تأثير الأسرة في تربية الأبناء

كيف ربى عبدالله بن أبي طلحة عشرة من أهل القرآن والعلم؟

كيف ربى عبدالله بن أبي طلحة عشرة من أهل القرآن والعلم؟

قال الذهبي: «نَشَأَ عَبْدُاللهِ بنَ أَبِي طَلْحَةَ(1) وَقَرَأَ العِلْمَ، وَجَاءهُ عَشْرَةُ أولاد قرؤوا القُرْآنَ، وَرَوَى أَكْثَرُهُم العِلْمَ، مِنْهُم إِسْحَاقُ بنُ عَبْدِاللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، شَيْخُ مَالِكٍ، وَعَبْدُاللهِ بنُ عَبْدِاللهِ»(2).

هذه الكلمات الموجزة تحمل وراءها قصة بناء حضاري كاملة؛ فالمؤرخ حين يذكر اسم عبدالله بن أبي طلحة لا يقف عند فردٍ من أفراد الجيل الأول، بل يشير إلى نموذج أسرة تحولت إلى قناة لنقل القرآن والعلم، فالمشهد هنا ليس في ساحات المعارك ولا في مجالس السلطان، وإنما في المكان الأكثر تأثيرًا في صناعة الإنسان؛ البيت.

ففي المدينة المنورة، حيث كانت حلقات الصحابة والعلماء تتشكل، ظهر نموذج الأب الذي لم يكن مشروعه أن يترك مالًا فقط، بل أن يترك رجالًا يحملون رسالة العلم، ومن هنا تأتي أهمية قراءة هذه الترجمة؛ فهي تكشف كيف تتحول الأسرة من وحدة اجتماعية صغيرة إلى مؤسسة علمية ممتدة الأثر.

نشأة عبدالله بن أبي طلحة في بيت الصحابة

عبدالله بن أبي طلحة هو ابن الصحابي الجليل أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، وأمه أم سليم رضي الله عنها، صاحبة المواقف المشهورة في الصبر والإيمان، وقد ورد في صحيح مسلم قصة صبر أم سليم حين توفي ابن لها، فحفظت تماسك الأسرة، ثم بشّر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة ببركة ذريتهما، وكان من تلك الذرية عبدالله، الذي سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم وحنّكه(3).

ولا ينبغي أن يُفهم معنى البركة هنا فهمًا آليًا مجردًا، فكلمة البركة في التراث الإسلامي لا تعني إلغاء الأسباب، بل تعني اجتماع التوفيق الإلهي مع الأخذ بالأسباب، فقد نشأ عبدالله في بيت يجمع ثلاثة عناصر؛ صحبة الصحابة، وبيئة المدينة العلمية، والأصل التربوي القائم على الإيمان، ومن هنا، فإن عبارة الذهبي: «نشأ عبدالله، وقرأ العلم» ليست جملة عابرة؛ فهي ترسم المرحلة الأولى في صناعة العالم؛ تكوين الشخص قبل أن يكون مُكوِّنًا لغيره، فلم يبدأ أثر عبدالله من أبنائه، بل بدأ من البيئة التي صاغت شخصيته.

من بركة الذرية إلى استمرار الرسالة

البركة في حياة عبدالله بن أبي طلحة لم تكن مجرد نسب أو دعاء سابق، بل ظهرت في صورة عمل متواصل؛ فقد كان البيت الذي خرج منه بيت قرآن وعلم، وهذا المعنى يوافق القاعدة القرآنية في أن صلاح الذرية ثمرة لصلاح الأصول، قال تعالى: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا ‌صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) (الكهف: 82)، وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ‌هَبْ ‌لَنَا ‌مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 74).

فالآية لا تجعل قرة العين في كثرة الأبناء وحدها، بل في صلاحهم وهدايتهم، ثم تجعل الغاية الكبرى أن يكون الإنسان قدوةً للمتقين، وهنا يظهر الفرق بين مفهومين؛ كثرة الأبناء باعتبارها عددًا، وكثرة الأبناء باعتبارها أثرًا، فقد يترك الإنسان ذرية كثيرة لا تمتد بعده، وقد يترك بيتًا صغيرًا لكنه يصنع رجالًا يبقى أثرهم قرونًا.

وقد شبّه العلماء الولد الصالح بالصدقة الجارية؛ لأن أثر الإنسان لا ينقطع بانقطاع حياته إذا بقي علم أو صلاح ينتقل عبر ذريته.

وفي الواقع المعاصر، نجد أن كثيراً من الأسر تنشغل بتأمين مستقبل الأبناء المادي، وهذا مطلوب، لكن نموذج عبدالله بن أبي طلحة يذكّرنا بأن أعظم استثمار بناء الشخصية والقيمة والرسالة، فالبركة ليست فيما يكثر حول الإنسان، بل فيما يستمر أثره بعد رحيله.

لماذا تسبق القدوة كلمات التربية؟

تربية 10 أبناء على القرآن والعلم ليست مجرد عملية تعليمية، بل هي مشروع نفسي طويل يحتاج إلى صبر وثبات وقدرة على التعامل مع اختلاف الطبائع، فالأسرة ليست مصنعًا ينتج نسخًا متطابقة؛ كل ابن له مزاجه واستعداداته وميوله، ولذلك فإن نجاح عبدالله في أن يكون أكثر أبنائه من أهل العلم يدل على وجود بيئة تربوية مستقرة، لا مجرد توجيه عابر.

إن الطفل لا يتعلم من الكلمات فقط، بل يتشرب النمط الذي يراه أمامه، ولهذا كان أول ما ذكره الذهبي: «نشأ عبدالله، وقرأ العلم»، قبل ذكر أبنائه، فالإنسان غالبًا ينقل ما عاشه قبل أن ينقل ما يقوله، وفي علم التربية الحديث يكثر الحديث عن أثر القدوة والنموذج، وهو معنى أصيل في التربية الإسلامية؛ قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ‌أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21)، فالأسوة تسبق التعليم النظري.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في العمل قبل القول؛ ما أدى إلى حسن الاقتداء به، ففي الصحيحين عَنْ ‌أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ‌الْبَرَاءِ فَقَالَ: أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ «حُنَيْنٍ» يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَلَّى، وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ، وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ، فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ، كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا.

فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ، فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنَا ‌النَّبِيُّ ‌لَا ‌كَذِب، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ».

قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(4).

من قراءة القرآن إلى رواية العلم

تكمن دلالة النص في التدرج الذي ذكره الذهبي: «قرؤوا القرآن، وروى أكثرهم العلم»، فالمسار ليس عشوائيًا؛ حيث يبدأ بالقرآن بوصفه تأسيسًا للهوية والمعيار، ثم ينتقل إلى الرواية والعلم بوصفهما إنتاجًا معرفيًا، وهذا يوافق منهج السلف في بناء طالب العلم؛ فلم تكن العلوم عندهم منفصلة عن تزكية القلب وضبط السلوك.

ومن أبناء عبدالله بن أبي طلحة برز إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، الذي كان من الثقات، وروى عنه الإمام مالك وغيره، وهنا تظهر قاعدة مهمة: الأسرة العلمية لا تصنع حافظًا فقط، بل تصنع حامل رسالة، فالقرآن عند السلف لم يكن مجرد مادة محفوظة، وإنما كان أساسًا لفهم الدين والعمل به.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تأصيل هذا المعنى في نفوس أصحابه حين بعثهم لنشر الإسلام وتعليمه للناس، ومن ذلك ما جاء في السيرة النبوية: «عهد من محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويلين للناس في الحق، ويشتد عليهم في الظلم»(5).

وهذا هو الترتيب الضروري في التربية والتعليم، حيث تكون البداية بالقرآن الكريم ثم الانطلاق منه إلى شتى فروع العلم والمعرفة، وذلك لضمان التزام العلوم والمعارف بأخلاق القرآن وفضائله.

وفي الواقع المعاصر، نجد أن المؤسسات التعليمية التي تفصل المعرفة عن الأخلاق قد تنتج متخصصين، لكنها لا تنتج دائمًا أصحاب رسالة، فالعلم الذي لا يتحول إلى أثر أخلاقي يبقى ناقص الثمرة.

حين يصنع العالِم علماء من بعده

من أعظم الدلالات في هذه القصة أن عبدالله لم يكتفِ بأن يكون عالمًا صالحًا، بل صنع جيلًا من العلماء، وهذه هي القيادة الحقيقية؛ أن يتحول أثر الإنسان إلى شبكة من الآثار بعده، فالقيادة ليست أن يكون الإنسان المركز الدائم، بل أن يصنع من حوله من يحملون الخير بعد غيابه، وقد كان من أعظم خصائص العلماء عبر التاريخ قدرتهم على تخريج التلاميذ، لا مجرد جمع المستمعين، وفي هذا المعنى يروي البخاري عَنْ ‌عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌خَيْرُكُمْ ‌مَنْ ‌تَعَلَّمَ ‌الْقُرْآنَ ‌وَعَلَّمَهُ»(6)؛ فالتعلم والتعليم دائرة متصلة؛ العالم الحقيقي لا يحتفظ بالمعرفة لنفسه.

وفي التطبيق الإسلامي الأول لبناء العالِم الذي يصنع العلماء من بعده، نجد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم معاذ بن جبل، حتى أصبح أعلم الناس بالحلال والحرام، وفي الحديث عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»(7).

ثم عندما أصبح أعلم الأمة بالحلال والحرام بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن مربياً ومعلماً، حيث زكّاه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «وَإِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ صَالِحِي أَهْلِي وَأُولِي دِينِهِمْ ‌وَأُولِي ‌عِلْمِهِمْ»(8).

وفي المؤسسات اليوم، نؤكد أن المدير الناجح ليس من يجعل العمل متوقفًا عليه، بل من يبني فريقًا قادرًا على الاستمرار بعده، فأعلى درجات القيادة أن تتحول من صانع نجاح إلى صانع صناع النجاح.

حين تنتقل القيم من البيت للمجتمع

حين يصبح في بيت واحد 10 أبناء يقرؤون القرآن ويروون العلم، فإن أثر ذلك لا يبقى داخل الجدران، فالأسرة في التصور الإسلامي ليست وحدة استهلاك فقط، بل وحدة إنتاج حضاري، وقد أدرك علماء الاجتماع أثر الأسرة في تشكيل المجتمعات؛ لأن القيم الكبرى لا تنتقل غالبًا عبر الأنظمة الرسمية وحدها، بل عبر البيوت التي تربي الأفراد، ومن هنا نفهم لماذا اهتم الإسلام بإصلاح الأسرة؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌قُوا ‌أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم: 6)، فوقاية الأهل ليست حفظًا جسديًا فقط، وإنما بناء عقدي وأخلاقي وعلمي.

وفي الواقع نجد أن ضعف الأسرة ينتج فراغًا تملؤه مصادر أخرى قد لا تحمل القيم نفسها، بينما الأسرة الواعية تصبح حصنًا معرفيًا وأخلاقيًا، فالحضارات الكبرى تبدأ غالبًا من غرف صغيرة لا يلتفت إليها الناس، ثم ينطلق أفرادها لنشر الهداية والحضارة في الناس أجمعين.

ومما يدل على ذلك ما جاء في موقف ضمام بن ثعلبة الذي أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وافداً، ثم سأل حتى تعلم وتيقن بالإسلام، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللاتُ وَالْعُزَّى، قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللهِ لَا يَضُرَّانِ وَلا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلا امْرَأَةٌ إِلا مُسْلِمًا(9).

عبارة قصيرة تكشف مشروعاً كاملاً

من جماليات كتب التراجم أنها تختصر أحيانًا أعمارًا كاملة في عبارات قليلة، فقول الذهبي: «نشأ عبدالله، وقرأ العلم، وجاءه عشرة أولاد قرؤوا القرآن، وروى أكثرهم العلم»، يشبه لوحة مركزة؛ تبدأ بالفرد، ثم تنتقل إلى الأسرة، ثم تنتهي بالأثر الاجتماعي.

وفي هذا البناء البلاغي ترتيب مقصود؛

  • نشأة صالحة،
  • وعلم مكتسب،
  • وذرية متعلمة،
  • وأثر ممتد.

إنها دورة حضارية تبدأ بالإنسان وتنتهي بالمجتمع، فبعض العبارات المختصرة في كتب الرجال تحمل وراءها تاريخًا كاملًا من البناء.

والناظر في السيرة النبوية، يجد العديد من العبارات القصيرة التي أطلقها النبي صلى الله عليه وسلم لتعبر عن مشروع كبير ومتكامل، ففي الصحيحين عَنْ ‌طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا»، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا»، قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‌«أَفْلَحَ ‌إِنْ ‌صَدَقَ»، أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ»(10).

بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحاً؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مفلح، وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحاً؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة، فإنه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى(11).

كيف نبني بيتًا يحب العلم؟

لا يمكن استنساخ ظروف القرون الأولى، لكن يمكن استلهام القواعد الكبرى لها، ومن أهمها:

  • أولًا: إصلاح المربي قبل المتربي، فالأب والأم هما البيئة الأولى التي يتشكل فيها الطفل.
  • ثانيًا: تحويل البيت إلى بيئة تعلم، فليس المطلوب أن يكون كل الأبناء علماء، لكن المطلوب أن يكون العلم قيمة محترمة داخل الأسرة.
  • ثالثًا: الاهتمام بالنوعية لا العدد، فالقيمة ليست في كثرة الإنجازات الظاهرة، بل في عمق الأثر.
  • رابعًا: بناء علاقة طويلة مع القرآن، فالقرآن عند السلف كان مصدر تشكيل للشخصية، لا مادة موسمية.

وهنا يتبين أن الأسرة التي تجعل العلم جزءًا من هويتها تزرع آثارًا قد لا تراها في حياتها.

الهوامش
  • 1 عبدالله بنَ أَبِي طَلْحَةَ هو زَيْدُ بنُ سَهْلِ بنِ الأَسْوَدِ بنِ حَرَامِ الأَنْصَارِيُّ، أَخُو أَنَسِ بنِ مالك لأمه، وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحنَّكه، حدَّث عَنْهُ: ابْنَاهُ، وَأَبُو طُوَالَةَ، وَسُلَيْمَانُ مَوْلَى الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ، وَغَيْرُهُم، وَهُوَ قَلِيْلُ الحَدِيْثِ، يَرْوِي عَنْ أَبِيْهِ، وَعَنْ أَخِيْهِ؛ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنَسٍ بمدَّة لَيْسَتْ بِكَثِيْرَةٍ، انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (4/ 468).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 468).
  • 3 صحيح مسلم (2144).
  • 4 متفق عليه، رواه البخاري (2874)، ومسلم (1776).
  • 5 سيرة ابن هشام (2/ 595).
  • 6 صحيح البخاري (5027).
  • 7 مسند أحمد بسند صحيح (12904)
  • 8 البداية والنهاية: ابن كثير (4/ 146).
  • 9 مسند أحمد بسند حسن (2380).
  • 10 متفق عليه، رواه البخاري (6956)، ومسلم (11).
  • 11 شرح النووي على مسلم (1/ 167).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة