من عبث بمفاهيمنا؟ من ثقافة الواجب إلى الاستحقاق في العلاقة بين الآباء والأبناء

شاب يجلس على جذع ووالدين يعتنيان بالجذور

ثمة تحولات لا تدخل المجتمعات بضجيج، ولا تحتاج إلى قرار رسمي حتى تبدأ، تدخل بهدوء: في جملة تتكرر، ومشهد من مسلسل، وإعلان، وطريقة جديدة في التربية، ومفردة تتسلل إلى اللغة، وشاشة صغيرة يحملها الطفل في جيبه، ثم تمضي السنوات، فإذا بأشياء كانت تُعد من البديهيات الأخلاقية قد أصبحت موضع نقاش، وإذا بالمفاهيم التي كانت تضبط علاقة الإنسان بأسرته قد تبدلت من حيث لا نشعر.

ولعل العلاقة بين الآباء والأبناء واحدة من أوضح ساحات هذا التحول، فالمسألة ليست أن جيلًا كان صالحًا وجيلًا أصبح فاسدًا، ولا أن الماضي كان مثاليًا والحاضر كله انحدارًا؛ فهذه قراءة تختزل ظاهرة مركبة، المسألة أعمق؛ فقد تغيرت المرجعيات التي نستمد منها تصورنا للحق والواجب، وتغير معها موقع الفرد داخل الأسرة ومعنى العطاء نفسه

ماذا عليّ؟

نشأت أجيال طويلة في مجتمعاتنا على معنى يكاد يكون من المسلمات؛ مهما أحسن الإنسان إلى والديه، فإنه لا يكاد يوفيهما حقهما، ولم يكن هذا مجرد توجيه منزلي؛ بل جزءًا من منظومة تشارك في صياغتها العقيدة والأسرة والمجتمع والذاكرة الجمعية.

يقول تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء: 23)، ثم ينقل الإحسان إلى أدق تفاصيل السلوك: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء: 23)، وكان الناس يسمعون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولدٌ والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» (رواه مسلم).

وتجسد قصة أصحاب الغار هذا المعنى بوضوح، فقد كان أحد الرجال الثلاثة يقدّم أبويه الكبيرين على أهله في السقيا، فلما عاد ليلة فوجدهما نائمين بقي ينتظر استيقاظهما حتى الفجر، وصبيته عند قدميه يتضاغون، ثم توسل إلى الله بهذا العمل فانفرجت الصخرة، دلالة القصة أن العلاقة بالوالدين ليست عقد خدمات متبادلة، بل رابطة يدخل فيها الوفاء والفضل والامتنان.

الحنين إلى الماضي قد يكون مضللًا إذا حجب عيوبه، لم تكن الأسر القديمة كلها رحيمة، ولا الآباء جميعًا حكماء، عرف الماضي القسوة والاستبداد الأسري وإلغاء شخصية الأبناء، كما عرف العقوق والجفاء، وفي المقابل، حقق الوعي الحديث مكاسب مهمة؛ الاعتراف بكرامة الطفل، ورفض العنف والإهانة، والانتباه إلى صحته النفسية، وإعطاؤه مساحة للحوار والاختيار.

إذن ليست المشكلة في معرفة الأبناء حقوقهم، ولا في الاستقلال عن الأسرة، المشكلة تبدأ حين نُحسن تعليم الإنسان ما يستحقه من الآخرين، ونفشل في تعليمه بالقدر نفسه ما يستحقه الآخرون منه.

من الحق إلى الاستحقاق

تأمل المسافة بين عبارتين: «مهما فعلت لأبي وأمي لن أوفيهما حقهما»، و«مهما فعل أبي وأمي من أجلي فهذا واجبهما»، في الأولى يقف الإنسان أمام العطاء شاعرًا بالامتنان؛ وفي الثانية يقف أمامه حاملًا دفتر حساب.

نعم، للأبناء على آبائهم واجبات حقيقية لا يجوز تحويلها إلى مِنّة، لكن ثمة فارقًا بين الاعتراف بالحق وبين إلغاء قيمة العطاء بحجة أنه واجب، حين يصبح كل ما قُدّم أمرًا مفروغًا منه، بينما يصبح كل ما لم يُقدّم دليلًا على التقصير، يغدو العطاء غير مرئي، ويصبح النقص وحده مرئيًا.

وزاد الأمر تعقيدًا اختلاط الحاجة بالرغبة، للطفل حق في الطعام والرعاية والأمان والتعليم والكرامة والحب، لكن ليس كل ما يرغب فيه حقًا، الهاتف الأغلى ليس حقًا، والسفر ليس حقًا، ومجاراة أصدقاء أكثر ثراء ليست حقًا، غير أن السوق الاستهلاكية تُبقي الإنسان في شعور دائم بالنقص؛ هناك دائمًا هاتف أحدث، وبيت أكبر، وعطلة أجمل، وصورة أخرى للحياة يقال له إنها ما ينبغي أن يعيشه.

ومع التكرار تتحول الرفاهية إلى عادة، ثم إلى حاجة نفسية، ثم تتسلل إلى قاموس «الحقوق»، وهنا لا يقارن الابن هاتفه بهاتف صديقه فقط؛ بل قد يقارن أباه بأبي صديقه، وتنتقل المقارنة من الأشياء إلى الأشخاص.

الآباء صدّقوا المعادلة أيضًا

لم يتأثر الأبناء وحدهم، فقد يعيد هذا المنطق تشكيل نظرة الأب والأم إلى نفسيهما، يصبح الأب مقتنعًا بأنه فشل إذا لم يستطع مجاراة ما يراه حوله، مع أن التصور الديني للتكليف المالي مرتبط بالقدرة: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) (الطلاق: 7)، لكن الضغط الاجتماعي يهمس بمعيار مختلف؛ لا تعطِ بحسب قدرتك، بل بحسب ما يقدمه الآخرون.

وهكذا قد يعمل الأب فوق طاقته، ويستدين ويؤجل حاجاته، لا لتوفير الضرورات فحسب، وإنما حتى لا يشعر أبناؤه بأنهم «أقل من غيرهم»؛ ثم يعود إلى بيته منهكًا ويشعر أنه مقصر، والأم داخل الدائرة نفسها، قد تقوم بعمل البيت وتتابع أبناءها وتسهر وتحتوي، ثم تواجه جفاءً أو قلة احترام، فتسأل نفسها أولًا: أين أخطأت؟ وهنا تختلط مفاهيم متباينة: فهم مشاعر الابن بإعفائه من المسؤولية، واحترام شخصيته بالسماح له بتجاوز الحدود، والحب بتحمل الإهانة، المطلوب ليس العودة إلى القمع، بل استعادة قاعدة بسيطة: للطفل كرامة، ولأبيه وأمه كرامة أيضًا؛ وله حقوق، وعليه واجبات تناسب عمره.

من يربي أبناءنا اليوم؟

لم تعد الأسرة تحتكر تشكيل القيم، الطفل يتعلم من والديه ومدرسته، لكنه يتعلم أيضًا من المسلسل والإعلان والمؤثر والمنصة الرقمية، بل من خوارزمية تشارك في تشكيل ما يحبه وما يحتقره، وما يراه نجاحًا أو فشلًا.

لهذا، فالمسألة أكبر من «محتوى سيئ»؛ إنها سؤال عن الجهة التي تملك سلطة تعريف العالم للطفل: من يقول له ما الحياة الجيدة؟ وما الذي يستحقه؟ وما صورة الأب الناجح والأم الجيدة؟

وقد يبدو الجواب السهل: «الغرب فعل ذلك»، لكن الغرب ليس كتلة واحدة، ومجتمعاتنا لم تكن خالية من العقوق أو الأنانية، كما أن الفردانية الحديثة جاءت بمكاسب معتبرة في الحرية الشخصية ورفض القهر، الأدق أننا أمام انتقال تدريجي في مركز إنتاج القيم: من الأسرة والدين والمجتمع المحلي إلى فضاء تشارك فيه السوق والإعلام والمنصات وثقافة الاستهلاك والمقارنة، كما أن هذه المؤثرات تختلط بأوضاعنا المحلية فننتج منها نسختنا الخاصة.

نحن الآباء شركاء أيضًا

ليس منصفًا تحميل الإعلام والسوق والهواتف مسؤولية كل شيء؛ فنحن الآباء شاركنا أحيانًا في صنع المشكلة، كثير منا أراد أن يعوض أبناءه عن حرمان عاشه: لن أجعل ابني يعاني كما عانيت، وسأوفر له ما لم أملكه، وهي مشاعر نبيلة في أصلها، لكنها قد تنقلب حين تصبح مهمة الوالد إزالة كل نقص وكل عائق وكل إحباط من حياة الابن.

أردنا ألا يُحرموا، فنسينا أحيانًا أن عدم امتلاك كل ما يريدونه ليس حرمانًا، أردنا أن نسهّل حياتهم، فغاب عنا أن شيئًا من التعب وتحمل المسؤولية وتأجيل الرغبات ضروري لنضج الإنسان، أردنا أن نعطيهم ما لم يعطنا آباؤنا، فنسينا أن نعطيهم معنى الواجب.

استعادة التوازن

الحل ليس استعادة الأسرة القديمة بكل ما كان فيها، ولا إعادة الطفل إلى موقع الصامت الذي لا رأي له، ولا تبرير ظلم الأب لأنه أب، كما أن الحل ليس رفض ما جاءت به الحداثة من وعي بالكرامة والحدود والخصوصية والصحة النفسية.

ما نحتاجه هو استعادة التوازن؛ أن نحتفظ بحقوق الطفل ونستعيد معنى الواجب؛ أن نحترم شخصيته ونعلمه احترام الآخرين؛ أن نستمع إلى مشاعره ونعلمه أن للآخرين مشاعر كذلك؛ أن نربيه على الطموح من غير أن نحوله إلى كائن لا يشبع، وعلى الاستقلال من غير أن نربيه على القطيعة، وعلى معرفة حقوقه من غير أن ننسى تعريفه بحقوق الآخرين عليه.

فمن عبث بمفاهيمنا؟ ربما يصبح السؤال أكثر دقة إذا كففنا عن البحث عن متهم واحد، لم يفعل ذلك شخص واحد، ولا فيلم واحد، ولا حضارة واحدة، إنه تراكم طويل شاركت فيه تحولات الاقتصاد والسوق والإعلان والعولمة والفردانية والمنصات الرقمية وثقافة المقارنة، وشاركنا نحن فيه أيضًا.

ولهذا لا يبدأ تصحيح المسار بلعن جيل جديد ولا بتقديس جيل قديم؛ بل باستعادة الميزان، أن نقول للابن: أبوك مسؤول عنك، لكن تعبه ليس أمرًا مفروغًا منه، وللابنة: أمك تحبك، لكن حبها لا يلزمها بقبول إهانتك، وللأب: أعط أبناءك ما تستطيع، ولا تقتل نفسك لتثبت أنك أب جيد، وللأم: العطاء من جوهر الأمومة، لكن الأمومة ليست إلغاءً للذات والكرامة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة