فقه الاستمرار في الطاعة..

كيف يحفظ المؤمن توازنه في العبادة؟ موقف العلاء بن زياد

د. نصر حسن

13 سبتمبر 2026

72

مشهد تعبيري يعكس معنى العبادة المتوازنة، يجمع بين الخلوة الروحية والعمل والحياة اليومية، مستلهمًا قصة أحد عباد التابعين في البصرة.

أورد الذهبي عن هشام بن حسان أنه قال: «كان العلاء يصوم حتى يخضر، ويصلي حتى يسقط، فدخل عليه أنس والحسن، فقالا: إن الله لم يأمرك بهذا كله»(1).

يكشف هذا الأثر عن مشهد من مشاهد التربية الإيمانية في جيل التابعين؛ جيلٍ كانت فيه القلوب شديدة التعلق بالآخرة، والنفوس تتنافس في ميادين الطاعة والزهد، وقد نشأ هذا الموقف في مدينة البصرة، التي كانت في القرن الأول والثاني الهجري من أبرز مراكز العلم والعبادة، حيث اجتمع فيها فقه الصحابة، وورع التابعين، وظهرت فيها نماذج عالية من الخوف والإنابة.

ولا يصح النظر إلى قصة العلاء بن زياد على أنها مجرد موقف من المبالغة في العبادة، بل هي نافذة لفهم قضية أوسع: كيف يوازن الإنسان بين قوة الإقبال على الله وبين مراعاة سنن النفس والجسد؟ وكيف يتدخل أهل العلم والتربية حين تتحول الفضيلة من باب القرب إلى باب المشقة التي قد تهدد القدرة على الاستمرار؟

حين يحتاج الإخلاص في العبادة إلى الحكمة

كان العلاء بن زياد من عباد أهل البصرة المعروفين بالخشية والرقائق، وكانت البيئة التي عاش فيها مليئة بمشاهد التحول الحضاري بعد اتساع الدولة الإسلامية، فقد دخلت على المسلمين ألوان من الدنيا لم تكن معروفة في بدايات الإسلام، فظهر عند بعض العباد اتجاه قوي نحو الزهد والتفرغ للآخرة، وقد وصف الحسن البصري حال الزاهدين فقال: «لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقوامًا يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتًا؛ فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله عز وجل، فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه»(2).

وفي هذا السياق نفهم شدة اجتهاد العلاء بن زياد؛ فقد كان يتحرك من إحساس عميق بقصر الدنيا وعظمة الوقوف بين يدي الله، ولم يكن الدافع عنده حب الظهور أو طلب المكانة، وإنما خوف صادق ورغبة في النجاة؛ قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60)، قال ابن كثير: «يعطون العطاء وهم خائفون ألا يتقبل منهم»(3)، فحال المؤمن أنه يجتهد في الطاعة، وقلبه مشفق من ألا تُقبل منه.

لكن التربية الإسلامية لا تنظر فقط إلى قوة الدافع، بل تنظر أيضًا إلى صحة الطريق الذي يسلكه الإنسان لتحقيق غايته، فالإخلاص وحده لا يكفي إذا انفصل عن الفقه والحكمة؛ لأن العبادة في الإسلام بناء متوازن يحفظ القلب والجسد والحقوق.

ومن هنا جاء تدخل أنس بن مالك والحسن البصري؛ فلم يكن اعتراضهما على عبادة العلاء بن زياد، وإنما كان توجيهًا لمسارها حتى تبقى عبادة نافعة مستمرة.

كيف عالج الإسلام استنزاف النفس في الطاعات؟

تظهر في قصة العلاء بن زياد صورة نفس مؤمنة بلغت درجة عالية من الشغف بالعبادة، حتى بلغ في اجتهاده حدًّا لفت أنظار من حوله، فخشيا عليه من المشقة والاستنزاف، وهذه الحالة تكشف جانبًا مهمًا من طبيعة الإنسان؛ فالقوة الروحية إذا لم يصاحبها علم بالحدود قد تدفع صاحبها إلى المبالغة في تحميل نفسه ظنًا منه أن كثرة المشقة دليل على علو المقام.

والإسلام لا يجعل الألم هو معيار القرب من الله، وإنما يجعل معيار القرب هو موافقة العمل للشرع وحسن القصد واستقامة الأثر.

قال الله تعالى: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه: 2)، وفسر الطبري معنى الآية بقوله: «ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل، وذكر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النصب والعناء والسهر في قيام الليل»(4)، والآية في سياقها تبين أن إنزال القرآن لم يكن لإعنات النبي صلى الله عليه وسلم وإشقائه، وإنما لهدايته وتذكيره؛ ومن ثم فهي تنسجم مع الأصل العام في الشريعة الذي يرفع الحرج ولا يجعل التكلف والمشقة غاية في ذاتها.

ويظهر هذا المعنى في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه على الاعتدال، فعندما أراد بعضهم المبالغة في القيام والصيام وترك الزواج، بيّن لهم أن كمال التقوى لا يكون بالإفراط، فقال: «أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، ‌فَمَنْ ‌رَغِبَ ‌عَنْ ‌سُنَّتِي ‌فَلَيْسَ ‌مِنِّي»(5)، فكان هديه صلى الله عليه وسلم ميزانًا يضبط حماس النفس، ويوجهها إلى العبادة الموافقة للشرع دون غلو أو استنزاف.

فكمال العبادة ليس في مخالفة الطبيعة البشرية، بل في تهذيبها وتوجيهها.

التدخل المبكر لحماية أصحاب الإنجاز من الاستنزاف

يمثل موقف أنس بن مالك والحسن البصري نموذجًا فريدًا في القيادة التربوية؛ فقد رأيا في العلاء بن زياد طاقة إيمانية عظيمة، لكنهما أدركا أن هذه الطاقة تحتاج إلى توجيه حتى لا تتحول إلى احتراق.

فالقيادة الحقيقية لا تكتفي بتشجيع أصحاب الهمم العالية، بل تحميهم أيضًا من تجاوز الحدود، وقد يكون من أصعب أنواع التربية أن تقول لصاحب الإنجاز: خفف، ولصاحب الاجتهاد: توازن، ولصاحب العطاء: إن استمرارك جزء من رسالتك، وهذا ما يتجلى في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين عزم على قيام الليل وصيام النهار دائمًا، فقال له: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ‌فَصُمْ ‌وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ»(6)؛ فلم يكن هذا التوجيه تقليلًا من همته، وإنما حماية لها من أن تتجاوز قدرته على الاستمرار.

لقد كان بإمكان القائد أن يكتفي بالإعجاب بحماس صاحب الهمة، لكنه اختار مقام التوجيه؛ لأن القيادة التربوية الواعية لا تنتظر ظهور آثار الاستنزاف حتى تتدخل، بل تلاحظ مظاهر الإفراط وتبادر إلى التقويم قبل أن يتحول الاجتهاد إلى إنهاك، ومن هنا تتجاوز الرعاية التربوية مجرد تصحيح الخطأ إلى متابعة الإنسان، وتسديده، وحفظه من أن تضرّه حماسته وهو يطلب الخير، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه الحسن البصري بقوله: «المؤمن مرآة أخيه إن رأى فيه ما لا يعجبه سدده وقومه وحاطه ‌وحفظه ‌في ‌السر ‌والعلانية»(7)، فالمربي الحقيقي لا يكتفي برؤية نجاح من يوجّهه، بل يراقب توازنه، ويسدده عند الحاجة، ويحوطه ويحفظه من أن تؤدي حماسته إلى استنزاف نفسه.

وهذا المعنى حاضر في واقع المؤسسات والدعوة والتعليم اليوم؛ فكم من أصحاب المواهب العالية استنزفوا أنفسهم بسبب غياب التوجيه، وكم من مشاريع نافعة توقفت لأن أصحابها لم يتعلموا فقه الاستمرار.

حين تصبح رعاية الجسد شرطًا لمواصلة الطريق

من المعاني العميقة التي يبرزها هذا الموقف أن الجسد في التصور الإسلامي ليس عدوًا للروح، وإنما هو الوعاء الذي تحمل به النفس مسؤولياتها، ويؤكد موقف سلمان الفارسي مع أبي الدرداء هذا المعنى بوضوح؛ إذ لم يرَ سلمان أن مراعاة حق النفس والجسد عائقًا أمام العبادة، بل عدّ إعطاء كل ذي حق حقه جزءًا من العبادة المتوازنة التي تحفظ للإنسان قدرته على مواصلة مسؤولياته، فقال لأبي الدرداء: «إِنَّ ‌لِرَبِّكَ ‌عَلَيْكَ ‌حَقًّا، ‌وَلِنَفْسِكَ ‌عَلَيْكَ ‌حَقًّا، ‌وَلِأَهْلِكَ ‌عَلَيْكَ ‌حَقًّا، ‌فَأَعْطِ ‌كُلَّ ‌ذِي ‌حَقٍّ ‌حَقَّهُ»(8)، فهذا التوجيه يقرر بوضوح أن العبادة لا تعني إهدار حق النفس والجسد، وإنما تقتضي الموازنة بين حق الله وسائر الحقوق التي استرعاها الله للإنسان.

وإذا كانت النفس لها حق، فإن هذا الحق ليس ترفًا يملكه الإنسان أو يتنازل عنه كيف شاء، بل هو أمانة ومسؤولية؛ فالإنسان لا يملك نفسه ملكًا مطلقًا يهدرها كيف شاء، بل هو مؤتمن عليها، ومن حق هذه النفس أن تُعطى ما يعينها على مواصلة الطريق، ويؤكد ذلك توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يغلبه النعاس في الصلاة: «‌إِذَا ‌نَعَسَ ‌أَحَدُكُمْ ‌وَهُوَ ‌يُصَلِّي ‌فَلْيَرْقُدْ ‌حَتَّى ‌يَذْهَبَ ‌عَنْهُ ‌النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ»(9)؛ فمراعاة حال الجسد هنا لا تعني ترك العبادة، وإنما أداؤها في حال تمكن الإنسان من أدائها بوعي واستقامة، وهو مبدأ لا يقتصر على حال العبادة، بل يمتد إلى كل مسؤولية تحتاج إلى طاقة متجددة وقدرة على الاستمرار.

ومن هنا يظهر أثر هذا المبدأ في واقع الحياة المعاصرة؛ فالمعلم الذي يهلك نفسه لا يستطيع التعليم، والداعية الذي يستنزف طاقته بالكامل قد ينقطع عن الناس، والوالد الذي يهمل صحته قد يعجز عن رعاية أسرته، فالعناية بالنفس في هذه الصور ليست ترفًا، وإنما شرطٌ للوفاء بالمسؤولية وحسن أداء الرسالة.

فليس حفظ الجسد خروجًا عن العبادة، بل هو مما يعين على إتمامها؛ والاعتدال ليس نقصًا في الهمة، وإنما فقهٌ يحفظ للإنسان قدرته على الخير.

حين يمتد أثر الطاعة إلى عمارة الأرض

لا تقف آثار التوازن في العبادة عند حفظ طاقة الفرد، بل تمتد إلى قدرته على القيام برسالته تجاه الناس والمجتمع، فقد يبدو الزهد في ظاهره شأنًا فرديًا، لكنه يحمل أثرًا اجتماعيًا أيضًا، فالنماذج البشرية تؤثر في المجتمع؛ وإذا انتشر نموذج لا يمكن لأغلب الناس تحمله، فقد يشعر العامة بالعجز بدل أن يشعروا بالاقتداء.

ولهذا جاءت الشريعة بنموذج العبادة الممكنة المستمرة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أعبد الناس، ومع ذلك كان يعيش بين الناس، ويباشر شؤون الحياة، ويقوم بحقوق الأسرة والمجتمع، وقد تجلى ذلك حين شارك أصحابه في بناء المسجد النبوي(10)، فلم تكن العبادة عنده انفصالًا عن واقع الناس، بل قوةً تدفع إلى العمل والبناء والإصلاح.

إن الحضارة الإسلامية لم تُبنَ على الرهبانية المنقطعة، وإنما على الإنسان الذي يعبد الله وهو يعمل، ويبني، ويصلح، ويشارك في عمارة الأرض، ومن هنا كان الزهد الحقيقي تحريرًا للإنسان من التعلق بالدنيا، لا انسحابًا من مسؤولياته تجاهها.

ويتجلى هذا المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حلف الفضول؛ فقد شهد هذا الحلف لنصرة المظلوم قبل البعثة، ثم قال بعد الإسلام: «وَلَوْ أدعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لأجبتُ»(11)، فدلّ ذلك على أن القيم التي تحقق العدل وتحمي حقوق الناس ليست غريبة عن روح الرسالة، بل من المعاني التي تستحق أن تُحمل إلى واقع المجتمع، وأن الرسالة لا تقف عند إصلاح الفرد في عبادته، بل تمتد إلى إصلاح المجتمع وحماية حقوق أفراده.

ويؤكد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «‌الْمُؤْمِنُ ‌الَّذِي ‌يُخَالِطُ ‌النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»(12)؛ فالعبادة لا تعزل صاحبها عن الناس، وإنما تؤهله لحضورٍ أكثر نفعًا وصبرًا وإصلاحًا.

ومن هنا يظهر أن التوازن ليس تنازلًا عن الكمال، بل هو الطريق الذي يجعل الكمال ممكنًا في حياة الإنسان؛ إذ لا تكتمل ثمرة العبادة حين تعزل صاحبها عن واجباته، وإنما حين تدفعه إلى أداء رسالته في الحياة.

وهكذا لا يبقى أثر العبادة محصورًا في صاحبها، بل يمتد إلى المجال الذي يعيش فيه؛ فيغدو صلاح الفرد أساسًا لصلاح المجتمع، وتتحول العبادة من ممارسة فردية إلى قوة فاعلة في بناء الحياة.

لماذا يفضل الإسلام العمل الدائم وإن قل؟

من أعظم القواعد التربوية التي ترشد إليها السنة أن العمل المستمر، وإن كان قليلًا، خير من العمل الكثير الذي ينقطع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ‌أَدْوَمُهَا ‌وَإِنْ ‌قَلَّ»(13)، فهذا الحديث يضع أصلًا تربويًا عظيمًا؛ إذ يجعل معيار القبول والمحبة مرتبطًا بدوام العمل وثباته، لا بمجرد كثرته أو قوة بدايته.

وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه القاعدة في سيرته العملية، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كَانَ ‌عَمَلُهُ ‌دِيمَةً»(14)، أي كان عمله مستمرًا ثابتًا لا ينقطع، فكانت حياته صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًا لمعنى الدوام الذي أرشد إليه أصحابه وأمته.

وهذه القاعدة تتجاوز العبادة إلى كل مجالات الحياة؛ فالنجاح العلمي، والتربوي، والدعوي، والمهني، لا يقوم على موجات مؤقتة من الحماس، بل على بناء عادات ثابتة وطاقة يمكن المحافظة عليها، ولهذا لم يكن الاستمرار في المنهج النبوي قائمًا على تحميل النفس ما لا تطيق، بل على اختيار العمل الذي يمكن الثبات عليه؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌خُذُوا ‌مِنَ ‌الْأَعْمَالِ ‌مَا ‌تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»(15)، فدوام الطريق ثمرة التوازن بين قوة العزيمة ومعرفة حدود الطاقة، حتى يبقى العمل حاضرًا ولا يتحول الاجتهاد إلى انقطاع.

فالإنسان ليس آلة تعمل بلا توقف، وإنما هو كائن يحتاج إلى تجديد واستراحة ومراجعة، وكل مشروع عظيم يحتاج إلى نفس طويل، لا إلى اندفاع قصير؛ لأن الإنجازات الكبرى لا تصنعها لحظات الحماس العابرة، وإنما تصنعها الأعمال الصغيرة التي تستمر حتى تنضج وتبلغ أثرها.

المنهج النبوي في تقويم الأخطاء برحمة وحكمة

أجمل ما في موقف أنس والحسن أنه لم يكن نقدًا لعبادة العلاء بن زياد، بل كان رحمة به؛ فالنصيحة في المنهج الإسلامي ليست كشفًا للخطأ بقصد الإدانة، وإنما حماية للمحبوب من أن يضر نفسه، وهذا المعنى هو الذي يجعل النصيحة عملًا من أعمال الرحمة والإصلاح، لا موقفًا من مواقف المحاكمة والتشهير، وقد أرشد القرآن إلى هذا المنهج في الدعوة والإصلاح، فقال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125)؛ فالحكمة وحسن الموعظة يجعلان تصحيح الخطأ وسيلةً للإصلاح، لا سببًا لجرح النفس أو تنفيرها.

ومن هنا تتضح دقة التربية النبوية؛ فالمربي الناجح يرى النية الطيبة، لكنه يصحح الطريق، ويحترم حرارة الإيمان، لكنه يضيف إليها نور العلم، وهذا هو الأسلوب الذي تجسّد في مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع من احتاجوا إلى التوجيه؛ إذ لم يكن تصحيح الخطأ عنده قائمًا على إدانة صاحبه، وإنما على فهم حاله واختيار المدخل الذي يقوده إلى الصواب، ويتجلى ذلك بوضوح في موقفه صلى الله عليه وسلم مع الشاب الذي جاءه يستأذنه في الزنا، فلم يعنفه ولم يفضحه، بل حاوره برفق، وقال له: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟» ثم لأخته وعمته وخالته، حتى استقبح الشاب ذلك لنفسه، ثم وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليه ودعا له، فخرج الشاب وقد تغيّر قلبه وموقفه(16)، وهكذا تحولت النصيحة من مجرد إنكار للخطأ إلى معالجة هادئة لأسبابه وآثاره، فكان المقصود إصلاح الإنسان لا إدانته.

وإذا كان هذا هو منهج التربية النبوية، فإن الحاجة إليه تزداد في زمن تكثر فيه مظاهر الإفراط والتفريط؛ إذ يحتاج الناس إلى هذا النوع من التربية: تربية تجمع بين تعظيم العبادة وتعظيم الحكمة، وبين قوة الإرادة ورحمة الإنسان بنفسه، فليس المقصود أن تُترك الأخطاء دون تصحيح، ولا أن تُقبل المبالغة دون توجيه، وإنما أن يأتي التصحيح في صورة تحفظ للإنسان كرامته، وتعينه على الاستقامة، وتدفعه إلى الاعتدال دون أن تطفئ في داخله الرغبة في الخير.

ومن هنا تأتي دلالة قصة العلاء بن زياد بصورة أعمق؛ فهي لا تعلمنا فقط كيف كان السلف يعبدون الله، بل تعلمنا أيضًا كيف كان علماؤهم يحفظونهم من أن تتحول العبادة إلى مشقة تقطع الطريق، فالقرب من الله ليس في إنهاك الجسد، وإنما في أن يبقى القلب حيًا، والعمل مستقيمًا، والطريق ممتدًا حتى يلقى الإنسان ربه.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 204).
  • 2 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (6/ 113).
  • 3 تفسير ابن كثير (5/ 480).
  • 4 تفسير الطبري (16/ 7).
  • 5 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (5063)، ومسلم (1401).
  • 6 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1976)، ومسلم (1159).
  • 7 الإخوان: ابن أبي الدنيا (107).
  • 8 أخرجه البخاري (1968).
  • 9 المرجع السابق (212).
  • 10 متفق عليه، أخرجه البخاري (428)، ومسلم (524).
  • 11 سيرة ابن هشام (1/ 134).
  • 12 أخرجه أحمد في مسنده بسند صحيح (23098).
  • 13 متفق عليه، أخرجه البخاري (6465)، ومسلم واللفظ له (783).
  • 14 متفق عليه، أخرجه البخاري (6466)، ومسلم (783).
  • 15 متفق عليه، أخرجه البخاري (5861)، ومسلم (782).
  • 16 أخرجه أحمد في مسنده بسند صحيح (22211).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة