كيف تضر النزعة الاستهلاكية بالقيم الأسرية؟
مفهوم الأسرة في
التربية يتغير، وتتغير معه منظومة القيم التي كان الأبناء ينشؤون عليها، ففيما
يمكن أن نطلق عليه عصر «تدليل الأبناء» بات الاستهلاك البديل الذي تمنحه الأسرة
للأبناء عن نقص التربية، وتداخل مؤثرات أخرى تنافس الأسرة في هذا المجال، وبخاصة
الرقمية.
هذا المقال يسعى
للاقتراب من ظاهرة تنامي النزعة الاستهلاكية وتأثيرها على القيم الأسرية، ومسؤولية
الأسرة المسكوت عنها في غرس المادية في نفوس الأبناء منذ الصغر.
المادية تبزغ مع انشغال الوالدين
انشغال الأبوين
الكبير بتلبية المطالب الاستهلاكية المتصاعدة للأبناء ضيق هامش اللقاء الأسري إلى
أدنى مستوى، ليبقيه في مساحة المطالب والحصول على المال من أجل الشراء والاستمتاع،
وهو ما أضفى على العلاقة الأسرية بُعداً مادياً؛ هو الحصول على المال من أجل
الشراء والاستمتاع؛ لذا تقلصت القيم الأساسية داخل الأسرة من مودة ورحمة وتعاطف
وتساند وتربية.
الملاحظ أن
التغير في مفهوم الأسرة له تأثير على منظومات الاستهلاك، فالأسرة النووية
التقليدية تراجعت، ليُعاد إنتاج مفهوم جديد للأسرة تتأسس على قيم مادية، فالأسرة
التقليدية كانت أحرص على غرس القيم والفضائل في نفوس الأبناء، مثل امتلاك رغبات
النفس الاستهلاكية وعدم الانجرار خلفها، وإعلاء قيمة التراحم، والتعويد المبكر على
الادخار كقيمة وليس كفعل اقتصادي فقط.
الشراء مقابل الادخار
منذ عام 1890م،
ذكر الفيلسوف وعالم النفسي الأمريكي ويليام جيمس أن الممتلكات المادية تؤدي دوراً مهماً
في تعريف الذات، بل وقد تصبح امتدادًا لها.
تحفز النزعة
الاستهلاكية شراهة الشراء، ليتأسس الوعي المبكر للصغار عن وجود ارتباط شرطي بين
السعادة والممتلكات المادية، وأن قيمة الذات تكمن في الاستهلاك كماً ونوعاً، وهذا
التحول ينتج حالة من التوتر الشديد لا تهدأ إلا مع الإنفاق، وهو ما يقوض قدرة
ورغبة الطفل في الادخار، ليصبح الادخار نقيضاً للسعادة.
والحقيقة أن
تربية الأبناء على الادخار مسلك شديد الصعوبة في ظل النزعة الاستهلاكية الواسعة التي
يغذيها تعرض الأبناء لمئات الإعلانات التسويقية المبهجة التي تغري بالاستهلاك.
تشير دراسة نشرت
عام 2023م إلى أن المراهق البالغ من العمر 14 عاماً يتعرض لحوالي 1260 إعلاناً
تسويقياً يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي وحدها، وتشير دراسة أخرى إلى أن نصف
البالغين يتابعون علاماتهم التجارية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأن المواطن
الأمريكي –مثلاً- يتعرض من 4 - 10 آلاف إعلان يومياً على الإنترنت، لكن ما يجذب
الانتباه هو 100 إعلان يومياً.
الأزمة الكبيرة
أن الرقمية تُعيد تعريف وصياغة طبيعة التواصل داخل الأسرة، وتضع قيماً جديداً، وهو
ما ينعكس في العلاقة مع الاستهلاك، الاستهلاك المفرط يقوض رفاهية الأبناء، فصناديق
الأطفال الممتلئة بالألعاب تنشئ تركيزاً مبكراً في ذهن الطفل نحو تملك الأشياء
المادية، ومع تنامي المادية يتزايد عدم الرضا وتتراجع السعادة، ويتراجع التعاون
الاجتماعي، ومع النزعة الاستهلاكية تتزايد مشاعر النرجسية والتباهي.
ثقافة الاستهلاك
تعزز الذات المادية ورغبة في الإشباع الفوري، وشراهة لاقتناء الأشياء، وهو ما يقوي
نرجسيته وإحساسه المتعاظم بذاته، فيصبح الاستهلاك وسيلة لتأكيد الذات.
وقد تحدث علماء
النفس عن دافع التعويض، الذي ينشط النزعة الاستهلاكية المفرطة، بهدف التغطية على الإحساس
بتدني الذات، أو عند مواجهتها لتهديدات خارجية مثل التنمر، الذي يكثر في مرحلة
الشباب وعلى خلفيات مادية استهلاكية.
في دراسة بعنوان
«النرجسية وسلوك المستهلك»، أكدت أن الاستهلاك يتأثر بدوافع شخصية منها تعزيز
الذات، فتصبح الأشياء المادية بديلاً عن العقلانية، وأن النزعة الاستهلاكية تغذي
النرجسية، لطبيعتها الأنانية والاستعراضية والاستعلائية، فالنرجسيون يظنون أن نمط
استهلاكهم ونوعية الأشياء المستهلكة تؤكد صورة الذات المتعالية؛ لذا يميلون إلى
الاستهلاك التفاخري.
ومن هنا،
فالاستهلاك بات يصنع الهوية التي يحلم بها للفرد، ولذا كان شعار هذه المرحلة «نحــن
ما نملك»، فالاستهلاك وسيلة لتعزيز المكانة الاجتماعية، ونظر البعض للاستهلاك على
أنه نزعة دينية، وتجسيد للتدين في العلمانية.
وفي دراسة أخرى
نشرت عام 2022م عن العلاقة بين النرجسية والاستهلاك لدى الشباب أن للنرجسية وتقدير
الذات تأثيرًا ذا دلالة إحصائية على سلوك الاستهلاك التعويضي لدى الشباب، وأن
للنرجسية تأثيراً على الاستهلاك غير الرشيد.
ما مسؤولية الأسرة عن النزعة الاستهلاكية؟
هذا السؤال مهم،
فعندما تبزغ ثمار هذا الغراس تصدم الأسرة، وتُلقي باللوم على الأبناء فقط دون أن
تتساءل عن مسؤوليتها عن هدر القيم الأسرية.
ولعل أول بذرة
خاطئة التنشئة الاستهلاكية، إذ تُنشئ الأسرة أبنائها على الإسراف في الاستهلاك،
وتلبي لهم كل ما يرغبون فيه حتى وإن كانوا لا يحتاجونه، والأصعب أن يتحول الآباء
والأمهات إلى قدوات استهلاكية، فيتعلم الأبناء من الوالدين العلامات التجارية التي
يتحصلون منها على مكانة اجتماعية، كما أن خضوع الآباء للإلحاح الأبناء فيما يتعلق
بالاستهلاك ينمي الشره للاستهلاك ولا يشبعه، إذ تظل النفس في حالة ظمأ للاستهلاك
لا يرتوي، خاصة مع تغير أنماط النزهة والترفيه من الحدائق والأماكن المفتوحة إلى
مراكز التسوق، وفي تلك المراكز يتفتح وعي الأبناء وشهيتهم على عالم التسوق
والاستهلاك، ليصبح الاستهلاك أحد العوامل الأساسية في تشكيل هويتهم.
ونشير هناك إلى إدراك
مسيحي مبكر لخطر الاستهلاكية على القيم الأسرية، وهو كتاب «عائلة المملكة: إعادة
تصور خطة الله للزواج والأسرة» للكاتبة الأمريكية تريفيكا أوكهولم، فتقول: «معظم
العائلات في الضواحي والمدن في ثقافتنا لم تعد بحاجة إلى إنتاج أي شيء معًا، ولا
تملك الوسائل لذلك، ووظيفتهم الاجتماعية الوحيدة مبنية على ما يستهلكونه معًا؛
لذا، فإن محادثاتهم وأفعالهم تقتصر على التخطيط للمشتريات القادمة، والعطلات
القادمة، والفعاليات الترفيهية القادمة، بدلًا من العمل على إنجاز مشروع ما».
العائلة وحدة
استهلاكية؛ حيث كان الأب أو الأم في السابق هو المسؤول عن توفير السلع للأسرة دون
مشاركة فعلية من بقية الأفراد، لكن في الوقت الراهن أصبح قرار الاستهلاك جماعياً
داخل الأسرة، وهو ما أوجد وعياً مبكراً بالاستهلاك، وهو تحول أمسك بخيوطه مخططو
الحملات التسويقية، وأصبحوا يركزون أكثر على الأبناء؛ لذا أخذوا في تعظيم
المناسبات داخل الأسرة وتحويلها من الدفء العائلي والتواصل الاجتماعي نحو الشراء،
فأصبحت كل مناسبة داخل الأسرة فرصة للشراء ولحظة للاستهلاك.
الإفراط في
التدليل؛ حيث تشير دراسات ومؤلفات حديثة إلى أننا نعيش عصر الإفراط في التدليل،
وهذا الإفراط خطأ تقع فيه الأسرة ويقود إلى الشراهة الاستهلاكية، إذ يصبح
الاستهلاك الوجه الآخر للتدليل، ففي كتاب مشترك لعدد من خبراء التربية عن القدر
الكافي من التدليل، ذكر أن التدليل قد يدفع الأسرة إلى منح الأبناء أشياء لا يحتاج
إليها عمرهم، وهذا ينعكس على قدرتهم على اكتساب المهارات الحياتية، ومن صور
التدليل الضار الإفراط في العطاء.
وهذا ما خلصت
إليه دراسة بعنوان «فهم النزعة المادية بين الشباب» من أن الشباب الأكثر نزعة
مادية يميلون إلى التسوق بكثرة والادخار بشكل أقل، كما أنهم أكثر اهتمامًا
بالمنتجات الجديدة، وأكثر استجابة للإعلانات والحملات الترويجية، وينظر إليهم
آباؤهم على أنهم أكثر خبرة فيما يتعلق بالمنتجات، ولهم تأثير أكبر على قرارات
الشراء لديهم، وغالبًا ما يكون لدى الآباء الأكثر نزعة مادية أبناء أكثر نزعة
مادية.
قال حجة الإسلام
أبو حامد الغزالي، في أن الاستهلاك والترف يضر بالأبناء، في كتابه «إحياء علوم
الدين»، تحت عنوان «الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوئهم»، فيتحدث عن واجبات
الأب فيقول: «وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء
السوء، ولا يعوّده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع عمره في
طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد».
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً