دليل الشباب للنجاة من فخ الابتزاز الإلكتروني
الابتزاز
الإلكتروني ليس تهديداً عابراً، بل هو جريمة تدمر حياة الكثيرين من الأطفال
والشباب، الأمر لا يحتاج دفن الرؤوس في الرمال، بقدر ما نفض الغبار وتشكيل الوعي.
نحن في عالم
تتشابك فيه الهويات الرقمية مع الحياة الحقيقية، إذ بات الابتزاز الإلكتروني ظاهرة
لا يمكن تجاهلها، لا سيما في مجتمعاتنا العربية التي تشهد انتشارًا متسارعًا
لاستخدام الشبكات الاجتماعية بين الشباب.
ولم يعد الأمر
مجرد جريمة تقنية عابرة، بل تحوّل إلى تهديد اجتماعي ونفسي يستغل تفاصيل الحياة
الرقمية اليومية.
ولأجل حماية
الأطفال والشباب من هذا الخطر الداهم، تواصلت «المجتمع» مع عدد من خبراء الإعلام
والتكنولوجيا، لتقديم الحلول بشأن هذا الخطر وطرق الحماية من الوقوع في فخاخ
الابتزاز الإلكتروني، وأساليبه الملتوية وطرقه الملغومة.
تعزيز الثقة داخل الأسرة خط الدفاع الأول
خبير تكنولوجيا
التعليم والتحول الرقمي التعليمي بمؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع د.
محمد شلتوت أكد، في حديثه لـ«المجتمع»، أن تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة يمثلان
خط الدفاع الأول؛ فالطفل أو الشاب الذي يعلم أن بإمكانه اللجوء إلى أهله دون خوف
من الإدانة، هو الأقل عرضة للوقوع في الفخ، والأسرع خروجًا منه إذا وقع فيه.
وأوضح شلتوت
أنني كخبير في تكنولوجيا التعليم وتصميم التجربة الرقمية أكثر ما يقلقني ليس فقط
حجم الظاهرة، بل أسلوبها الخفي المُحكم؛ فالمبتزّ لا يطرق الباب مباشرة، بل يدخل
في صورة صديق، أو فرصة، أو حساب يبدو بريئًا وطبيعيًا.
وأضاف أنه يبدأ
ببناء الثقة بهدوء، ثم يجمع المعلومات والصور والتفاصيل الشخصية في لحظة غفلة، قبل
أن تتحول الشاشة فجأة إلى أداة ضغط وخوف.
وتابع: يُعد
الشباب الفئة الأكثر عرضة لهذه الجرائم؛ لأنهم يعيشون جزءًا كبيرًا من حياتهم داخل
العالم الرقمي، وينشرون تفاصيلهم وصورهم، ويثقون بسرعة في العلاقات الإلكترونية،
دون إدراك أن كل صورة أو معلومة قد تتحول لاحقًا إلى وسيلة ضغط وتهديد.
وفي مجتمعاتنا
العربية، قد يستغل المبتزّ طبيعة المجتمع المحافظ وخوف الضحية من الفضيحة أو اللوم
الأسري، فيدفعها إلى الصمت بدلًا من طلب المساعدة، فتشعر بأنها وحيدة وغير قادرة
على مواجهة ما تتعرض له.
ونوه شلتوت بأن
الحماية الحقيقية لا تبدأ بالتطبيقات أو الإعدادات الأمنية فقط، بل ببناء وعي رقمي
حقيقي داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات التعليمية، وهو ما لا يزال غائبًا إلى حدٍّ
كبير عن كثير من مناهجنا وبرامجنا التوعوية.
وأشار إلى أننا
نحن بحاجة إلى جيل يعرف كيف يحمي خصوصيته، ويميز الحسابات الوهمية وأساليب
الاستدراج، ويدرك أن طلب المساعدة ليس ضعفًا.
الاستدراج العاطفي أول فخاخ الابتزاز الإلكتروني
بينما أكد أستاذ
ورئيس قسم الصحافة والنشر السابق بكلية الإعلام بجامعة الأزهر د. عبدالعظيم خضر،
في حديثه لـ«المجتمع»، أن الابتزاز الإلكتروني يمثل صورة معاصرة للعدوان المحرم
شرعاً؛ لأنه يقوم على الترهيب، وكشف العورات، وإفساد الأمن والاجتماعي، وهو ما
يتنافى مع مقاصد الإسلام في حفظ الكرامة والستر والأمان.
وأضاف أن
الابتزاز الإلكتروني لم يعد مجرد سلوك منحرف يمارسه بعض ضعاف النفوس، بل أصبح
جريمة عابرة للحدود تهدد الأمن النفسي والاجتماعي، وتستهدف -على نحو خاص- فئة
الشباب والمراهقين.
وكشف خضر عن
أبرز أساليب الابتزاز الإلكتروني التي من أهمها:
1- الاستدراج
العاطفي: حيث ينشئ المبتزّ حساباً وهمياً بصورة جذابة أو بهوية مقنعة، ثم يبدأ في
بناء علاقة ثقة تدريجياً مع الضحية، مستغلاً حاجته للاهتمام أو الاحتواء أو
الإعجاب.
2- الهندسة
الاجتماعية: والمجرم هنا لا يحتاج أحياناً إلى اختراق الهاتف، بل ينجح في جعل
الضحية نفسها تقدم له المعلومات طواعية عبر روابط مزيفة، أو رسائل تدعي أنها من
جهة رسمية أو منصة معروفة.
3- استخدام
الذكاء الاصطناعي: وهو تطور بالغ الخطورة، إذ بات بالإمكان تركيب صور أو مقاطع
صوتية وفيديوهات مزيفة تبدو شديدة الواقعية، فيما يعرف بـ«التزييف العميق».
4- استخدام
أساليب خفية، مثل: اختراق الكاميرات، وسرقة النسخ الاحتياطية السحابية، والتجسس
عبر التطبيقات المجانية، أو استغلال ضعف إعدادات الخصوصية في مواقع التواصل
الاجتماعي.
أما فيما يتعلق
بأسباب وقوع الشباب ضحية لهذه الأساليب، فإن الأمر مرتبط بعدة عوامل متشابكة: في
مقدمتها:
- قلة الوعي
الرقمي.
- الثقة الزائدة
في العالم الافتراضي.
- الرغبة
الطبيعية في القبول الاجتماعي.
- إثبات الذات.
- الفراغ
العاطفي أو النفسي، وتراجع الدور الأسري.
ونوه خضر بأن
الحماية الناجعة لا تقوم على أسلوب التخويف وحده، بل على بناء ثقافة أمان رقمي
متكاملة تبدأ من التربية المبكرة على احترام الخصوصية، وعدم مشاركة الصور
والبيانات الحساسة، والتحقق من هوية الأشخاص، ورفض أي علاقة رقمية غامضة أو مريبة،
والحذر من الروابط المشبوهة.
وشدد في حديثه
على أنه من المهم بمكان تدريب الشباب على كيفية التصرف عند التعرض للابتزاز، بعدم
الاستجابة للمبتزّ في مطالبه، مع إبلاغ الأسرة والجهات المختصة فوراً، لأن الصمت
يزيد الأزمة تعقيداً.
واختتم حديثه
بالقول: إنه لا ينبغي أن نغفل أو نتغافل عن التوجه الإسلامي الحكيم في هذا الصدد،
حيث سبق القوانين الحديثة في صيانة خصوصية الإنسان وكرامته، فقد حرم التجسس، ونهى
عن التشهير، وانتهاك الأعراض، وإيذاء الناس نفسياً واجتماعياً.
تحذيرات من خطورة الوظائف الوهمية
فيما أكد الخبير
في الذكاء الاصطناعي د. مهند أمين، في حديثه لـ«المجتمع»، أنه في السنوات الأخيرة
صار الابتزاز الإلكتروني من أخطر المشكلات التي نواجهها يومياً، خصوصاً بين الشباب
في مجتمعاتنا الخليجية والعربية.
وأضاف أنه من
خلال تعاملي مع العديد من الأشخاص في العمل والمجتمع، لاحظت أن أغلب القصص تبدأ
بشيء بسيط جداً، رسالة عادية، حساب يبدو محترماً، أو حتى مكالمة لطيفة، وبعدها
يتحول الموضوع فجأة إلى تهديد وضغط وقلق نفسي.
الناس أحياناً
تظن أن الضحية يجب أن يكون شخصاً غير واعٍ، لكن الحقيقة مختلفة تماماً، حتى إن
أشخاصاً مثقفين ومحترفين وقعوا في هذه الأساليب، خاصة بعد تطور الذكاء الاصطناعي
وتقنيات الفيديو والصوت المزيف (Deepfake)، فاليوم من
الممكن مشاهدة فيديو أو سماع صوت وتعتقد 100% أنه حقيقي، لكنه مزيف بالكامل.
وحذر أمين مما
يتم تداوله بشأن الوظائف الوهمية، إذ تعمل بعض الجهات مقابلات عمل بشكل احترافي
جداً، وترسل إيميلات وشعارات تبدو حقيقية، وبعدها تبدأ تطلب رسوم «إجراءات»، أو
تضغط على الشخص أن يفتح رابطاً معيناً، أحياناً الرابط وحده يكون كافياً لاختراق
البيانات.
وبين أن المشكلة
الأكبر في مجتمعاتنا العربية أن كثيراً من الضحايا يخافون من الفضيحة الاجتماعية
أكثر من خوفهم من المبتزّ نفسه، ولهذا يتردد البعض بالإبلاغ، وخاصة الفتيات، وهنا
المبتزّ يشعر أن عنده قوة أكبر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً