كيف نحمي الشباب من الإلحاد الجديد؟

في غابر التاريخ، لم يكن الإلحاد معروفًا لدى عامة الناس، فالغالبية الساحقة منهم كانت ذات اعتقاد في وجود إله خالق لذلك الكون، وإن كان تصورهم للإله قد تباين واختلف، ولم يبرز بالإلحاد والتفسير المادي للوجود إلا أفراد متناثرون في الزمان والمكان، فكان ديموقريطس من بين فلاسفة الطبيعة الأوائل، وأبيقور في العصر الهلينيستي.

ومضى الفكر الإنساني بتلك الوتيرة قرونًا عديدة، حتى قرني عصر النهضة والتنوير (السابع عشر والثامن عشر)، ففيهما وضعت بذور الإلحاد بالاجتراء على نقد الدين ومجابهة سلطان الكنيسة، وتولى كبر هذا بعض رموز الفكر ذائعي الصيت، مثل فرانسوا فولتير، وديفيد هيوم، وعلى ذلك لم تكن الصراحة في الإلحاد منهما، ولا ممن نسج على منوالهما، وإنما السفور في الإلحاد والجهر به كان بعد ذلك.

متى نشأ الإلحاد؟

ففي القرن التاسع عشر الميلادي، ظهر الإلحاد كتيار واضح المعالم، له منابره وكتبه ومنظومته الفكرية الواضحة، وبرز كارل ماركس، وفردريك نيتشه كأكبر دعاة للإلحاد السافر، لتسهم أفكارهما، مع دعاة للإلحاد كثر على الساحة الغربية، في اندلاع موجة عارمة من الإلحاد، فصار مذهبًا معتمدًا لدول كبرى، كالاتحاد السوفييتي والصين، ومنهما تناثرت دويلات عدة في عموم الأرض تعتمد الإلحاد اعتمادًا رسميًا.

ثم وقعت هجمات 11 سبتمبر لتكون علامة فارقة، ولتدشن بعدها حقبة جديدة من الإلحاد تسمت بالإلحاد الجديد، وبرز مفكرون كبار كمنظرين لتلك الحقبة، أمثال سام هاريس، وريتشارد دوكينز.

امتداد الفكر الإلحادي لبلاد المسلمين

لم تكن بلادنا بمنأى عما يجري في بلاد الغرب، فإنها وإن بقيت في عافية إبان العصر الوسيط، فلم تدم لها العافية في العصر الحديث، فقد تسلل إليها تيار الإلحاد، وإن كان على توجس منه وحذر في مبدئه، إلا أنه انفلت من عقال حذره، ليعلو صوته وينادي به كثير من رجال الثقافة والإعلام، يعينهم على الجهر ما عليه بلاد الغرب، منشأ الإلحاد، من قوة وتقدم، وما عليه بلادنا من ضعف وتخلف.

وقد أثار الجهر منهم حفيظة المفكرين الذين بهم غيرة على دينهم، فنهضوا للمجابهة، وبذلوا غاية الوسع فيها، فكان من ذلك مصاولة حامية أسفرت عن تقويض دعاة الإلحاد، وأفضت إلى إثارة جماهير المسلمين في وجه هؤلاء الدعاة، فباؤوا بالنبذ والكراهية، وخبا صوتهم الجهوري إلى حين، حتى حلت ببلاد المسلمين نكبات قاسيات، ثم أخفقت مشاريع إسلامية كان معولًا عليها من شعوب المسلمين لتقيلهم من عثراتهم.

وعند ذاك تهيأت الحال لدعاة الإلحاد كرة أخرى، ليعودوا إلى دعوتهم من جديد، وليجهروا بإلحادهم كما جهروا به أول مرة، وليعرضوه سافرًا ويسوقونه تسويقًا، وهو ما يثير الخوف ويبعث بالقلق، فهل يهب رجال الفكر الغيورون ليذودوا عن حياض المسلمين كما ذاد الذين من قبلهم؟

أساليب الملحدين الجدد

كان الملحدون الذين سبقوا صرحاء في إلحادهم، ودخلوا في مواجهة مباشرة مع الدين، فأنكروه كلية، وأنكروا ما فيه من غيبيات، بل أوغلوا في الإنكار حتى اجترؤوا على التهكم منه والسخرية، وهو ما عراهم أمام شعوب البلاد، فاحترسوا منهم وأضمروا لهم البغضاء.

أما ملاحدة اليوم، فقد استوعبوا ما كان من أسلافهم، واستدركوا عليهم صراحتهم، ورأوها خطأ مبينًا، فاجتنبوها، وراحوا يسلكون دروبًا من الخباثة تواري سوأتهم عن أكثر الناس، فاجتنبوا مباشرة المواجهة، وعمدوا إلى التشكيك الخبيث في بعض ثوابت الدين، والنقد لكثير من رموزه، دون أن يمسوا كتاب الله بسوء.

لكنهم سفهوا على كتب الحديث، وفي القلب منها كتاب صحيح البخاري، وناوروا حول كبار الصحابة من غير الطعن فيهم، لكنهم أعملوا ذلك الطعن في كثير من الصحابة، سيما رواة الأحاديث، فانطلى أمرهم على كثير، لا سيما الشباب.

ومما زاد الطين بلة أن هجمتهم تزامنت مع عسر خانق اتسمت به الحياة، وانسداد للأفق أمام الشباب، فأحدث فيهم ذلك تشاؤمًا خلّف فيهم ضعفًا جعلهم لقمة سائغة لهؤلاء الملحدين، فأوقعوا جموعًا غفيرة في براثنهم، وذلك يجعل المسؤولية جسيمة على من يعنيه أمر الشباب من دعاة ومفكرين.

إستراتيجية المواجهة

1- أول ما يتوجب على الدعاة، وكل من يعنيه الشأن، أن يتبنوا منهجًا تربويًا يتعهد الأجيال الشابة، فيغرس فيهم غرس الإيمان بإرشادهم إلى ربهم، وتحبيبهم فيه، وحثهم على الاجتهاد في العبادات التي من شأنها إنبات ذلك الإيمان، وهو خير مجنة تقي قلوبهم مزالق الفتن، وخير حصن يجعلها في مناعة من سهام الإلحاد، فلا تنفذ إليهم، وإن تتابع رميها من راميها.

2- وفي ذات الآن، يأخذ المفكرون على عواتقهم مهمة التفنيد لكل شبهة تلقى على مسامع الشباب، وتصدير الردود الحاسمة عليها لجميع الجماهير، حتى لا تبقى ذات قوة وذات وقع على القلوب، ومما ييسر من تلك المهمة أن كل شبهات المبطلين بها وهن، ولها عورات، وإن أصحابها ما كان لهم بها من سلطان، لولا تلك الحالة المزرية التي صنعتها أزمات الحياة، أو صنعها القهر والطغيان في بعض بلدان المسلمين.

3- ثم يبقى أن يعمد الدعاة والمفكرون إلى الأسس التي يرتكز عليها بنيان الإلحاد، فيعملوا فيها معاول النقد حتى يتزعزع ذلك البنيان، وما أوهاه من بناء!

وأكثر الأسس التي يستعينون بها هي ما اعتمدته الفلسفتان العقلانية والتجريبية، وقد زعموا أنهم بهاتين الفلسفتين قد عفوا على الدين وتجاوزوه، فما عاد بالناس حاجة إليه، وبقليل من التأمل ستتبين حقيقة الفلسفتين؛ فالأولى أودت بأصحابها إلى متاهات من الحيرة والقلق، ولم يحرزوا بها اهتداءً من حيرتهم التي بقيت فيهم بالآلام وأوجاع النفس، والثانية قامت على احتمالات لا جزم بصحتها، وإن ترتب على ما قالت منجزات غيرت وجه الحياة، فلا يصح أن تكون دليلًا لأصحابها، إذ المنطق قضى بأن ما تطرق إليه الاحتمال يسقط به الاستدلال.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة