القلب حاضراً، أم سرعان ما يعود إلى غفلته؟ وهذا هو الفرق الجوهري بين من يؤدي الشعيرة، ومن يعيشها.

10- بعد انقضاء المناسك:

وحين تنتهي المناسك، يبدأ الاختبار الأصعب، حيث قياس الأثر، هل يستجيب استجابة كاملة فيستمر الذكر حتى بانتهاء المناسك؟ (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة: 200)، ليصير الحج في جوهره انتقالاً من عالم الذكر المتقطع إلى الذكر المستمر، فتصير حياة المسلم كلها ذكراً، ليصير الحج تدريباً مكثفاً لحياة لا يتوقف فيها ذكر رب العالمين.

الهوامش
  • 1 شرح النووي على مسلم، ج8، ص565.
  • 2 انظر: مجموع الفتاوى ورسائل العثيمين (2/ 318).
  • 3 التمهيد (21/ 233).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة