مسيرة الحظر.. 20 عاماً من محاولات إسكات الأذان في الأراضي الفلسطينية المحتلة

علي إبراهيم

09 يونيو 2026

25

تتصاعد وتيرة الهجمة التهويدية التي تشنّها أذرع الاحتلال في سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتستهدف الحكومة اليمينية المتطرفة كل المظاهر الإسلامية في الأراضي المحتلة، في سياق سعي حثيث يرمي إلى اقتلاع الحضور الإسلامي وتطويقه، عبر مختلف الأدوات والقوانين، مستخدمة «الكنيست» لإقرار تشريعات منحازة، تكشف عن الوجه الكالح لهذا الكيان، وتنتظم في سلسلة متواصلة من القوانين الإجرامية، التي تجلت مع قانون «إعدام الأسرى» الفلسطينيين ولا تنتهي عند مقترح قانون حظر رفع الأذان.

وفي سياق متصل باستهداف المظاهر الإسلامية في القدس المحتلة، أقرت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع مشروع قانون تقدم به حزب «قوة يهودية» بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يستهدف حظر الأذان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م والقدس المحتلة، ونسلط الضوء في هذا المقال على هذا القانون، والأخطار المترتبة عليه، وأهداف الاحتلال الكامنة خلفه.

20 عامًا من محاولات إسكات الأذان في فلسطين المحتلة

شهدت السنوات الماضية العديد من المحاولات لإقرار قوانين تحظر الأذان في الأراضي المحتلة، أو تفرض حدودًا صوتية معينة، حيث تُشير المصادر إلى أنها تعود إلى نحو 20 عامًا، ففي عام 2006م بدأت سلطات الاحتلال ملاحقة رفع الأذان في مدينة عكا خلال شهر رمضان.

وفي عام 2011م ناقش مجلس وزراء الاحتلال مقترح قانون المؤذن في محاولة لاستهداف أصوات الأذان، ولكن الخلافات داخل حكومة الاحتلال أدت إلى إيقافه.

وتكررت محاولات إقرار قوانين تستهدف الأذان في الكنيست عدة مرات، في أعوام 2014 و2015 و2016م، وفي المحاولة الأخيرة امتدت نقاشات القانون حتى بداية عام 2017م، ففي 13 نوفمبر 2016م أقرت اللجنة الوزارية الخاصة بالتشريعات مشروع قانون يمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في مساجد القدس والمناطق القريبة من المستوطنات، إضافةً إلى المناطق المحتلة عام 1948م.

وفي 8 مارس 2017م، أقر الكنيست القانون بالقراءة التمهيدية، ولكنه سُحب من التداول نتيجة ردود الفعل والرفض الكبير الذي رافقه، وقد حاولت سلطات الاحتلال إعادة طرحه في عام 2018م، ولكنها لم تستطع ذلك.

أبرز تفاصيل قانون الحظر الجديد

وعودة إلى المحاولة الجديدة، ففي 31 مايو 2026م، صادقت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع على مشروع قانون يهدف إلى تشديد القيود على رفع الأذان في المساجد، من خلال فرض نظام تصاريح مسبقة لتشغيل مكبرات الصوت ومنح الشرطة صلاحيات واسعة للإنفاذ والعقاب.

وبحسب مصادر عبرية، قدم مشروع القانون رئيس لجنة الأمن القومي في الكنيست تسفيكا فوغل، بدعم من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، وينص على منع إقامة أو تشغيل أي منظومة مكبرات صوت في المساجد من دون الحصول على تصريح مسبق.

ويعتمد القانون على مبدأ الحظر كقاعدة عامة والتصريح كاستثناء؛ ما يعني أن تشغيل مكبرات الصوت في المساجد ابتداءً يحتاج للحصول على تصريح خاص، ويشترط مشروع القانون جملة من المعايير، قبل منح هذه التصاريح، تتراوح ما بين فحص قوة الصوت الذي سيخرج، إلى جانب وسائل الحدّ منه، وموقع المسجد وقربه من المناطق السكنية، ومدى تأثير الصوت على السكان.

وينص مشروع القانون على أنه لن يُقام ولن يُشغَّل أي نظام مكبرات صوت في مسجد من دون تصريح، على أن يتزامن ذلك مع تشديد الرقابة وفرض غرامات باهظة.

وبحسب مقترح القانون، سيكون الأصل حظر تشغيل مكبرات الصوت، وفي حال مخالفة القواعد، يحق للشرطي أن يوقف التشغيل فوراً، وفي حال استمرار المخالفة يمكن مصادرة مكبرات الصوت وفرض غرامة تصل إلى عشرات آلاف الشواكل.

ويفرض المشروع غرامة تصل إلى 50 ألف شيكل (نحو 17 ألف دولار أمريكي) على تشغيل أو إقامة منظومة مكبرات صوت من دون تصريح، إضافة إلى غرامة قدرها 10 آلاف شيكل (نحو 3400 دولار) في حال مخالفة شروط التصريح الممنوح.

من الأذان إلى الهوية.. الأخطار المترتبة عن هذا القانون

يُمثّل قانون حظر الأذان منعطفًا تصعيديًا بالغ الخطورة، لكونه يتخذ من أحد أبرز الرموز الإسلامية في الأراضي المحتلة هدفًا له، وهو ما يعني أن الهجمة التهويدية باتت تمدّ أذرعها لتطال صميم الهوية الفلسطينية في تلك المناطق.

وتكشف المحطات السابقة أن قدرة الاحتلال على فرض هذا القانون داخل أراضي الـ48، ستشكل بوابة لتوسيع نطاق تطبيقه ليطال مدينة القدس المحتلة وسائر المناطق الخاضعة لسيطرته الأمنية، مع التركيز على المسجد الأقصى، الذي يشهد تصاعدًا مطردًا في العدوان خلال الأشهر الماضية.

ومن المهم هنا التذكير بمحاولات متكررة من قبل أذرع الاحتلال لكتم صوت الأذان في «الأقصى»، من خلال قطع الأسلاك، أو تدمير غرف الصوت داخل المسجد.

وفي سياقٍ متصل، يُشكّل هذا القانون حلقةً جديدة تُضاف إلى سلسلة التشريعات الممنهجة التي تستهدف الفلسطينيين، في مسار يمتد من قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وصولًا إلى حظر الأذان، خاصة أنه يقوم على مبدأ الحظر ابتداءً، وربط ممارسة الشعيرة الإسلامية بالحصول على التراخيص؛ أي أن القانون يجرّم الأذان بشكلٍ موارب، إذ يحول الاحتلال هذه الشعيرة إلى ممارسة مشروطة لا تقوم إلا بموافقات أمنية «إسرائيلية» مسبقة، فيما تشكل ادعاءات إزعاج السكان شماعة للمضي قدمًا في هذا القانون.

يُضاف إلى ذلك أن ربط منح التصاريح بمعايير مطاطة كأثر الصوت في السكان وقرب المسجد من التجمعات السكنية، يوفّر للقانون غطاءً قانونيًا مريحًا يُتيح توظيفه بصورة انتقائية وعنصرية موجّهة ضد مساجد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

وتكمن الخطورة الأعمق لهذا القانون في أنه سيُشكّل جزءاً جديداً من المنظومة الصهيونية التي تستهدف تهويد الأراضي المحتلة وفي مقدمتها مدينة القدس، وتجريدها من كل مظهر إسلامي، ضمن مسار متكامل من القوانين والإجراءات القمعية التي تصاعدت وتيرتها تصاعدًا ملحوظًا خلال العامين الأخيرين، سواء من خلال الاعتداء على المسجد الأقصى، أو الانقضاض على مساجد القدس وخطباء المدينة وغيرها.

أخيرًا، لقد دخلت الحكومة اليمينية المتطرفة في طور إنهاء كل مقومات الهوية العربية والإسلامية في الأراضي المحتلة، فمن العدوان على «الأقصى» واستهداف المساجد، والتحضير لحظر الأذان، في سياق حرب وجودية إحلاليّة، فالأذان الذي يصدح 5 مراتٍ في اليوم، لم يعد صوتًا ليلبي المؤمنون نداء الصلاة فقط، ولكنه أضحى صوتًا يُنبئ عن الثبات والتجذر في الأرض، وهو صوتٌ يُغيظ الكيان، ويسعى بكل أدواته القانونية والأمنية إلى كتمه، وما لم نشهد تحركات عاجلة من كل الأطراف الفاعلة، فإن القادم سيكون أشد وطأة وأكثر جرأة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة