هدايات في سورة «الحجرات» (3)

القرآن.. وإصلاح العلاقات الإنسانية

رقية محمد

16 يوليو 2026

98

القرآن.. وإصلاح العلاقات الإنسانية

تناول المقال السابق جانباً من هدايات الآية الثانية من سورة «الحجرات»، وما اشتملت عليه من أدب رفيع مع النبي صلى الله عليه وسلم، غير أن المتأمل في هذه الآية يجد أنها لا تقتصر على تقرير أدب خاص بشخص النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما تؤسس جملة من القواعد الاجتماعية والتربوية التي تمتد آثارها إلى مختلف مجالات الحياة، ومن أعظمها إصلاح العلاقات الإنسانية.

أولاً: الهدايات الاجتماعية:

1- حفظ المقامات:

رغم أن الخطاب في الآية كان موجهاً إلى المؤمنين لضبط علاقتهم وتعاملهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تُعد أصلاً عظيماً في بناء العلاقات الإنسانية، لما اشتملت عليه من أسس بناء العلاقات المتمثل في أهمية ترتيب المقامات في العلاقات، فالمقامات تختلف، وكذلك الحقوق التابعة لها، وفقه النفوس لهذا الترتيب هو مدار صلاح أي علاقة واستقرارها، فمن راعى المقام وأعطى كل ذي حق حقه، استقامت علاقاته، ومن ساوى بين المقامات أو تجاوز حدوده، فسدت علاقاته واضطربت، ومن أمثلة تطبيقات هذا الأصل:

أ- مقام الزوج: الزوج له القوامة على الأسرة؛ (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) (النساء: 34)، وهذه القوامة تستوجب من الزوجة أدباً في الخطاب، وخفضاً للصوت، وإجلالاً للزوج، فلا ترفع صوتها عليه، ولا تجاهر بالاعتراض عليه في الملأ، لأن ذلك يُقلل من هيبته، ويُشعره بالإهانة، وإن كان لديها اعتراض فلتقله بِهدوءٍ وبإذنه، مستشعرة أنها تحت قوامته وأنها ليست نداً له؛ ما يزيد من سكينة الأسرة وترابطها.

ب- مقام الوالدين: من أعظم المقامات التي أمر الشرع بتعظيمها مقام الوالدين؛ (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً {23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الإسراء: 24)؛ والنهي عن أدنى مراتب الأذى لهما يدل على ما هو أعظم من ذلك من حفظ مقامهما.

جـ- مقام العلماء: تؤصل هذه الآية لآداب الطالب مع معلمه، فكما خُفضت الأصوات بحضرة النبي المعلم صلى الله عليه وسلم، فكذلك على طالب العلم أن يخفض صوته أمام شيخه، ويحسن الاستماع، ولا يبادر بالجواب دون إذنه، ولا يجادله بغير أدب، بل يناقشه بالتي هي أحسن، وهذا الأدب لا يكون إلا مع العالم التقي، صاحب الدين والخلق والعلم.

ويلاحظ أن الجامع بين هذه الأمثلة جميعاً ليس مجرد خفض الصوت، وإنما تعظيم الرتب التي جعلها الله لأصحاب المقامات المختلفة.

2- الاعوجاج الظاهر دلالة على خلل في الجوهر:

تُبين الآية أن التهاون في الأفعال الظاهرية -كرفع الصوت والجهر بالقول- ليس مجرد هفوة عابرة، بل دلالة على خلل أعمق، فكما أن رفع الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم أوجب تأديب النفوس، فكذلك في العلاقات الإنسانية، فالزوجة التي ترفع صوتها على زوجها، أو الولد الذي يجهر بالقول لوالده، يكشف عن خلل في أساس العلاقة، فمن رأى من نفسه تهاوناً في أدب الظاهر، فليبحث عن الخلل في الباطن، فالتربية القرآنية لا تقف عند حدود تعديل السلوك، وإنما تنفذ لمرض القلب الذي أصدره.

3- الغفلة قد تهدم العلاقات:

ففي قول الله تعالى: (وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) درس عظيم في أهمية مراقبة النفس ومحاسبتها، فالإنسان قد يخطئ في أدبه مع صاحب المقام، وتنهار علاقته به وهو لا يشعر! فالزوجة التي ترفع صوتها على زوجها، أو الطالب المسيء الأدب مع معلمه، قد يظن كل منهما أنها أمور صغيرة، وربما تحجج بصحة رأيه أو تعلل بالمحبة، دون أن يدري أنه يهدم العلاقة من أساسها، فتكرار تلك الصغائر يُفقد الإنسان مكانته عند الناس دون أن يشعر، وقد لا يكتشفه إلا بعد فوات الأوان.

وهكذا يتبين أن الآية الكريمة تضع منهجاً متكاملاً لاستقرار العلاقات، يقوم على إدراك المقامات، ومراقبة النفس وضبطها على حدودها، وتزكيتها المستمرة، فهذا ما يخلق مجتمعاً متماسكاً على جميع مستوياته الاجتماعية.

ثانياً: الهدايات التربوية في الآية:

لقد اشتملت هذه الآية على أساليب تربوية دقيقة، تهذب النفس وتُعدل السلوك بطرق متنوعة، تجمع بين الترغيب والترهيب، والتشجيع والتحذير، والتدرج في التربية، ومن أبرز هذه الأساليب:

1- العقيدة منبع الخلق: فلم تكتفِ الآية بتحسين السلوك، بل ربطته بالعقيدة، وهذا إرشاد للمربي لأهمية ربط أساس السلوك الظاهر لمن يربيه بباطنه، فيمنحه وتدًا ثابتًا للخلق لا يتغير أو يتذبذب تبعًا للأهواء والظروف.

2- الترهيب بالعواقب: وهو من أعظم أساليب التربية أثراً، لأن النفس قد تستهين ببعض الأفعال إذا لم تر مدى امتداد أثرها، فإذا بُينت لها النتائج البعيدة، ازداد حذرها، واستشعرت خطورة المخالفة؛ لذا فالمربي الناجح لا يكتفي بالعقاب المباشر كوسيلة ردع، بل يُري من يربيه العواقب البعيدة لأفعاله، ويُشعره بأن الخطأ قد يُفقده جهده كله، فيكون بذلك قد زرع في نفسه دافعاً ذاتيًا قويًا للتغيير.

3- وضع حدود واضحة وثابتة: فقد جاءت الآية بوضوح شديد في التوجيه وبيان المطلوب والمفروض، وهذا الوضوح أحد أهم الأساليب التربوية، لأن المُربَّى يحتاج إلى قواعد ثابتة واضحة يعرف من خلالها ما ينبغي فعله وما يجب تركه، أما التربية التي تقوم على التردد في الحدود يضعف أثرها في النفس وتسبب الارتباك والحيرة.

4- أسلوب النصح والتوجيه: النداء في مطلع الآية وإيجازها أكد أهمية الإيجاز وعدم الإطالة في النصح، وكذلك استخدام أجمل أسماء النداء -وهو اسم الإيمان- مما يُشعره بالقرب والمحبة، فيجعل النفس أقرب لقبول النصيحة والتوجيه.

5- التدرج في مقامات التربية: فقد بدأت الآية بالنهي عن رفع الصوت، ثم النهي عن الجهر بالقول، ثم ختمت بالتحذير من حبوط العمل، وهو تدرج من السلوك الخارجي إلى أثره الداخلي؛ لذا، يجب على المربي أن يتدرج في تربيته من الأمور الظاهرة إلى الباطنة، ومن السهل إلى الصعب، ومن السلوك إلى أثره.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة