مدينة السعادة

رأيت فيما يرى النائم أنني أمشي في بَرِّيَّة جرداء قفر، قد انبسطتْ رمالها على سطحها متجعدة تجعد الأمواج المتوثبة في القاموس المحيط، وكانت الشمس قد طَفَلت للإياب، فلم أرَ في بطحائها ظِلاًّ غير ظلي المستطيل، الذي رسمتْه يد الشمس، فأخطأت في تصويره، كأنما حسبتني آدم أبا البشر، فأوسعتني طولاً، ورسمتني ميلاً.

أنشأت أمشي لا أعرف لي مذهبًا ولا مضطربًا، وأنَّى يكون ذلك في صحراء قد تشابهت مسالكها، وتشاكلت مذاهبها، وانفرج ما بين قاصيها ودانيها؟! حتى انحدرت الشمس إلى مستقرها، وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى وجدتني أحير من دمعة وَجْد في مُقْلة عاشق، يدفعها الحب، ويمنعها الحياء، لا أعلم هل أنا سرٌّ كامن في باطن الظلماء، أو حوت مضطرب في أعماق الماء، وأحيانًا كان يُخيَّل إليَّ أني في منجم من مناجم الفحم، فأمد يدي أتلمس جدرانه مخافة أن أصطدم بواحد منها، ولم أزل كذلك حتى شعرت بأن الظلام بدأ ينفض صِبغته، وأن ذراته تتطاير ههنا وههنا، فإذا أنا بين يدي جبل عالٍ كأنما هو جدار قائم يمسك السماء أن تقع على الأرض، أو ملك جبار قد لبس من قرص الشمس التاج الأحمر، ومن شعاعها الرداء الأصفر.

ولا تسل هنالك عما ألمَّ بقلبي من الهم، وعقلي من الخيال، حينما رأيت أن صعود السماء أقرب إلى الأمل من صعود هذا الجبل، وحرت بين الإقدام والإحجام، فلم أرَ بُدًّا من الاستسلام، لمقدور الحِمام، ثم رميت بطرْفي، فرأيت بين الصخور المبعثرة في سفح الجبل صخرة بيضاء ناعمة الملمس، فاضطجعت عليها وأنا أتمثل بقول أبي العلاء:

ضِجْعَةُ الموت رقدةٌ يستريح    الجسم فيها والعيشُ مثل السُّهادِ

وما هي إلا غمضة الطرف حتى شعرت بأنها تتحرك قليلاً قليلاً، ثم نهضت، ثم طارت، فكدت أحسب أنه الموت قد نزل، وأنها الرُّوح تصعد إلى الملأ الأعلى، لولا أن فتحت عيني فرأيت ما كنت أحسبه صخرة طائرًا أشبه شيء بالنَّسر في خلقه، والقبة في ضخامتها واستدارتها، وما زال ذاهبًا بي في أفق السماء، ثم رنَّق لحظة في الهواء، ثم هبط إلى قمة الجبل، فأسرعت بالانحدار عنه، وهنالك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع غُلَّته، ويطفئ لوعته؛ لأنني رأيت السفح الثاني من الجانب الآخر، ورأيت بهجة الحياة وزهرة العمران.

رأيت على البعد خطوط الخضرة حول سطور الماء، ورأيت المنازل والقصور كأنها العصافير السوداء، أو الحمائم البيضاء، وكأن ما ألمَّ بنفسي من السرور أنساني ما ألمَّ بجسمي من النَّصَب، فانحدرت إليها، فما بلغتها حتى رأيتني في مزرعة في وسطها بِنْية، قد وقف على بابها شيخ، هو أشبه الأشياء بما يتخيله فريق الخياليين من علماء الفلك في صور سكان المريخ، فذُعر مني كما يُذْعر الإنسان لرؤية الجان، وما كان الذي قام في نفسه مني بأكثر مما قام في نفسي منه، لولا أني ألِفت الغرائب، وعجمت عود العجائب، فتقدمت إليه، وكأنما أُلهمت لغته الغريبة، فحييته بها فحياني، وهو يقول: ما كنت أحسب أن الشمس تطلع على مدينة غير هذه المدينة، أو أن في العالم إنسانًا غير هذا الإنسان، فما زلت أحدثه وأستدنيه حتى أَنِسَ بي، ودعاني إلى منزله، وخلطني بنفسه وأهله، وقدَّم لي طعامًا شهيًّا، ومهَّد لي مرقدًا وثيرًا، وكان الليل قد أقبل للمرة الثانية من هجرتي هذه، فنمت نومًا هادئًا مطمئنًّا، لا تروعني فيه خواطر الموت، ولا وساوس الهلاك.

استيقظت أنا والشمس من مرقدينا على صوت تلك الأسرة الطاهرة الكريمة تصلي إلى الله تعالى صلاة الخاشعين المتبتلين، وتدعو وهي مصطفة صفًّا واحدًا أن ييسر الله لها عسرها، ويسهِّل أمرها، ويصلح شأنها، ويمنحها معونته ونصره، فأخذ من نفسي منظرها هذا مأخذًا غريبًا، فلم أرَ بُدًّا من الانتظام في صفِّها، والدعاء بدعائها، والبكاء لبكائها، وعجبت أن يكون مثل هذا الإيمان الخالص راسخًا في نفوس أهل هذه المدينة، ولم يُرسَل إليها رسولٌ، ولم ينزل عليها كتاب، فلما فرغنا من الصلاة التفَتُّ إلى صاحب البيت، فقلت له: أراكم تتعبدون، فمن تعبدون؟ وتصلون، فمن الذي تدعون؟

قال: نعبد الله خالق هذه الكائنات ومدبرها، قلت: هل رأيتموه حتى عرفتموه؟ قال: نعم، رأيناه في آثاره ومصنوعاته، ورأيناه في السماء والماء، والفلك الدائر، والنجم السائر، وفي أجنَّة الحيوان، وبذور النبات، ورأيناه في أنفسنا وعقولنا وأرواحنا قبل ذلك، قلت: ولِمَ تعبدونه؟ قال: شكرًا له على نعمة الخلق والرزق، وإن أحدنا ليعنيه أن يشكر لصاحبه نعمته إذا أحسن إليه بجرعة، أو أنعم عليه بمضغة، فأَحْرِ به أن يشكر مانح المانحين، والمحسن إلى المحسنين.

فقلت في نفسي: لقد بلغ الرجل مرتبة الموحدين الصادقين، الذين يعبدون الله مخلصين له الدين، لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، ثم سألته: أين تذهبون بعد الموت؟ قال: إلى النعيم المقيم، أو العذاب الأليم، قلت: لعلك تريد الجنة والنار، قال: لا أفهم ما تقول، وإنما أعلم أن الإله الحكيم لا يترك المحسن دون أن يجازيه خيرًا على إحسانه، كما يأبى عدله أن يسوِّي بين المحسن والمسيء، قلت: متى يكون المحسن محسنًا والمسيء مسيئًا؟ قال: الإحسان عمل الخير، والإساءة عمل الشر؛ لذلك لا ترى بيننا مَن يحدِّث نفسه بالإضرار بأخيه، أو مَن يقصِّر في دفع الأذى عنه، فقلت في نفسي: ليت الفقهاء الذين ينفقون أعمارهم في الحيض والاستحاضة، والمذي والودي، والحدث الأكبر والحدث الأصغر، وليت الكلاميين الذين يسهرون الليالي، ويقرِّحون المآقي في عينية الصفات وغيريتها، والجوهر والعَرَض، والحدوث والقدم، والدور والتسلسل، وليت المتصوفة الذين يحاولون أن ينازعوا الله في مشيئته، ويجاذبوه قدرته، ويغالبوه على أمره ونهيه، ويزاحموه في لوحه وقلمه - يعرفون من سر الدين وحكمته والغرض الذي قام له: ما يعرف هؤلاء البُله الأغرار، الذين لا يفهمون معنى الجنة والنار، ولا يميزون بين الدين والتين.

الهوامش
  • 1 المصدر: كتاب «النظرات».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة