أدب السؤال والجواب بين العلماء
كيف تُثمر مذاكرة العلم؟ عكرمة مولى ابن عباس يجيب ويزيد
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ حَبِيْبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِنْدِي
خَمْسَةٌ لَا يَجْتَمِعُ مِثْلُهُم أَبَداً: عَطَاءٌ، وَطَاوُوْسٌ، وَمُجَاهِدٌ،
وَسَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، فَأَقْبَلَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيْدٌ
يُلْقِيَانِ عَلَى عِكْرِمَةَ التَّفْسِيْرَ، فَلَمْ يَسْأَلَاهُ عَنْ آيَةٍ
إِلَاّ فَسَّرَهَا لَهُمَا، فَلَمَّا نَفِدَ مَا عِنْدَهُمَا، جَعَلَ يَقُوْلُ:
«أُنْزِلَتْ آيَةُ كَذَا فِي كَذَا، وَآيَةُ كَذَا فِي كَذَا»(1).
يصوّر الذهبي
مجلسًا يجمع كبارًا من أصحاب ابن عباس، ولا يحدد مكان انعقاده أو تاريخه الدقيق؛
ولذلك تبقى نسبته إلى مدينة بعينها، أو وصفه بأنه مواجهة تنافسية مقصودة، زيادةً
على ما حكاه الراوي، لكن القدر الذي يحكيه غني بالدلالة: علماء يسألون عالمًا،
ومعرفة تتسع للأسئلة ثم تزيد عليها، وليس أجمل ما في المشهد تفوق المجيب وحده، بل
اجتماع القدرة على البيان مع الاستعداد للتعلم؛ ففي مجلس كهذا لا تنقص منزلة
السائل، ولا تتحول منزلة المجيب إلى حاجز يمنع المشاركة.
وراء الجواب الحاضر تعلّم طويل
قد يأسرنا مشهد
العالم الذي تتتابع عليه الأسئلة فيجيب، فننظر إلى لحظة ظهوره وننسى الطريق الذي
سبقها، وفي ترجمة عكرمة يروي ابن عساكر عنه قوله: «طلبت العلم أربعين سنة وكنت
أفتي بالباب وابن عباس في الدار»(2)، والمنقول أربعون سنة في طلب
العلم، لا أربعون سنة في ملازمة ابن عباس خاصة.
ويكشف منهج
مجاهد -أحد السائلين في المجلس-، عن طبيعة التكوين العلمي في هذه البيئة؛ فقد روى
أبو عبيد عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ»(3)، يقف عند كل آية ويسأله عنها، فالتعلم هنا ليس مرورًا
سريعًا على المعلومات، بل قراءة متأنية تعود إلى النص، وتستوضح معناه، وتراجع
فهمه.
ومن هذه الشواهد
نستطيع فهم استعداد عكرمة بوصفه ثمرة تعلّم ممتد، دون اختزال تفوقه في سرعة
البديهة، وفي واقع الدراسة والعمل، ينبغي ألا تصبح براعة الجواب هدفًا منفصلًا عن
صحة المعرفة؛ فالاستعداد الحقيقي يُبنى بالمراجعة المنتظمة، والسؤال عن المشكل،
وإتقان الأصول قبل طلب الظهور.
العالم الكبير لا يستكبر على السؤال
كان مجاهد وسعيد
بن جبير في هذا المجلس سائلين، مع ما لهما من منزلة علمية، وفي ذلك معنى تربوي
مهم: لا يلزم العالم أن يظهر مكتفيًا بنفسه حتى يحفظ مكانته؛ فقد يكون سؤاله بابًا
إلى فائدة جديدة، أو تثبيت معرفة، أو استيضاح وجه لم يتبين له.
ومن مجاهد نفسه
جاءت الكلمة التي علّقها البخاري في صحيحه: «لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ
وَلَا مُسْتَكْبِرٌ»(4)، فالمقصود ألا يمنع الحياءُ صاحبه من طلب ما
يحتاج إليه، وألا يصرفه الكبر عن الاستفادة ممن عنده علم.
وقال الزهري:
«العلم خزائن وتفتحها المسائل»(5)، والسؤال بهذا الاعتبار مشاركة في
استخراج المعرفة، وليس مجرد إعلان عن نقص السائل.
ولهذا يحسن
بالمعلم والمدير أن يتيحا للسؤال مكانًا آمنًا؛ فلا يُحرج الطالب لاستفهامه، ولا
يُعامل الموظف كأنه فقد كفاءته لأنه طلب التوضيح، والبيئة التي نريدها ليست التي
يخشى أفرادها أن يقولوا: لم أفهم، بل التي يتعلمون فيها كيف يصوغون سؤالًا دقيقًا.
المذاكرة النافعة لا تحتاج إلى مهزوم
يصف الخبر إلقاء
المسائل وتفسير الآيات، ولا ينقل خصومةً أو سخريةً أو قصدًا إلى إحراج عكرمة، فلا
ينبغي أن نستبدل بهذا المشهد لغة الانتصار على الأقران؛ إذ يمكن أن تتكشف سعة علم
أحدهم، ويبقى المجلس مكسبًا للجميع، ويضيء هذا المعنى قول الشافعي: «ما ناظرت
أحدًا إلا ولم أبالِ بيّن الله الحق على لساني أو لسانه»(6)، فالغاية
التي يقررها ليست محو شخصية المتكلم، وإنما تقديم ظهور الحق على حظ النفس في نسبة
الصواب إليها.
وبذلك تتحول
المذاكرة من امتحان للكرامة إلى تعاون على الفهم، يسأل أحدهم، ويجيب آخر، ويستدرك
ثالث؛ فلا يكون الاستدراك إهانة، ولا الاعتراف بالفائدة هزيمة.
وفي الاجتماعات
العلمية والمهنية، يمكن ترجمة هذا الأدب إلى سلوك واضح: مناقشة الحجة دون تحقير
صاحبها، وإتاحة وقت للتفسير، ونسبة الإضافة إلى قائلها، أما جعل كل نقاش معركة
لإثبات الأذكى، فيصرف المجلس عن غايته، وليس المطلوب أن يتساوى الجميع في المعرفة،
بل أن ينتفع الجميع بما يتفاوتون فيه.
حين يزيد المعلم على قدر السؤال: عكرمة نموذجا
أكثر لحظات
الخبر دلالةً انتقال عكرمة من الإجابة إلى الإفادة ابتداءً؛ فبعد انتهاء الأسئلة
المذكورة، أخذ يضيف مما عنده، ويمكن استلهام مبدأ تعليمي من ذلك: أن حاجة المتعلم
قد تكون أوسع من السؤال الذي استطاع صياغته.
ولهذا المعنى
شاهد نبوي؛ فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو
الطهور ماؤه، الحل ميتته»(7)، فاشتمل الجواب على حكم الماء، وعلى فائدة
أخرى متصلة بحياة السائل في البحر.
وذكر ابن العربي
أن من محاسن الفتوى: أن يجاء في الجواب بأكثر مما يسأل عنه تتميمًا للفائدة(8)،
فالزيادة المحمودة تُكمل حاجةً وتفتح فهمًا، وليست استطرادًا غايته إظهار كثرة
المحفوظ.
وفي التعليم
والتوجيه، تظهر هذه المهارة حين يجيب المعلم عن المسألة، ثم يوضح أصلها أو ينبه
إلى خطأ قريب منها، لكن المبادرة تُقدّر بالمقام؛ فلا تُثقل على السامع، ولا تصرفه
عن سؤاله، والفرق بين بذل العلم واستعراضه أن الأول ينظر إلى ما ينفع المتلقي،
والثاني ينشغل بما يُظهر المتكلم.
فهم سياق الآية يحتاج إلى دقة في العبارة
تكشف عبارة
عكرمة عن عناية بربط الآيات بما تتصل به من وقائع ومعانٍ، وقد قرر ابن تيمية أهمية
معرفة سبب النزول في فهم الآية، معللًا ذلك بقوله: فإن العلم بالسبب يورث العلم
بالمسبب، غير أنه نبه في الموضع نفسه إلى أن عبارة السلف: نزلت هذه الآية في كذا،
قد يراد بها سبب النزول، وقد يراد بها أن المذكور داخل في معنى الآية، وإن لم يكن
سبب نزولها، ولذلك لا يصح جعل كل استعمال لهذه الصيغة تصريحًا بحادثة كانت سببًا
مباشرًا للتنزيل(9).
وهذه الدقة لا
تُضعف دلالة الخبر على علم عكرمة، بل تعلّمنا كيف نقرأ عباراته بمصطلحات أهلها، فالرسوخ
ليس كثرة الأخبار وحدها، وإنما تمييز مراتبها، ومعرفة ما تدل عليه ألفاظ ناقليها
وما لا تدل عليه.
وفي الخطاب
الديني المعاصر، ينبغي التمييز بين رواية سبب نزول، وتفسير معنى، والاستشهاد
بالآية على حالة تشبه ما تناولته، فصلاحية الآية للهداية في موقف معاصر لا تجعل
ذلك الموقف سبب نزولها، كما أن جمال القصة المتداولة لا يغني عن التحقق من مصدرها.
الجدارة العلمية أوسع من الألقاب الاجتماعية
يحمل عكرمة في
اسمه وصف «مولى ابن عباس»، لكن محور الخبر هو ما يملكه من علم بالتفسير، ومن هنا
يمكن أن نقرأ المجلس في ضوء المعيار القرآني: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، دون أن نزعم أن المجلس انعقد
أصلًا لمعالجة تمييز اجتماعي.
ومن الشواهد
العملية على هذا، ما أظهره عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فضل ابن عباس، حين أدخله
مع أشياخ «بدر» وسألهم عن سورة النصر؛ فذكر بعضهم الأمر بالحمد والاستغفار، وسكت
آخرون، وبيّن ابن عباس دلالتها على قرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم، فوافقه عمر(10)،
فلم تكن صغر السن مانعًا من الاعتراف بعمق الفهم.
وفي المؤسسات،
يقتضي الاقتداء بهذا المعنى أن تُراجع معايير الاختيار والترقية: هل تُقدَّم
المعرفة والأمانة والقدرة، أم تغلب الوجاهة والأسماء؟ والعدل ليس تجاهل خبرات
الناس ومنازلهم، بل ألا تتحول تلك المنازل إلى حواجز تمنع ظهور الكفاءة.
سعة العلم لا تعني الإحاطة بكل شيء
يحمل قول
الراوي: إن عكرمة فسّر كل آية سُئل عنها ثناءً على أدائه في هذا المجلس، لكن
انتهاء أسئلة مجاهد وسعيد لا يعني انتهاء علمهما، كما لا يثبت لعكرمة إحاطةً مطلقة
بالتفسير، والعبارة تتعلق بما وقع من أسئلة، لا باختبار شامل نعرف عدد مسائله
وتفاصيل أجوبته.
ويوازن هذا
المعنى ما نقله الذهبي عن الهيثم بن جميل: أن مالكًا سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة،
فقال في اثنتين وثلاثين منها: «لا أدري»(11)، فالتوقف عند غياب العلم
لم يمنع مالكًا من الإمامة، ولم يجعل كثرة الأجوبة معيارها الوحيد.
وهنا تلتقي
فضيلتان؛ أن يجيب المرء حين يعلم، وأن يتوقف حين لا يعلم، وليس من الوفاء لعكرمة
أن نجعل خبره ضغطًا على كل طالب علم ليجيب عن كل سؤال؛ بل الوفاء لروح العلم أن
نمدح التمكن دون أن نذم التثبت.
وفي البحث
والإعلام والتعليم، ينبغي أن تتسع المكانة المهنية لعبارات: أحتاج إلى مراجعة، ولم
أقف على دليل، ولا أستطيع الجزم، فالثقة التي تستحق الحفظ ليست صورة الشخص الذي لا
يتوقف، وإنما أمانة الشخص الذي يعرف حدود ما يقول.
حفظ المجالس يحوّل الفائدة العابرة إلى ميراث
لولا رواية حبيب
بن أبي ثابت لبقي هذا المجلس حدثًا عرفه حاضروه ثم مضى، ومن ثم يمكن النظر إلى
التوثيق بوصفه امتدادًا لبذل العلم: فالمجيب ينفع أهل مجلسه، والناقل الأمين يتيح
لغيرهم الانتفاع بما حفظ.
وقد روى ابن
عساكر عن عكرمة أنه جعل للعلم ثمنًا، وفسّره بقوله: «أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا
يضيعه»(12)، فالمعرفة لا تُصان بمجرد إعجاب السامع بها، بل بحسن تلقيها
والمحافظة عليها.
وعدّ الزهري من
آفات العلم أن يُترك العالم حتى يذهب بعلمه، وذكر النسيان والكذب فيه ضمن آفاته(13)،
وهذه معانٍ تجمع بين المبادرة إلى التعلم، وصيانة المحفوظ، والأمانة في النقل.
وفي واقعنا،
يمكن أن يظهر ذلك في تدوين الفوائد، وحفظ مصادرها، وتحرير المداولات العلمية،
وتوثيق خبرات المعلمين والمختصين، غير أن كثرة التسجيلات لا تكفي وحدها؛ إذ يحتاج
المحفوظ إلى تنظيم ومراجعة وسياق يمنع إساءة فهمه، وحفظ المجلس بأمانة يقتضي أيضًا
ألا نضيف إلى أصحابه مشاعر أو نيات لم ينقلها الراوي.
ولعل أجمل ما
نستصحبه من هذا المشهد أن العلم لا يزدهر بالمجيب وحده؛ إنه يحتاج إلى سائل يحسن
السؤال، وعالم يبذل ما عنده، ومجلس يسمح بالمراجعة، وناقل يحفظ الفائدة، وفي
اجتماع هذه الأدوار تتجاوز المعرفة صاحبها، وتصبح نفعًا مشتركًا.
وهكذا لا يدعونا خبر عكرمة إلى تقليد كثرة أجوبته دون طريقها، وإنما إلى العناية بما يجعل الجواب جديرًا بالثقة: تعلّم طويل، وفهم دقيق، وتواضع للأقران، وأمانة عند حدود المعرفة، فليس كمال المجلس أن يخرج منه رجل منتصرًا، بل أن يخرج أهله أوفر علمًا وأحسن أدبًا.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 18).
- 2 تاريخ دمشق (41/ 82).
- 3 فضائل القرآن، ص 359.
- 4 صحيح البخاري (1/ 38).
- 5 حلية الأولياء (3/ 363).
- 6 صفة الصفوة (1/ 435).
- 7 رواه الترمذي بسند حسن صحيح (69).
- 8 تحفة الأحوذي (1/ 189).
- 9 مقدمة في أصول التفسير، ص 16.
- 10 صحيح البخاري (4970).
- 11 سير أعلام النبلاء (8/ 77).
- 12 تاريخ دمشق: ابن عساكر (41/ 100).
- 13 حلية الأولياء (3/363).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً