لمواجهة التحديات العالمية والإقليمية..
نحو بناء حلف عربي إسلامي لدول الشرق الأوسط
الشرق الأوسط
العربي الإسلامي فضاءٌ حضاري فريد، تلتقي فيه العروبة والإسلام على جغرافيا تشكّل
قلب العالم وملتقى قاراته، مما يجعله محوراً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه في الحاضر
وخطط المستقبل، غير أن هذا الفضاء يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة: حدود تحتضن
توترات معلّقة، وموارد تنتظر قراراً مؤجلاً، والمخرج لا يكون إلا بمسار تصاعدي، من
التشتت نحو التحالف فالاتحاد فالحلف الاستراتيجي. حلفٌ يشترط ثلاثة أركان: دفاع
متبادل ملزم قانونياً، وتعريف موحّد للتهديد المشترك، وقيادة شرعية هرمية تقوم على
وحدة المصير، ويطرح سؤلا لا مفر منه: هل تبقى هذه الجغرافيا ساحةً تتقاطع عليها
إرادات الآخرين، أم تتحول إلى فاعل يصنع توازنه من داخله؟
الشرق الأوسط لا
يفتقر إلى المواثيق ولا المؤسسات ولا الموارد ولا التاريخ، يفتقر فقط إلى الإرادة
التي تحوّل هذه العناصر المتناثرة إلى قوة متماسكة تخدم شعوبها وتحمي مستقبلها.
لذا نطرح،
استكمالاً لما سبق أن سطّرناه في مقال "إمّا نهضة إنسانية شاملة، أو حرب
عالمية ثالثة"، مقاربةً لإعادة تعريف الفعل الإقليمي، عبر دراسة تحوّلات
المنطقة أمام التأثير الخارجي، وقد فرض هذا التحوّل على دول المنطقة إعادة صياغة
علاقاتها البينية، بحيث تنتقل من علاقات موازنة هشّة إلى علاقات اعتمادٍ متبادلٍ
محسوب، وفق نظم الحوكمة المرتبطة بسيادتها، بما يجعل التفكك خياراً خاسراً لا
واقعاً قائماً.
استدلال.. الفكرة الحاكمة والأساس القانوني المؤسسي
جوهر المشروع، حلف
لا يقوم على القفز إلى الدفاع الشامل أو الدفاع المشترك فقط، ولا على استنساخ
نماذج لا تشبه طبيعة الإقليم، بل على بناء منظومة تضع الأسس الاستراتيجية متعدد
الطبقات والمسارات: نواة عربية عالية الجاهزية، مظلة عربية أوسع، وشراكات عربية
مسلمه، طبقية في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والطاقة، والأمن، والغذاء، والدواء،
والمدفوعات، قوامه الحوكمة الحاكمة للقطاعات المشتركة، وتفعيل المرجعية القانونية
لأساس قانوني قائم لا مستحدث؛ فميثاق جامعة الدول العربية يتيح للدول الراغبة
اتفاقات أوثق من الحد الأدنى الميثاقي، وميثاق منظمة التعاون الإسلامي يفتح المجال
للتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني وصولًا إلى سوق إسلامية مشتركة، بينما يمنح
الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة سندًا عامًا للترتيبات الإقليمية المتوافقة
مع السلم والأمن الدوليين، ونرى في جوهر المسارات لا غياب للشرعية، بل فجوة
تنفيذية، فهناك مجلس التعاون الخليجي، والبنك الإسلامي للتنمية، وصندوق النقد
العربي، ومعهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية، وتجارب الربط الكهربائي
الخليجي والعربي.. غير أن هذه الأدوات لا تزال تعمل غالبًا كجزر متقاربة لا كبنية
واحدة منتجة للأثر، وهو ما يتطلب تفعيل الشرعية والتخطيط البنيوي المؤسساتي
التشاركي.
استدراك.. النموذج التأسيسي والنواة الإقليمية
ينبثق النموذج
التأسيسي من نواة إقليمية متكاملة، تضمّ دول مجلس التعاون الخليجي ودول الشرق
الأوسط العربي المسلم، ولا تقوم على التقارب الجغرافي وحده، بل على تقاطع أربعة
متغيرات بنيوية نادرًا ما تجتمع في كتلة إقليمية واحدة: رأس المال السيادي،
والطاقة الهيدروكربونية والمتجددة، والعمق البشري الكثيف، والموقع الجيوفيزيائي
حيث تقاطع الممرات الكونية، والأسواق الواسعة والممرات البحرية الحيوية، فضلًا عن
الامتداد الجيوسياسي المتشعّب عبر المشرق والخليج وأفريقيا؛ ولا تُمثّل هذه النواة
إطارًا مغلقًا للعضوية، بل منصةً تأسيسية منفتحة على التوسع التدريجي المشروط
بالجاهزية والالتزام وتحقيق النتائج القابلة للقياس، في مرتكزات النموذج الخمس،
والتي تشكل في مجموعها بنية تكاملية شاملة.
النموذج البنيوي
المتكامل للحلف يرتكز على 5 قطاعات وظيفية مترابطة ومتشابكة، تشكّل في مجموعها
بنية تكاملية شاملة:
1- الطبقة
التكنومعرفية: سيادة العقل قبل سيادة الأرض، ويشمل منظومة التعليم والبيانات
والمعلومات والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي والهوية اللغوية المشتركة، وكذلك
الاقتصاد الرقمي، من يملك البيانات ويُنتج المعرفة ويُدرّب النماذج الذكية يملك
القدرة على تشكيل القرار الاقتصادي والسياسي والأمني، وتضم:
البيانات
السيادية الإقليمية: بناء بنية تحتية للبيانات تخضع لولاية قانونية مشتركة بعيدًا
عن خوادم أمريكا والصين، مع بروتوكولات حوكمة بيانات تحافظ على السيادة الوطنية
داخل الإطار الجماعي.
الذكاء
الاصطناعي بهوية لغوية: ليس تعريب واجهات التطبيقات الغربية، بل بناء نماذج لغوية
كبرى مدرَّبة على المدوّنة العربية بكثافتها وتنوعها، وإنتاج معرفة علمية وتقنية
بالعربية لا ترجمتها فحسب.
منظومة بحث
وتطوير مشتركة: شبكة جامعات بحثية مترابطة بتمويل سيادي، مع آليات حماية الملكية
الفكرية الإقليمية التي تمنع استنزاف الكفاءات نحو الخارج.
التعليم كبنية
تحتية استراتيجية: توحيد معايير التعليم التقني والمهني بما يُتيح تنقل الكفاءات
داخل النواة، وبناء "سوق كفاءات" إقليمي حقيقي.
2- الطبقة
التكنواقتصادية: ويغطي التجارة البينية، والمدفوعات الرقمية، والرسوم، المعابر
البرية والبحرية والجوية "العبور والمرور والترانزيت والتحميل والتنزيل
والصيانة والمبيت "، والجمارك، وسلاسل الإمداد والتوريد والتصنيع والتخزين
المشترك السوق الموحّدة كسلاح تفاوضي، لا تملك أي دولة من دول النواة منفردةً
القوة التفاوضية الكافية في مواجهة الكتل الاقتصادية الكبرى (الاتحاد الأوروبي،
الصين، الولايات المتحدة)، لكن كتلة اقتصادية تجمع أكثر من 500 مليون نسمة مع ناتج
محلي إجمالي مجمّع يتجاوز 4 تريليون دولار تُشكّل ثقلًا مختلفًا جوهريًا. هذه
الطبقة تعمل على، نظام مدفوعات إقليمي مستقل، تسهيل جمركي ذكي، سلاسل إمداد وتوريد
بديلة ومرنة، بعد أن كشفت جائحة كوفيد وأزمات الشحن العالمية هشاشة الاعتماد على
سلاسل إمداد وحيدة المصدر، تبني هذه الطبقة بدائل إقليمية في الغذاء والدواء والمكوّنات
الصناعية الأساسية، صناعة مشتركة بتخصص وظيفي: لا تتنافس الدول على نفس الصناعات،
بل تتخصص وفق ميزتها النسبية الحقيقية ضمن سلسلة قيمة إقليمية متكاملة.
3- الطبقة
التكنوبيولوجية: ويعنى بمنظومة الأمن الصحي والغذائي والدوائي والمائي والبيئي
باعتبارها ركائز للسيادة الحيوية.
4- الطبقة
التكنوجيوفضائية: ويحمي المعابر والمنافذ والموانئ والممرات، والمضائق والقنوات
البحرية، والأقمار الصناعية ومنظومات الرصد الاستراتيجية.
5- الطبقة
التكنو أمن عسكرية: وتتمحور حول حفظ النظام، وتطبيق القانون، والردع الاستراتيجي
والتشغيل البيني والأمن السيبراني، والاستخبارات، والمناورات والتدريب المشترك،
والتصنيع الدفاعي.
وبهذا النموذج
الخماسي، يكون الاستثمار لهندسة تكاملية لسد الفجوة البنيوية، وإدارة تحوّل
الإقليم، من فضاء جغرافي يتقاسم المخاطر إلى بنيان استراتيجي راسخ يتقاسم القدرات
والمنافع ويُنتج القوة، والتطوير، ولضمان أمن وسلامة وتأمين الطبقات البنيوية
لهكذا نموذج، يتوجب على دول الخليج والشرق الأوسط، الاستفادة من كل كفاءات الأمة
وعلمائها حتى الذين تم تقييد حرياتهم، للمشاركة الجماعية المجتمعية البناءة.
استقراء.. قوة البناء التكاملي التشاركي الوظيفي الشامل
الخطأ الشائع في
النماذج الإقليمية أنها تُصنّف القطاعات دون أن تبني بينها علاقات سببية
وتشغيلية.. هذا النموذج يقوم على مبدأ مختلف: الطبقات ليست مجالات مستقلة، بل نظام
تحريك متكامل، كل طبقة تُغذّي ما يعلوها وتحمي ما يقع تحتها.
استنتاج.. منطق التحالف الوظيفي تكاملًا لا تفاضلًا
يبدأ المشروع من
المفاصل التي تصنع اعتمادًا متبادلًا دون استفزاز الحساسية السيادية: المدفوعات،
الجمارك، سلاسل الإمداد والتوريد، الأمن البحري، الربط الكهربائي، الأمن
السيبراني، البحث التطبيقي، والاعتراف المتبادل بالمواصفات.. هذه الملفات لا تُحدث
ضجيجًا سياسيًا كبيرًا، لكنها تصنع مصالح مترابطة تجعل الانسحاب مكلفًا، وتجعل
التقدم أكثر طبيعية من التراجع.
هذا المشروع ليس
دعوة إلى حلف يولد من الخوف، بل إلى بنيان قادر على البناء والنمو والاستدامة،
قوامة الشعوب، يحرسه القانون، تموله المشاريع، تقيسه المؤشرات، وتوسعه النتائج، ثم
ينمو ويستدام بالتقييم والتقويم، مستقبل الشرق لا تكون حمايته بالتمني، ولا
بالولاية والوصاية ولا بالتبعية، بل بشبكات بناء وبقاء مشتركة: علم، وغذاء، دواء،
وطاقة، ومال، ومعرفة، ومعابر وموانئ وممرات، وأمن.. ومنطلقات النجاح تكمن في تحويل
المواثيق إلى مشاريع وخطط وتنفيذ، ومؤسساته إلى قدرة، وجغرافيته إلى مجال منظم،
حلف لن يطلب مكانه في العالم؛ بل سيصنعه.
استفهام.. أسئلة مفتوحة وحدود
تبقى أربع قضايا
ينبغي حسمها سياسيًا قبل الإطلاق: من هي العضوية المؤسسة الدقيقة؛ هل يكون المقعد
المؤسسي موزعًا أم في عاصمة واحدة؟ ومتى وكيف يُناقش بند المساعدة الدفاعية؟ وكيف
تُبنى العلاقة مع القوى الإقليمية غير المنضوية في النواة التأسيسية بحيث لا يتحول
الحلف إلى مشروع استقطاب دائم؟ وهل تبقى جامعة الدول العربية، أم يتم تطويرها على
غرار تطوير وزارة الدفاع إلى الحرب؟ تكون جامعة الدولة العربية، جامعة الشعوب
العربية، فالأيام دول.. والقرار للشعوب!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً