كيف توقعك الشركات في فخ شراء منتجاتها؟
يعرف كريس كولر،
في كتابه «كيف يوقعونك في الفخ؟»، الاقتصاد بوصفه علم نفس جماعياً، فحين يشعر عدد
كاف من الناس بنفس الشيء ويتصرفون بناء على ذلك الشعور، يتغير العالم، حيث تتحول
الأسواق، وتقفز الأسعار، وتختفي السلع من أرفف المتاجر، ويمكن توظيف هذا كله لصالح
الربح أيضاً، فنجده يعرف الاقتصاد لا بوصفه نظرية أو علماً، بل بوصفه فخاً نقع فيه
غير مرة في الأسبوع.
إذن لم يعد
الاقتصاد مجرد تلك الكلمة التي يسمع الإنسان رطنها ولا يفهم كنهها، بل صار أشبه
بساحة حرب نفسية لا يدري المستهلك أنه أحد أطرافها رغم مشاركته فيها بصفة يومية، وخسرانه
في الغالب المعركة تلو الأخرى، إذ إن أعداءه متربصون به على الدوام، وهم متمثلون
في الشركات وحملاتها التسويقية الضخمة المصممة بعناية فائقة من قبل مجموعة من
علماء النفس والمسوقين ومحللي البيانات، لاستهداف تحيزاته المعرفية، وتوظيفها بحيث
ينفق أكثر، ويبقى مدة أطول، ويعود دائماً.
وبينما لا تكاد
الشركات تطرق تفكير المستهلك حتى تقع عينه على إحدى منتجاتها، إلا أن الشركات لا
تنفك تفكر في المستهلك، وكيفية إيقاعه في شراكها، حتى إذا وقعت عينه على منتجها
اختاره دون أن يدري أن اختياره لم يكن لا عشوائياً ولا مدروساً بل كان متخذاً
بالفعل نيابة عنه!
الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه
«وإن الشيء ليتضاعف
حسنه في عين مستحسنه»، قال ابن حزم هذه العبارة في كتابه «طوق الحمامة» منذ قرابة
ألف سنة، ولم يجل بخاطره أن عبارته صارت الفيصل بين ما نضعه في السلة وما نتركه
على الرف، أو ما أصبح يعرف اليوم بـ«هندسة الاختيار»؛ وهو تصميم المنتج أو التطبيق
والموقع الإلكتروني بحيث يدفع المستهلك أو المتصفح لاتخاذ قرارات معينة قصدها مصمم
علبة المنتج أو واجهة الموقع دون أن نحس بأننا مدفوعون تجاه هذه الاختيارات بأي
شكل بالضبط، كما لا نرى خيوط «عرائس الماريونيت» رغم تيقننا بأن أحداً ما يحركها
من وراء حجاب.
فحينما تشتري
منتجاً تبقى على نفاده عدد معين، أو على بقائه بهذا السعر وقت معين المكتوبين
غالباً باللون الأحمر لخلق حالة من التوتر والاستعجال، فحين تشتريه خوفاً من تفويت
الفرصة فهو في الحقيقة من اتخذ قرار الشراء الفعلي، ثم تميل بعدها إلى «منطقة
القرار»، حتى إذا استقر المنتج بين يديك سكن حبه شغاف قلبك، أو ما يعرف بـ«أثر
امتلاك الشيء»؛ وهو مبالغتنا في تقدير ما نملك فقط لأننا نملكه؛ ما يجعلنا أكثر
تمسكاً بسلعة من علامة تجارية (براند) معينة فقط لأننا امتلكنا سلعا ًلها من قبل،
فنؤكد صحة قراراتنا السابقة بقرارتنا الحالية.
والعكس صحيح،
حيث نبرر قراء الشراء الحالي بجودة العلامة التجارية، وإن كنا لا نحاكم هذه الجودة
لمعايير موضوعية بل في الغالب لمعايير تؤكد صحة قرارتنا السابقة، ويتضح للقارئ مما
سبق أن كل عملية شرائية متصلة بما قبلها، مرتبطة بما بعدها، وأن قراراته لا تتخذ
بمنأى عن ذاته وتحيزاتها المعرفية، بل تدور في فلكها.
قيمة السلعة يحددها الراغب في شرائها
عطفاً على ما
أردفنا، فالتلاعب النفسي لا تتوقف حدوده عند اتخاذ قرار شراء السلعة، بل يمتد
ليشمل ثمنها أيضاً، ومن أبرز الأمثلة وأقربها حدوثاً لعبة «لابوبو» التي جنت
بسببها شركة «بوب» ماركت الصينية المنتجة لها أكثر من نصف مليار دولار بارتفاع بلغ
397% مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق لإنتاج «لابوبو».
الدرس الاقتصادي
الذي نود أن نلفت الانتباه إليه هنا أن سعر «اللابوبو» وصل إلى آلاف من الدولارات
لبعض الإصدارات المحدودة، وما كانت دمى قطنية لتصل لهذا السعر لولا أنها وجدت من
هو مستعد لدفعه، وهذا الارتفاع في الأساس صنعته الشركة بإنتاجها المحدود قصداً أو
ما يعرف في عالم الأسواق بـ«الندرة المصطنعة».
ومما يتفرع أيضاً
من مسألة التسعير، ربط التسعير المرتفع في أذهان كثيرين منا بالجودة، والظاهرة
لشيوعها استحقت مصطلحاً خصيصاً لأجلها، فصارت هذه تعرف بظاهرة «ربط السعر بالجودة»،
ومن الدراسات التي أجريت للتيقن من أثر هذه الظاهرة، وارتباطها بظاهرة الدواء
الوهمي (البلاسيبو).
والدراسة التي
أجراها دان أريلي ومجموعة باحثين من جامعة ستانفورد على مجموعة من المتطوعين تم
صعقهم بصدمات كهربائية خفيفة وهو بروتوكول بحثي معياري لقياس عتبة الألم حصلوا
جميعهم على قرص فارغ إلا من أوهامهم، ثم أخبر نصف المشاركين بأنهم حصلوا على حبة
الدواء الأغلى بينما أخبر النصف الآخر أنهم حصلوا على الأرخص، وكما هو متوقع أفاد
85% من متطوعي المجموعة التي حصلت على القرص الأغلى أنه فعلاً خفض آلامهم بشكل
ملحوظ، وانخفضت هذه النسبة قرابة الربع إلى 61% في المجموعة التي حصلت على القرص
الأرخص.
وعلل دان نتيجة
الدراسة بالربط الذهني الحاصل بصورة لا إرادية بين سعر المنتج وجودته.
أرى نفسي بعينيك
يصف آلان دو
بوتون، في كتابه «قلق المكانة الاجتماعية» مجتمعاتنا بكونها متمحورة حول مكانة
الفرد الاجتماعية، التي في ظل النظام الرأسمالي صار الاستدلال عليها يمكن حمله
كالهواتف التي صار حمل علامة تجارية منها أو إصدار منها علامة على مكانة اجتماعية
مرتفعة.
كما يمكن
الاستدلال عليه بوسيلة الانتقال، فكل ما عليك أن تقود سيارة من علامة تجارية معينة،
وكل من تقع أنظاره عليك سيقوم بالربط التلقائي بينها وبين مكانتك الاجتماعية، فبعد
أن كان الأمر محصوراً إبان الحقبة الفيكتورية على البيوت والملابس ونمط الحياة
فحسب، صار الآن يمتد ليشمل كل ما يمكن شراؤه، الذي كون الدافع الوحيد لاقتنائه في
كثير من الأحيان هو حراسة تلك المكانة الاجتماعية، على حد تعبير المؤلف.
ولا ريب أن هذا
ليس من قبيل ما يخفى على شركات شغلها الشاغل تعظيم هامش ربحها، فتخطت حدود ربط
السلعة بالمكانة الاجتماعية إلى ربطه بهوية الفرد نفسه، كما أشار إلى ذلك سيث
غودين، في كتابه «القبائل»؛ حيث أوضح أن الشركات الأنجح لا تبيع منتجات بل
انتماءات؛ فـ«أبل» لا تبيع حاسوباً وإنما «إبداع» لا نظير له، ويصير الانتماء إلى
علامة تجارية تبنياً شخصياً لكل ما تمثله، فلا شك أن مقتني الإبداع مبدع، ومن ثم
يغدو المستهلك رسولاً للعلامة التجارية ومنبرياً للدفاع عنها دون أي مقابل، لأن
المساس بالمنتج هو في الحقيقة مساس بقراره الشرائي الذي يمثل جزءاً من كينونيته.
وجدير بالذكر أن
الانتماء للعلامة التجارية هو أقصى ما يمكن أن تحلم به أي شركة كائناً ما كانت
تبيع، وما أفضل من مستهلك مدى الحياة كالسهم تحسن تصويبه ثم ترمي به الغرض فتصميه!
فشتان بين رغبة حقيقية حقها الإشباع، ورغبة مزروعة هُيِّئت قطافها للاستغلال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً