كيف يفقد أبناؤنا ثقتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؟
قد يُرزق
الوالدان بطفل يكون رزءاً للدنيا إن هما لم يحسنا تربيته وتعهده، ومن هذا الرزء
تسليطه على غيره من الأطفال يسخر منهم تارة، ويهزأ بهم أخرى، فلا الأقربون به
افتخروا، ولا الأبعدون من شره سلموا.
وفي عصر صار
وصول الكلمة فيه أسرع مما قد يستغرقه المرء في كتابتها، لم يعد الهجاء يتطلب منه
أن يكون جريرًا أو الفرزدق، بل يكفيه أن يكون متصلًا بالإنترنت لينال الناس من
أذاه ما كُتب لهم أن ينالوا، حيث تحولت هذه المنصات من وسائل للتواصل إلى ساحات
للحرب الكلامية، غالبًا ما تكون في اتجاه واحد، يُقصف فيها الضحية بأبشع أساليب
التلاسن وبما يستقبح ذكره من المعايب، حتى تنتهي به الحال في أحايين كثيرة، كما
ينتهي بالجندي في الوغى الذي طرق باب الردى، غير أن صاحبنا هذا لم يبرح مكانه، ولم
يسلبه أحد روحه، وإن كان جرده مما يفديها المرء به، جرده من كرامته على رؤوس
الأشهاد.
بداية النهاية
من أشهر وأقدم
الأساليب التي تستعمل لسلب المرء كرامته، وإفقاده ثقته بنفسه، السخرية منه، أو كما
صار يُسمى حديثًا «التنمر»، ومن أعتى صوره التنمر الإلكتروني، وهو استخدام وسائل
التواصل الاجتماعي خصوصًا، وما هو متاح من الوسائل التقنية عمومًا لإلحاق الأذى
النفسي والمعنوي بالآخرين بشكل متعمد ومتكرر، يتخذ هذا السلوك من الصور أشكالاً،
ومن الطيف ألوانًا، تشمل التهديد، والابتزاز، ونشر الشائعات، والسخرية، والتشهير،
وانتهاك الخصوصية من خلال نشر معلومات أو صور شخصية دون إذن.
والسبب في كونه
أعتى صور التنمر تخطيه نظيره التقليدي في كونه لا حد لانتشاره، فبينما كانت سخرية
الأطفال أحدهم من الآخر لا تتعدى دائرتهم الصغيرة، أصبحت دائرة التنمر الإلكتروني
تتسع لتشمل كل من يتصل بالإنترنت.
وبالتالي
إمكانية التنمر على الضحية في أي وقت ومكان، وإبقاء المحتوى المسيء متاحاً لفترات
لا حد لأقصاها؛ ما يضاعف من حجم الأذى النفسي.
وليس التنمر
الإلكتروني بظاهرة نادرة، فـ44% (حوالي النصف تقريبًا) من الشباب الأستراليين
ذكروا بأنهم تعرضوا له بصورة أو بأخرى؛ 15% منهم تلقوا تهديدات مباشرة على حياتهم،
وحتى إن كانت تلك التهديدات بلا فحوى، فهذا لا يعني أنها بلا جدوى.
التدمير الذاتي
ما قام به المرء
بنفسه استغنى فيه عن غيره، ومثل هذا يجري حتى في الأذى، فمحتقر نفسه مستغن عمن
يُحقِّره، وهذا عين ما يحدث لكثير من الأطفال والمراهقين عندما يسقطون في فخ
المقارنة بالغير، فحينها تصغر في أعينهم ذواتهم، كيف وهم يرون من هم في مثل
أعمارهم يعيشون ما لم يحلموا به حتى! ولقد كانوا قبل ذلك سالمين من تلك المقارنات،
ومن الاطلاع على غيرها مما يسوؤهم ويعود بالسلب على حيواتهم.
الآثار النفسية والاجتماعية
سواء كان المرء
ضحية غيره أو ضحية جنايته على نفسه، فالمصاب واحد، حيث يعاني الضحايا على حد سواء
من القلق المزمن والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات، كما يظهر لديهم عزوف عن المشاركة
الاجتماعية وتدنٍّ في الأداء الدراسي أو حتى المهني، فمثل هذه الأمور لا يتخلف
تأثيرها السلبي، وإن كان أثرها أعظم في الأطفال.
والقول بأن هذه
الآثار إن استفحلت قد تصل بصاحبها إلى التفكير في إيذاء النفس أو الانتحار غير
بعيد، بل تشهد له العديد من الدراسات والحالات الموثقة عالمياً.
العوامل المحفزة
تتضافر عدة
عوامل في تفشي ما ذكرناه من ظواهر تؤثر سلبًا على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي،
منها على سبيل المثال لا الحصر: سهولة الوصول إلى الإنترنت وانتشار الأجهزة الذكية
بين مختلف الفئات العمرية، يضاف إلى ذلك ضعف الوعي الرقمي لدى الأسر والمؤسسات
التعليمية، فكثير منهم إما غافل عما يتصفحه أولاده على تلك المواقع، وإما متغافل،
ولا تكاد المنهج التعلمية تحوي أدنى قدر من التوعية كأنها لا تلقي لصحة طلبتها
النفسية بالًا.
سبل المواجهة والحلول
كما يبتدئ الرزء
بالمتنمر من تفريط الأبوين، يبتدئ الحفاظ على ذريتهما منه بهما.
فينبغي للآباء
بناء جسور الثقة مع أبنائهم ومراقبة نشاطهم الرقمي بطريقة متوازنة تحترم خصوصيتهم،
وغني عن البيان ألا يكون الوالد عونًا للشيطان على ولده، سواء تمثل الشيطان في
إنسي يؤذيه، أو في نفس سلطها الله عليه.
حتى لا يزيد
الوالد المصيبة تخييمًا على الرؤوس، فيجد الطفل نفسه محاصرًا بالساخرين منه،
المحقرين له من كل جانب، فيحسب أن العيب فيه، وما العيب إلا فيمن أحاطوا به.
فإذا لم يكن
الأب درعًا لولده، لا يشفي الغلة، ولا تبرأ به العلة، كان عياذًا بالله ثالثة
الأثافي، لا يزيد الطين إلا بلة.
فيتوجب عليك كأب
ألا يتوقف دورك عند حدود الإنفاق بل يتعداه ليشمل كل ما يخص شؤون أسرتك، فتكون على
دراية بما يفعله أطفالك على الإنترنت، سواء قمت بالاطلاع من حين إلى آخر على جهاز
ولدك، أو التحدث معه حول ما رآه أو سمعه عبر الإنترنت.
ضع قواعد حول
الأشخاص الذين يمكن له أن يصادقهم أو يتواصل معهم على منصات التواصل الاجتماعي،
على سبيل المثال، أخبره أنه إذا لم يُعرِّفك بأصدقائه شخصيًا، فهو ممنوع من
مصادقتهم إلكترونيًا.
ويجب عليك أيضًا
التعرف على بدايات انعكاس الآثار السلبية عليه، كزيادة الوقت الذي يقضيه طفلك
محدقًا بالشاشة، أو تغير مزاجه بعد استخدام الجهاز، أو إخفائه بالكلية عندما تدخل
غرفته أو تكون بالقرب منه.
والأفضل من ذلك
كله ألا يُمنح الطفل جهازًا إلكترونياً في مقتبل عمره، وهو أكثر ما ندم عليه ذوو
الأطفال الذين ذهبت أرواحهم ضحية التنمر الإلكتروني، وهو ما بدأت تلتفت إليه
المدارس مؤخرًا، فمُنع الأطفال أثناء تواجدهم في المدارس من استخدامها نهائيًا في
السويد وإسبانيا وفرنسا، ومؤخرًا انضمت إليهم أستراليا، وهذه أمثلة على سبيل العد
لا الحصر.
وعجيب أن ينهال
الوالد على ولده بوابل من التحذيرات عن التحدث مع الغرباء، ثم يتركه حيران صبًا
هائمًا يتحدث مع كل من هبّ ودب على وسائل التواصل الاجتماعي.
فحري بالناصح أن
تواكب نصيحته عصره الذي ينصح فيه، وألا تكون نصائحه مجرد قوالب معلبة مفرغة من
فحواها.
ولا ريب أن هناك
مسؤولية تقع على عاتق شركات وسائل التواصل، التي تدعي أنها تقوم بأقصى ما تستطيع،
وأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، ومخطئ من ظن يومًا أن للثعلب دينًا، ولو أنهم
بذلوا عشر معشار ما يبذلونه من جهد لجني الأرباح من تطبيقاتهم في مكافحة ما
ذكرناه، أو حتى تنبيه المستخدمين خصوصًا من الأطفال والمراهقين على ما هم مقبلون
عليه، لربما كنا نكتب مقال اليوم في موضوع آخر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً