من الشكوى إلى الحلول..

كيف يعرض المسؤول حاجة الناس؟ موقف الأحنف بن قيس

د. نصر حسن

31 أغسطس 2026

151

مشهد تعبيري يصور لقاء الأحنف بن قيس بالخليفة عمر بن الخطاب في إطار تاريخي يعكس الحوار وعرض حاجات الناس.

أورد الذهبي بإسناده عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: وَفَّدَ أَبُو مُوْسَى وَفْدًا مِنَ البَصْرَةِ إِلَى عُمَرَ، مِنْهُمُ الأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ، فَتَكَلَّمَ كُلُّ رَجُلٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَكَانَ الأَحْنَفُ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ أَهْلَ مِصْرَ نَزَلُوا مَنَازِلَ فِرْعَوْنَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ نَزَلُوا مَنَازِلَ قَيْصَرَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّ أَهْلَ الكُوفَةِ نَزَلُوا مَنَازِلَ كِسْرَى وَمَصَانِعَهُ فِي الأَنْهَارِ وَالجِنَانِ، وَفِي مِثْلِ عَيْنِ البَعِيرِ وَكَالحُوَارِ فِي السَّلَى، تَأْتِيهِم ثِمَارُهُم قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ، وَإِنَّ أَهْلَ البَصْرَةِ نَزَلُوا فِي أَرْضٍ سَبْخَةٍ، زَعِقَةٍ، نَشَّاشَةٍ، لَا يَجِفُّ تُرَابُهَا، وَلَا يَنْبُتُ مَرْعَاهَا، طَرَفُهَا فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ، وَطَرَفٌ فِي فَلَاةٍ، لَا يَأْتِينَا شَيْءٌ إِلَّا فِي مِثْلِ مَرِيءِ النَّعَامَةِ، فَارْفَعْ خَسِيسَتَنَا وَانْعَشْ وَكِيسَتَنَا، وَزِدْ فِي عِيَالِنَا عِيَالًا، وَفِي رِجَالِنَا رِجَالًا، وَصَغِّرْ دِرْهَمَنَا، وَكَبِّرْ قَفِيزَنَا، وَمُرْ لَنَا بِنَهْرٍ نَسْتَعْذِبْ مِنْهُ».

فَقَالَ عُمَرُ: «عَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا، هَذَا وَاللهِ السَّيِّدُ»، قَالَ: «فَمَا زِلْتُ أَسْمَعُهَا بَعْدُ»(1).

يُعد موقف الأحنف بن قيس مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من المشاهد التي تكشف طبيعة القيادة الراشدة في صدر الإسلام؛ فالقيمة الكبرى في هذا الموقف ليست في الطلبات التي عرضها فحسب، بل في الطريقة التي صاغ بها القضية، وفي العقلية التي وقفت خلف الخطاب.

فقد كان الأحنف بن قيس ضمن وفد أهل البصرة إلى عمر رضي الله عنه، فلما تكلم أفراد الوفد عرض كل واحد منهم شأنه الخاص، حتى جاء دور الأحنف، وكان في آخر القوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم تحدث عن حال البصرة لا عن حاله الشخصي، ومن هنا بدأ الفرق بين إنسان يرى المجلس فرصة لتحقيق منفعة عاجلة، وإنسان يراه مسؤولية لعرض قضية عامة، وهذا المعنى يلتقي مع قول الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)؛ إذ يجسد الإيثار تجاوز حظ النفس إلى ما ينفع الآخرين، وهو ما ظهر في خطاب الأحنف بن قيس حين جعل حاجة البصرة مقدمة على حاجته الخاصة.

ويتأكد هذا المعنى في موقف فاطمة الزهراء، وعليّ بن أبي طالب، رضي الله عنهما، حين أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبان منه خادمًا يعينهما على أعباء المنزل، بعد أن أثرت الرحى في يد فاطمة وأثر استقاء الماء في صدر عليّ، وكان قد جاء النبي صلى الله عليه وسلم سبي، فلم يستجب النبي صلى الله عليه وسلم لطلبهما، مراعاة لحاجة فقراء المسلمين، وقال: «وَاللَّهِ لاَ أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تُطْوَى بُطُونُهُمْ لاَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ»(2)، ثم عوّضهما بأذكار التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم؛ فكان في ذلك تطبيق عملي لتقديم المصلحة العامة على الرغبة الفردية، ومثالًا على أن القيادة الراشدة لا تنظر إلى الطلب بمعزل عن حاجات المجتمع وأولوياته.

كيف يمنح الإنصات القائد رؤية أعمق للموقف؟

لم يكن وجود الأحنف بن قيس في آخر الوفد تفصيلًا عابرًا؛ ففيه دلالة على طبيعة شخصيته، فلم يسارع إلى الكلام، ولم ينافس على الظهور، بل ترك الآخرين يعرضون ما عندهم، ثم تكلم بعد أن اكتملت لديه صورة الموقف.

وهذه إحدى خصائص أصحاب الرؤية؛ فهم لا يتعاملون مع الأحداث بردود فعل سريعة، وإنما يبدؤون بالفهم قبل الحكم، وبالاستماع قبل التوجيه، فالقائد الذي لا يملك قدرة الإنصات قد يسمع الأصوات، لكنه لا يدرك حقيقة المشكلة، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر: 18)؛ فالاستماع الواعي ليس مجرد صمت، وإنما طريق إلى حسن الفهم واختيار ما هو أصلح.

ويجسد ذلك عمليًا موقف الحباب بن المنذر رضي الله عنه يوم «بدر»، حين لم يتعجل في إبداء رأيه، بل استوضح أولًا طبيعة الموقف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»(3)، فأشار الحباب بالرأي الذي رآه أصلح للموقف، وهكذا لم يكن استيضاحه ترددًا في اتخاذ القرار، وإنما كان خطوة واعية لفهم طبيعة الموقف قبل اقتراح الحل؛ وهو ما يكشف أن الرؤية الكاملة تبدأ بالسؤال الصحيح، ثم تنتهي بالرأي المبني على فهمٍ واضح للواقع.

ولهذا كان الأحنف بن قيس مختلفًا؛ فقد أدرك أن الوفد لا يحتاج إلى متحدث يكرر المطالب الفردية، وإنما يحتاج إلى من ينقل واقع مدينة بأكملها، فاختار التوقيت المناسب، والزاوية الأوسع، والخطاب الذي يخاطب عقل صاحب القرار، ولم يكن تأخره عن الكلام فراغًا أو ترددًا، بل كان جزءًا من منهج في التعامل مع الموقف؛ إذ أنصت أولًا، واستوعب المشهد، ثم تكلم حين أصبح كلامه قادرًا على إضافة ما يحتاج إليه الموقف.

كيف يتجاوز القائد المنفعة الشخصية للخدمة العامة؟

كان يمكن للأحنف بن قيس أن يسير في الطريق المعتاد، فيذكر ما يحتاج إليه هو أو ما يخص أسرته، لكنه تجاوز ذلك إلى الحديث عن البصرة وأهلها، وهذه النقلة تكشف عن مستوى عالٍ من الشعور بالمسؤولية؛ لأن الإنسان حين يرتقي في وعيه لا يعود يرى نفسه منفصلًا عن مجتمعه.

لقد وصف حال البصرة بأنها نزلت في أرض شديدة الصعوبة، بخلاف بعض الأمصار التي توفرت لها ظروف عمرانية أفضل، ثم بنى على ذلك طلبه للعناية بالمدينة ومواردها، لم يكن في كلامه اعتراض على فضل الآخرين، وإنما كان بيانًا لاختلاف الظروف والحاجة إلى عدالة تراعي طبيعة كل بيئة، وهذا هو المعنى الذي تؤكده الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل: 90)؛ فالعدل يقتضي وضع الأمور في مواضعها وإعطاء كل ذي حق حقه.

ويتجلى هذا الوعي في نصيحة الإمام الأوزاعي للخليفة أبي جعفر المنصور، حين لفت نظره إلى ضرورة تجاوز الاهتمام بالذات إلى استشعار مسؤولية الرعية، فقال: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ كُنْتَ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ مِنْ خَاصَّةِ نَفْسِكَ عَنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ أَصْبَحْتَ تَمْلِكُهُمْ، أَحْمَرِهِمْ وَأَسْوَدِهِمْ، وَمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، فَكُلٌّ لَهُ عَلَيْكَ نَصِيبٌ مِنَ الْعَدْلِ»(4)، فالمسؤولية هنا لا تتوقف عند إصلاح شأن الفرد، وإنما تتسع لتشمل من وُلِّي أمرهم جميعًا، بحيث يصبح همُّ المجتمع جزءًا أصيلًا من وعي صاحب المسؤولية.

ومن هنا يتبين أن موقف الأحنف بن قيس لم يكن مجرد عرض لحاجة مدينة، وإنما كان تعبيرًا عن انتقال في زاوية النظر؛ من السؤال عما ينفع الفرد إلى التفكير فيما يصلح الجماعة، ومن طلب المنفعة الخاصة إلى حمل همّ المجتمع، فحين يتسع وعي الإنسان بمسؤوليته، لا يعود السؤال: ماذا أحتاج أنا؟ وإنما يصبح: ماذا يحتاج الناس؟ وكيف يمكن أن تُوجَّه العناية إلى الموضع الذي تكون فيه الحاجة أشد أثرًا؟

كيف يتحول عرض المشكلة إلى اقتراح حلول؟

من أبرز ما يميز خطاب الأحنف بن قيس أنه لم يحول مجلس الخليفة إلى مجلس شكوى، بل جعله مجلس حلول، فقد وصف صعوبة الأرض، ثم انتقل إلى مطالب عملية تتعلق بالمعاش والعمران، ومنها طلبه أن يُجرى لهم نهر يستعذبون منه، وهنا تتجلى قيمة القائد الذي لا يقف عند حدود وصف الواقع، وإنما يحول معرفته بالمشكلة إلى مطالب محددة يمكن أن تسهم في معالجتها.

ويؤكد هذا المعنى موقف عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين عرض على أبي بكر الصديق رضي الله عنه رؤيته للتعامل مع جيوش الروم، فلم يكتفِ بوصف قوتهم وشدة بأسهم، بل قدم تصورًا إستراتيجيًا متدرجًا، فقال: «يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، إِنَّهَا الرُّومُ وَبَنُو الأَصْفَرِ، حَدٌّ حَدِيدٌ وَرُكْنٌ شَدِيدٌ، مَا أَرَى أَنْ تُقْحِمَ عَلَيْهِمْ إِقْحَامًا، لَكِنْ تَبْعَثُ الخَيْلَ فَتُغِيرُ فِي قَوَاصِي أَرْضِهِمْ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيْكَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ مِرَارًا أَضَرُّوا بِهِمْ وَغَنِمُوا مِنْ أَدَانِي أَرْضِهِمْ، فَقَوُوا بِذَلِكَ عَنْ عَدُوِّهِمْ، ثُمَّ تَبْعَثُ إِلَى أَرَاضِي أَهْلِ اليَمَنِ وَأَقَاصِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، ثُمَّ تَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا إِلَيْكَ»(5).

فانتقل من تقدير حجم المشكلة إلى اقتراح خطة تقوم على التدرج واستنزاف قوة الخصم وحشد الموارد قبل المواجهة، وهو ما يكشف أن التفكير القيادي لا يكتفي بتحديد الخطر، بل يبحث عن الطريقة الأكثر ملاءمة للتعامل معه.

ويتجلى جانب آخر من هذا التفكير في موقف سلمان الفارسي رضي الله عنه في غزوة «الأحزاب»، حين واجه المسلمون خطر حصار المدينة، فلم يكتفِ بوصف الخطر أو انتظار ما ستؤول إليه الأحداث، بل نقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تجربة عرفها من قبل، فقال: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِفَارِسَ إِذَا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا»(6)، فكانت الإشارة إلى الخندق حلًا دفاعيًا جديدًا على العرب، وتحولت الفكرة إلى إجراء عملي أسهم في حماية المدينة، وهنا تظهر قيمة المبادرة والابتكار في مواجهة الأزمات؛ إذ قد تتطلب المشكلة الخروج عن الحلول المألوفة والبحث عن وسيلة جديدة تتناسب مع طبيعتها.

لقد فهم الأحنف بن قيس أن مشكلة البصرة ليست مجرد ضيق مؤقت، بل مرتبطة بالبيئة والموارد، ولذلك جاءت مطالبه متجهة إلى بناء القدرة الذاتية للمدينة، فالماء ليس مجرد حاجة يومية، وإنما أساس للزراعة والعمران والاستقرار، ومن هنا يمكن فهم طلبه: «وَمُرْ لَنَا بِنَهَرٍ نَسْتَعْذِبْ مِنْهُ» باعتباره انتقالًا من وصف المعاناة إلى اقتراح معالجة عملية لأحد أسبابها، وهكذا تتكامل في موقفه عناصر القيادة الفاعلة: تشخيص الواقع، وتحديد أسبابه، واقتراح ما يمكن أن يعالجه، وعدم الوقوف عند حدود الشكوى.

ما المقومات التي جعلت عمر يصف الأحنف بالسيد؟

لم تكن شهادة عمر رضي الله عنه للأحنف بسبب فصاحة لسانه فقط، بل بسبب اجتماع صفات القيادة فيه؛ الحلم، وبعد النظر، والقدرة على تمثيل الناس دون أن يفقد احترام المقام.

فالسيادة في ميزان العقلاء ليست كثرة الأتباع ولا قوة الصوت، وإنما القدرة على حمل المسؤولية، والقيام بحقوق الناس، والتواضع لهم، وهذا المعنى يتضح في وصف أسماء بن خارجة للسيادة الحقيقية، إذ قال: «مَا أَتَانِي رَجُلٌ قَطُّ فِي حَاجَةٍ -صَغُرَتْ أَوْ كَبُرَتْ- فَقَضَيْتُهَا إِلَّا رَأَيْتُ أَنَّ قَضَاءَهَا لَيْسَ يُعَوِّضُ مِنْ بَذَلَ وَجْهَهُ إِلَيَّ، وَلَا جَلَسَ إِلَيَّ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا رَأَيْتُ لَهُ الْفَضْلَ عَلَيَّ حَتَّى يَقُومَ مِنْ عِنْدِي»، فقال له عبدالملك بن مروان: «حَقٌّ لَكَ أَنْ تَكُونَ شَرِيفًا سَيِّدًا»(7.

فالسيد، بهذا الميزان، ليس من يطلب من الناس أن يعظموه، وإنما من يجعل مكانته وسيلة لقضاء حوائجهم، ويرى لمن يقصده فضلًا عليه، وتتجاوز السيادة هذا المعنى إلى القدرة على الإصلاح وتحمل مسؤولية الجماعة.

وهو ما يتجلى في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما، حين قال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»(8)، فلم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم السيادة مجرد منزلة أو وجاهة، وإنما قرنها بالإصلاح بين الناس وجمع الكلمة وحقن الدماء؛ لتصبح السيادة مسؤولية تتجه آثارها إلى الجماعة لا إلى صاحبها وحده.

ومن هنا يمكن فهم إعجاب عمر رضي الله عنه بالأحنف وقوله: «عَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا، هَذَا وَاللَّهِ السَّيِّدُ»؛ فقد رأى أمامه رجلًا لم يستخدم فصاحته لإبراز نفسه، وإنما حمل بها قضية قومه، وعرض حاجتهم بوعي، وجمع بين حسن البيان وبعد النظر والشعور بالمسؤولية، فكانت سيادته في قدرته على حمل هم الناس وحسن تمثيلهم، لا في طلب الظهور لنفسه.

متى تتحول الكلمة البليغة إلى وسيلة للتغيير؟

يبقى موقف الأحنف بن قيس شاهدًا على أن قيمة الكلمة لا تقف عند حسن صياغتها، وإنما تظهر في قدرتها على إحداث أثر يتجاوز لحظة قولها، فقد كان الأحنف في آخر القوم، ثم تكلم بكلمة جمعت حسن البيان وقوة التأثير، فاستطاع أن يصور لعمر رضي الله عنه حال البصرة تصويرًا مؤثرًا، حتى غدا كلامه محل إعجاب وتقدير، حتى قال عمر: «عَجَزْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَ هَذَا، هَذَا وَاللَّهِ السَّيِّدُ»، فالكلمة هنا لم تكن مجرد حديث عابر، وإنما أصبحت وسيلة لإيصال المعنى وإقناع صاحب القرار وإحداث أثر في الواقع.

ويتجلى أثر الكلمة في بناء اليقين في موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه إثر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حين خطب الناس قائلًا: «فَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»(9)، فتلقاها الناس حتى صاروا يتلونها؛ فكانت الكلمة في تلك اللحظة وسيلة لتثبيت الجماعة وبناء الوعي بعد زلزال الفقد.

ولا يقتصر أثر الكلمة البانية على تثبيت اليقين، بل قد تمتد وظيفتها إلى إصلاح ما يعتري النفوس من مشاعر، وإعادة تأليف القلوب، وهو ما ظهر في خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار بعد غزوة «حنين»، حين خاطبهم بما أزال ما وجدوه في أنفسهم، فقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رِحَالِكُمْ؟»، فكانت كلماته صلى الله عليه وسلم جسرًا لإعادة بناء الثقة وتأليف القلوب، حتى بكوا وقالوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قَسْمًا وَحَظًّا(10).

وهكذا تتضح حقيقة الكلمة البانية؛ فهي قد تثبت يقينًا في لحظة اضطراب، أو تعيد الثقة إلى نفوس أنهكها الشعور بالعتب، أو تفتح لصاحب القرار طريقًا إلى معالجة حاجة الناس، وبذلك لا تنتهي الكلمة بانتهاء صوت قائلها، بل يمتد أثرها إلى النفوس والمواقف، فتغدو وسيلةً للبناء والإصلاح.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 90). شرح النص: وفد الأحنف بن قيس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوصف أرض البصرة بأنها «سَبِخة» مالحة لا تصلح للزراعة بسهولة، «زَعِقة» شديدة الملوحة، «نَشَّاشة» كثيرة الماء والرطوبة، تقع بين «فَلاة» أرض قفر لا ماء فيها، و«بحر أُجاج» شديد الملوحة لا يستساغ شربه، وأن ثمارهم تأتيهم «في مثل عين البعير»؛ أي في قدر ضيق جدًا كعين البعير الصغيرة، كناية عن قلة ما يصلهم من الخصب، و«كالحِوار في السَّلَى»؛ الحِوار: ولد الناقة حين يوضع، والسَّلَى: الغشاء الرقيق الذي يخرج فيه الولد ملفوفًا من بطن أمه؛ أي محصورين في ضيق كمن في السَّلَى، وأن الأشياء لا تصلهم إلا «في مِثْلِ مَرِيء النعامة» موضع ابتلاع الطعام في حلقها، يُضرب به المثل في الضيق؛ أي لا يصلهم الشيء إلا بقدر قليل وبصعوبة، وطالب عمر بأن «يرفع خَسِيسَتَهم» يرفع قدرهم ويحسن حالهم، و«ينعش كِيستَهم» يقوي مواردهم، و«يصغِّر درهمَهم» يزيد قيمته الشرائية، و«يكبِّر قَفِيزَهم» يزيد مقدار ما يُعطَون من الغلة، وأن يجري لهم «نهرًا يستعذبون منه» ماءً عذبًا مستساغًا، فأعجب عمر بفصاحته وحسن سياسته، وقال: «هذا والله السيد» صاحب السيادة والرأي القادر على تدبير قومه.
  • 2 أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن (838).
  • 3 المغازي: الواقدي (1/ 53).
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (4/ 54).
  • 5 تاريخ دمشق: ابن عساكر (2/ 63).
  • 6 تاريخ الرسل والملوك: الطبري (2/ 566).
  • 7 مكارم الأخلاق: الخرائطي (57).
  • 8 أخرجه البخاري (2704).
  • 9 أخرجه البخاري (1241).
  • 10 أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن (11730).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة