يا راحلين إلى منى بفؤادي.. قصيدة الإمام البرعي في الحنين إلى مكة
يا راحلين إلى منى بفؤادي
هيجتُمو يومَ الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
والعيس أطربني وصوت الحادي
حرمتمُ جفني المنام لبعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا
منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي
وتذكّروا عند الطواف متيماً
صبّاً فني بالشوق والإبعادِ
لي من ربا أطلال مكّة مرغبٌ
فعسى الإلهُ يجودُ لي بمرادي
ويلوحُ لي ما بين زمزم والصفا
عند المقام سمعت صوت منادي
ويقول لي يا نائماً
جدَّ السُرى
عرفاتُ تجلو كلّ قلبٍ صادي
تاللَه ما أحلى المبيت على منى
في يوم عيد أشرفِ الأعيادِ
الناسُ قد حجّوا وقد بلغوا المنى
وأنا حججتُ فما بلغتُ مرادي
حجوا وقد غفر الإلهُ ذنوبَهُم
باتوا بِمُزدَلَفَه بغيرِ تمادِ
ذبحوا ضحاياهُم وسال دماؤُها
وأنا المتَيَّمُ قد نحرتُ فؤادي
حلقوا رؤوسَهمو وقصّوا ظُفرَهُم
قَبِلَ المُهَيمنُ توبةَ الأسيادِ
لبسوا ثياب البيض منشور الرّضا
وأنا المتيم قد لبست سوادي
يا ربِّ أنت وصلتَهُم وقطَعتني
فبحقِّهِم يا ربّ حل قيادي
باللَه يا زوّارَ قبرِ محمّدٍ
من كان منكُم رائحٌ أو غادِ
لِتُبلغوا المُختارَ ألفَ تحيّةٍ
من عاشقٍ متقطِّع الأكبادِ
قولوا له عبدُ الرحيم متيِّمٌ
ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
صلّى عليكَ اللَهُ يا علمَ الهدى
ما سارَ ركبٌ أو ترنَّمَ حادِ
بيان وفوائد:
قصيدة الإمام عبد الرحيم البرعي تنتمي إلى ذلك اللون الشعري الذي يمتزج فيه الشوق الديني بالوجدان الإنساني، فتبدو رحلة الحج فيها أكثر من مجرد انتقال إلى الأماكن المقدسة؛ إنها رحلة روح تتطلع إلى القرب من الله ورسوله، وتبحث عن اكتمال معنى المحبة والوصال.
منذ المطلع يضعنا الشاعر أمام مشهد الرحيل. فالقوافل تغادر، والإبل تسير، وصوت الحادي يملأ الفضاء، لكن ما يلفت النظر أن الشاعر لا يصف الرحلة نفسها بقدر ما يصف أثرها في قلبه. فالمغادرون يحملون معهم جزءاً من روحه، ولذلك يقول إنهم هيّجوا فؤاده وأذهبوا النوم عن عينيه. هنا يتحول الحج من حدث خارجي إلى تجربة شعورية داخلية، ويصبح الفراق هو البوابة الأولى إلى التأمل الروحي.
ويتميز النص بقدرته على تحويل الأماكن المقدسة إلى رموز حية نابضة بالمعنى. فمكة ليست مجرد مدينة، وزمزم ليست مجرد بئر، والصفا والمقام وعرفات ومنى ومزدلفة ليست محطات في مناسك الحج فقط، وإنما فضاءات تتجلى فيها أشواق القلب. لذلك نراه يتخيل نفسه بين زمزم والصفا، ويسمع نداءً روحياً يوقظه من غفلته ويحثه على المسير. وكأن الحج هنا دعوة دائمة إلى اليقظة الداخلية قبل أن يكون انتقالاً جسدياً إلى مكان بعينه.
أحد أجمل عناصر القصيدة هو المفارقة التي يبني عليها الشاعر القسم الأكبر من النص. فالحجاج بلغوا مرادهم، أما هو فلم يبلغ مراده. والحجاج غُفرت ذنوبهم، أما هو فما يزال أسير شوقه. والحجاج ذبحوا ضحاياهم، أما هو فقد ذبح قلبه. والحجاج لبسوا البياض رمز الرضا والطهارة، في حين أنه لبس سواد الحزن والحنين.
هذه المقابلات المتتابعة تمنح القصيدة قوة عاطفية كبيرة؛ لأنها تنقل القارئ من ظاهر الشعائر إلى باطنها. فالشاعر لا يحسد الحجاج على أفعالهم، بل يعبّر عن شعوره بأن المقصود الأعظم من كل تلك الأعمال ما زال بعيد المنال بالنسبة إليه.
وفي هذا السياق تظهر النزعة الصوفية بوضوح. فـ"المراد" الذي يرد في القصيدة أكثر من مرة لا يبدو مقصوراً على أداء الحج نفسه، بل يتجاوز ذلك إلى معنى أعمق هو الوصول إلى حالة من القرب والمحبة والرضا؛ ولهذا تبدو القصيدة وكأنها حديث عاشق لا حديث مسافر. فكل المناسك تتحول إلى إشارات رمزية لحركة القلب نحو محبوبه.
وتبلغ العاطفة ذروتها في المقطع الأخير عندما يخاطب زوار قبر النبي محمد طالباً منهم أن يبلغوه تحياته. هنا ينتقل النص من الشوق إلى الأماكن المقدسة إلى الشوق إلى صاحب الرسالة نفسه. وهذا الانتقال طبيعي في البناء الروحي للقصيدة؛ فمحبة المكان تنبع من محبة من ارتبط به، والحج في الوجدان الصوفي لا يكتمل إلا بزيارة الحبيب الأعظم والتعلق بسيرته ونوره.
ومن الناحية الفنية، تعتمد القصيدة على لغة سهلة قريبة من الذائقة العامة، لكنها مشحونة بصور وجدانية مؤثرة. فالشاعر لا يلجأ إلى التعقيد البلاغي أو الغموض، بل يراهن على صدق الشعور وتكرار المفردات المرتبطة بالشوق والرحيل والوصال. ولذلك ظلت هذه القصيدة حاضرة في الذاكرة الشعبية والإنشادية؛ لأنها تخاطب تجربة إنسانية يعرفها الجميع: تجربة الحنين إلى ما نحب، والشعور بأن المسافة بيننا وبين غاياتنا الروحية ما تزال أطول مما نتمنى.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً