كيف تجعل شريك حياتك يتربع على عرش اهتمامك؟

د. عادل هندي

09 سبتمبر 2026

135

كيف تجعل شريك حياتك يتربع على عرش اهتمامك؟

إذا كانت هندسة المشاعر في محطتنا السابقة قد علمتنا كيف نلتقي في محراب الوجدان الشفاف، وكيف نتشارك النبض والهمس، فإن عاطفة القلوب لا يمكن أن تبقى حية في فراغ، حيث إنَّ العاطفة بحاجة إلى وقود يومي يترجمها من حيز النوايا الصامتة إلى واقع السلوك المشاهد؛ وهذا الوقود هو ما نسميه «فقه الأولويات.. كيف تجعل شريك حياتك يتربع على عرش اهتمامك؟».

هنا ننتقل من التشارك الوجداني إلى الرعاية الفردية المركزة، لنتعلم كيف نحمي علاقاتنا الزوجية من داء التهميش والاعتياد الذي يقتل بريق المحبة.

أولاً: صنم الاعتياد وضريبة الإهمال الخفي:

في بداية كل زواج، يكون الشـريك المحور والأولوية المطلقة، ولكن مع مرور الأيام وتراكم أعباء الحياة، ينحدر هذا الاهتمام تدريجيًّا ليتوارى خلف مشاغل العمل، وتربية الأبناء، والالتزامات الاجتماعية، وصخب وسائل التواصل الاجتماعي، هذا التحول ينشأ من وهْم خطير يقع فيه الكثيرون، وهو «وهْم الضمان»؛ حيث يظن الطرفان أن وجود الآخر مضمون في حياتهما، فلا داعي لبذل الجهد لإرضائه أو لفت انتباهه.

إن الاهتمام هو الأكسجين الذي تتنفّسه المودة؛ وحين يغيب، يبدأ الجفاف النفسـي بالزحف، ويشعر الشريك بأنه بات قطعة أثاث في المنزل، أو مجرد مساهم في شركة مادية، إن جعل الشريك في مقدمة الأولويات يعني ببساطة أن يراك ويسمعك ويشعر بك متواجداً معه بكليتك، لا بفضول وقتك وفائض طاقتك.

ثانياً: الهدي النبوي.. حين كانت زوجته عائشة الأولوية في زحام الأمة:

لنتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يحمل على عاتقه هموم أمة، وسياسة دولة، وتبليغ رسالة، وجيوشاً تجهز، ومع ذلك لم يكن هذا الزحام العظيم ليحجب عنه أدق تفاصيل الاهتمام بزوجاته.

كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته تفرغ لأهله، وكان يقتطع من وقته الثمين ليسابق عائشة في الصحراء، وكان يحرص على أن يشرب من الموضع الذي شربت منه، بل وكان يتكئ في حجرها وهو يقرأ القرآن، لم يمنعه وقاره وجلال نبوته من إشعار زوجته بأنها تتربع على عرش اهتمامه الشخصي، إنه درس نبوي بليغ لكل زوج يدعي الانشغال؛ فالوقت لا يغيب إلا حين تغيب الرغبة في الاهتمام.

ثالثاً: خطوات عملية لصياغة الاهتمام في تفاصيل اليوم:

1- الالتفات الكامل (الحضور الواعي): عندما يتحدث إليك شريك حياتك، اترك الهاتف، وأغلق الشاشة، وانظر في عينيه بتركيز، هذا الحضور البصري والذهني يرسل رسالة فورية مفادها: «أنت أهم مما في يدي الآن».

2- المبادرات الصغيرة غير المتوقعة: رسالة نصية قصيرة في منتصف يوم عمل شاق، أو زهرة بسيطة، أو شراء شيء كان الشـريك قد أبدى رغبته فيه عفوياً؛ هذه التفاصيل الصغيرة تقول الكثير بلا كلمات.

3- تخصيص «الوقت المقدّس»: أن يتفق الزوجان على وقت دوري (ولو ساعة في الأسبوع) يكون خاصًّا بهما وحدهما، بعيدًا عن أحاديث الأولاد ومشكلات المصاريف والعمل، ليتحدثا عن أنفسهما وأحلامهما فقط.

إنّ شريك حياتك لا يحتاج إلى فائض وقتك، بل يحتاج إلى صفوة اهتمامك، إن الاهتمام هو الصك الحقيقي الذي يثبت للمشاعر صدقها وعمقها في أرض الواقع.

ولكن، لكي يكتمل حصن هذا البيت، ولكي يظل الشـريك آمناً مطمئنًّا، فإن الاهتمام به لا يمكن أن ينفصل عن الاهتمام بدائرته الأقرب التي تمنحه الدفء والجذور؛ فالإنسان ابن بيئته وأهله، ولا يمكن أن يسعد زواج يقوم على عزل الشريك عن منبته أو إفساد علاقته بهم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة