في رحاب غزوة «أحد»..

معالم المنهج النبوي في التعافي من آثار الحروب

عزة مختار

03 مايو 2026

123

معالم المنهج النبوي في التعافي من آثار الحروب

لم تكن غزوة «أُحد» مجرد هزيمة عسكرية عابرة، بل مثلت لحظة انكسار نفسي جماعي خرج المسلمون منها أصلب عوداً، وأكثر قوة، وأثبت قلوباً بمعالجة النبي صلى الله عليه وسلم لتداعيات تلك الغزوة، ليخرج منها المسلمون بدلاً من صناعة النصر، بصناعة الإنسان القادر على صناعة النصر وإدارة الأمم؛ ما أعاد بناء التماسك الداخلي للمجتمع الناشئ بحكمة وبراعة.

علاج الحزن وإعادة بناء المفاهيم

لم يذكر القرآن الكريم اسم غزوة «أُحد» صراحة ضمن آياته، وإنما ذكرت ضمناً في سورة «آل عمران»، فعن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبدالرحمن ابن عوف: يا خال، أخبرني عن قصتكم يوم «أُحد»، قال: اقرأ بعد العشرين ومائة من «آل عمران» تجد قصتنا(1).

وقد كانت أسباب غزوة «أُحد» مركبة، ومتراكمة، ليكون من أهم أسبابها وقوع الصد عن سبيل الله، حيث يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال: 36)، فلقد اشتدت الحرب على النبي صلى الله عليه وسلم بمحاولات إيقافه عن توصيل الدعوة للناس، فكان لا بد من إجراء حازم يفتح باب تبليغ دين الله من جديد.

ومن أهمية تلك الصراعات أنها تظهر فئة المنافقين في المجتمعات، فيطهر المجتمع منهم، قال الله تعالى عن موقفهم في «أُحد»: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) (آل عمران: 167)، وتفضح هذه الآية مقاصد المنافقين مع المسلمين خاصة بعد أن انسحب رأس النفاق بثلث الجيش، فأحدث خرقاً في صف المسلمين.

وبالرغم من هذا، فقد ثبت من تبقى، ودارت أحداث المعركة وبعد أن كان النصر حليف المسلمين، خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا دارت الدائرة عليهم وحدث القتل، ووقعت الهزيمة، وأصاب المسلمين حزنٌ بالغٌ، فمنهم من يشعر بالذنب لمخالفته أمر القائد، ومنهم من يسأل عن سبب الهزيمة، ومنهم من تعجب لهزيمة جيش قائده النبي صلى الله عليه وسلم، لتأتي المعالجة النبوية لتلك الواقعة بحكمة بعد انتهاء المعركة في خطوات محددة وقبل أن يعود المسلمون لديارهم بأربعة إجراءات واضحة:

1- تحويل مشاعر الحزن إلى الاستعلاء الإيماني:

بعد الحروب يخرج المجتمع حزيناً، مقهوراً، وربما يائساً من عودة الأمور إلى ما كانت عليه، لكن القائد المحنك هو من يقوي صفه الداخلي قبيل الانهيار التام مهما كانت نتائج المعركة، فيتنزل القرآن ليربت على قلوب المؤمنين الذين أبلوا بلاء حسناً شافياً للنفوس قبل إعطائهم الدرس المهم، فيقول الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، إنها آية لن توقف الحزن فحسب، لكنها تعيد توجيهه لمسار آخر قبل أن يتحول إلى شعور بالعجز، فكم قصم العجز من رجال!

لكن الدرس كان يقتضي أن تقع الهزيمة ليتعلم الجميع أن هناك قواعد للنصر، من أهمها طاعة الجندي لقائده، وأن النصر بعد توفيق الله يصنعه تكاتف الجميع، وأن خطأ فرد واحد يمكن أن يتسبب في هزيمة الكل.

2- تحمل المسؤولية دون مجاملة:

دائماً بعد الهزيمة تطرح التساؤلات، من السبب؟ وكيف وقع؟ فيأتي القرآن مجيباً بشكل قاطع، هنا يجب أن تكون الأمور واضحة، فالبناء ليس هيناً أو صغيراً، إنها أمة توضع قواعدها التي يجب أن تكون متينة لتلائم شريعة هي خاتمة الشرائع، لا مجاملات تخل بقوة الصف، ولا تدليس يقلل من شأن الرجال، ولا تسويف ينسي عظم الحدث، الجواب قاطع: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران 165).

وفي تفسير ابن كثير: قال السديِّ: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) بسبب عصيانكم رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم ألا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة(2).

3- احتواء الشعور بالذنب مع إصلاحه:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران: 155)، يقول ابن كثير: ببعض ذنوبهم السابقة؛ كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ) عما كان منهم من الفرار، (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) يغفر الذنب، ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم «أُحد»، وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم(3)، فعفو الله عنهم ليس تساهلاً مع معصية التخلي عن موقعهم، وإنما إعادة تأهيل نفسي يمنع انهيار الصف المسلم نفسياً من شدة الشعور بالذنب، وكأن الله عز وجل يقول لهم ولمن بعدهم: الخطأ ليست نهاية المطاف، فسبيل التوبة مفتوح، والله يغفر لمن يعود، فلا تنغمسوا في الحزن واخرجوا سريعاً منه بصناعة نصر جديد.

4- العلاج العملي:

تنتهي مرحلة علاج النفس بالعفو وتوضيح الخطأ والتذكير بتصحيحه، لينتقل النبي صلى الله عليه وسلم من العلاج النظري للعلاج العملي، في نفس الليلة، يأمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من حضر «أُحداً» بالاستعداد بعد صلاة الصبح على الفور، وقد كان باستطاعته صلى الله عليه وسلم أن يأمر المسلمين جميعاً بالخروج، لكن الخروج كان لعلاج من كسر بالمصاب الكبير، عليهم هم أنفسهم أن يواجهوا العدو بقلب جديد، لكسر الانكسار فيهم وترميم نفوسهم.

يقول د. علي الصلابي: فاستجاب الناس لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما بهم من جراحات وتعب، وكان في مقدمتهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمح لعبدالله بن أُبي بالخروج معه، ووصل المسلمون إلى حمراء الأسد التي تبعد عن المدينة ثلاثة عشر ميلاً، حيث حطُّوا الرحال فيها، وقد أدهشت هذه الحركة اليهود والمنافقين لما فيها من جرأة وشجاعة، وأيقنوا أن الروح المعنوية عالية، وأنهم لو هزموا لما عملوا على مطاردة قريش(4).

الهوامش
  • 1 سبل الهدى والرشاد، الصالحي (4/ 231).
  • 2 تفسير القرآن العظيم، ص 418.
  • 3 المرجع السابق، ص 412.
  • 4 الصلابي، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث، ج 2، ص 412 (بتصرف).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة