بين الدعوة و«الترند»..
كيف أعادت الخوارزميات تشكيل الخطاب الديني؟
لم يعد الوصول
إلى المحتوى الديني يحتاج إلى مسجد أو كتاب أو درس أسبوعي منتظم، فبضغطة إصبع
واحدة، يجد المستخدم نفسه أمام عشرات المقاطع القصيرة التي تقدم فتاوى ومواعظ
وقصصًا دينية ونصائح إيمانية مصممة خصيصًا للعرض على شاشة الهاتف.
وبينما فتحت
الثورة الرقمية أبوابًا واسعة أمام نشر المعرفة الدينية، فقد أثارت في الوقت نفسه
أسئلة عميقة حول طبيعة الخطاب الديني نفسه بعد انتقاله إلى عالم تحكمه الخوارزميات
والمشاهدات والتفاعلات.
وتشير تقارير
التحول الرقمي العالمية إلى أن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تجاوز 5.2
مليارات مستخدم حول العالم، فيما يقضي المستخدم العادي أكثر من ساعتين يوميًا على
هذه المنصات.
وأصبحت
الفيديوهات القصيرة الشكل الأكثر استهلاكًا للمحتوى الرقمي؛ الأمر الذي دفع مختلف
أنواع المحتوى، بما فيها المحتوى الديني، إلى التكيف مع قواعد البيئة الجديدة.
وتشير دراسات
حديثة إلى أن نحو ثلث المراهقين يستخدمون إحدى منصات التواصل بصورة شبه دائمة،
بينما يزور أغلبهم منصات الفيديو يوميًا؛ ما يجعل الفضاء الرقمي أحد أهم مصادر
التلقي والتأثير لدى الأجيال الجديدة.
وفي ظل هذا
التحول، لم يعد السؤال يتعلق بانتقال الدعوة إلى المنصات الرقمية فحسب، بل بما إذا
كانت هذه المنصات قد بدأت بدورها في إعادة تشكيل الخطاب الديني نفسه.
في هذا السياق،
برز ما بات يعرف بـ«المؤثر الديني»، وهو نموذج جديد يختلف عن الصورة التقليدية
للداعية، ويعتمد بدرجة كبيرة على أدوات صناعة المحتوى الرقمي وآليات الانتشار على
المنصات الاجتماعية.
الداعية التقليدي والتحول الرقمي
عبر عقود طويلة
ارتبطت الدعوة الدينية بالمؤسسات العلمية والدينية، وكان انتقال المعرفة يتم من
خلال حلقات العلم والخطب والبرامج المتخصصة، أما اليوم فقد أصبح بإمكان أي شخص
يمتلك هاتفًا ذكيًا وحسابًا نشطًا على المنصات الرقمية أن يصل إلى جمهور يتجاوز في
بعض الأحيان جمهور مؤسسات كاملة.
ولهذا، يرى أ.د.
غانم السعيد، العميد السابق لكليتي اللغة العربية والإعلام بجامعة الأزهر، خلال
حديثه لـ«المجتمع»، أن التطور السريع في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي أوجد
مساحة واسعة للحديث في الشأن الديني خارج الأطر التقليدية؛ الأمر الذي أسهم في
ظهور شخصيات استطاعت الوصول إلى جماهير ضخمة عبر أساليب جديدة في التواصل ولغة
أقرب إلى الجمهور، خاصة فئة الشباب.
هذا التحول لا
يتعلق بالأشخاص فقط، بل بطبيعة البيئة الإعلامية نفسها، فبينما كان الداعية
التقليدي يخاطب جمهورًا حاضرًا أمامه، أصبح صانع المحتوى الديني اليوم يخاطب
جمهورًا تحدده الخوارزميات، وتقيسه الأرقام، وتتابع سلوكه المنصات لحظة بلحظة.
سلطة الخوارزمية
في الماضي كان
الداعية أو العالم يحدد إيقاع خطابه وفق طبيعة الموضوع والجمهور الحاضر أمامه، أما
اليوم فقد أصبحت المنصات الرقمية لاعبًا خفيًا يشارك في تشكيل الرسالة ذاتها.
فالمحتوى لم يعد
يتحرك بحرية كاملة، وإنما يمر عبر خوارزميات مصممة لترتيب ما يراه المستخدمون وفق
معايير محددة، يأتي في مقدمتها حجم التفاعل ومدة المشاهدة ومعدلات المشاركة وإعادة
النشر.
واللافت أن
الخوارزمية لا تسأل عن دقة المحتوى أو عمقه العلمي، بل عن قدرته على جذب الانتباه
والاحتفاظ به، ولا تكافئ بالضرورة الأكثر علمًا، وإنما الأكثر قدرة على إثارة
اهتمام الجمهور.
ومن هنا ظهرت
تحولات لافتة في طريقة تقديم المحتوى الديني، فالقضايا المعقدة التي كانت تحتاج
إلى ساعات من الشرح أصبحت تختزل أحيانًا في مقاطع لا تتجاوز دقيقة واحدة،
والنقاشات العلمية الممتدة حلت محلها إجابات سريعة وحاسمة، كما باتت بعض الموضوعات
الخلافية أو «الشاذة» بالتعبير الفقهي، أكثر قدرة على تحقيق الانتشار من الموضوعات
التربوية أو المعرفية الهادئة.
ولعل المفارقة
أن الخوارزمية لا تفرض على صانع المحتوى ما يقوله بشكل مباشر، لكنها تخبره كل يوم
من خلال الأرقام والمؤشرات، بأنواع الخطاب التي تحقق انتشارًا واسعًا أو مثيلاتها
التي تظل حبيسة نطاق محدود.
ومع الوقت يبدأ
كثير من صناع المحتوى في إعادة تشكيل أساليبهم بما يتوافق مع هذه الإشارات
المتكررة، فيقدمون ما يضمن البقاء في دائرة المشاهدة والتفاعل.
هذا الواقع أفرز
ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث أصبحت المنافسة الحقيقية تدور حول جذب
انتباه المستخدم في عالم يتدفق فيه كم هائل من الرسائل والمعلومات.
وفي ظل هذه
المنافسة الشرسة، يجد الخطاب الديني نفسه أمام معادلة صعبة هي: كيف يحافظ على عمقه
ومضمونه التربوي والمعرفي، دون أن يفقد قدرته على الوصول إلى الجمهور؟
وبين مزايا
الانتشار الواسع وأخطار الخضوع لمنطق التفاعل، يبقى التحدي الحقيقي تحقيق التوازن
بين مقتضيات الرسالة ومتطلبات المنصة، بحيث تظل الوسيلة خادمة للمضمون، ولا يتحول
هذا الأخير نفسه إلى تابع لقواعد الوسيلة.
معيار التأثير لدى المتلقي
هل تعني ملايين
المشاهدات بالضرورة ملايين المتأثرين؟ أعتقد أن الإجابة ليست بهذه البساطة التي
صيغ بها السؤال، فالخبراء يميزون بين الوصول والتأثير؛ فالوصول يعني أن المحتوى
شاهده عدد كبير من الناس، أما التأثير فيعني أن المحتوى نجح في تغيير معرفة أو
سلوك أو قناعة لدى المتلقي.
وقد يحقق مقطع
قصير ملايين المشاهدات خلال ساعات، لكنه لا يترك أثرًا معرفيًا أو سلوكيًا
مستدامًا، وفي المقابل قد يكون درس علمي محدود الانتشار أكثر تأثيرًا في تشكيل
الوعي على المدى الطويل.
لذلك، فإن قياس
نجاح الدعوة بعدد المشاهدات فقط قد يكون معيارًا مضللًا، لأن القيمة الحقيقية لأي
خطاب ديني لا تكمن في عدد من شاهده فحسب، بل في مقدار ما أحدثه من أثر إيجابي في
حياة الناس.
المؤثرون الدينيون والحصاد الرقمي
ورغم الانتقادات
التي توجه أحيانًا إلى ظاهرة المؤثرين الدينيين، فإن كثيرًا من المتخصصين يرون أن
البيئة الرقمية أتاحت فرصًا لم تكن متاحة من قبل.
وهذا ما يؤكده د.
عبدالمنعم سلطان، رئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة المنوفية، حيث يرى خلال
حديثه لـ«المجتمع»، أن هذه المنصات تمثل نافذة دعوية جديدة مكنت الخطاب الديني من
الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور، خاصة الشباب الذين يقضون جزءًا كبيرًا من
وقتهم في الفضاء الرقمي.
ومن أبرز
المكاسب التي حققتها الدعوة الرقمية وفقاً لسلطان، الوصول إلى جماهير جديدة يصعب
الوصول إليها عبر الوسائل التقليدية، وتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، إضافة إلى
تقديم المعرفة الدينية بصورة مبسطة وسريعة، وتعزيز التفاعل المباشر بين الجمهور
وصانع المحتوى.
وتشير بعض
الدراسات الحديثة إلى أن المنصات المختلفة تؤدي أدوارًا متباينة؛ فبعضها أكثر قدرة
على الانتشار السريع، بينما يتيح بعضها الآخر فرصًا أعمق لبناء التفاعل والولاء
المعرفي.
لكن الوجه الآخر
للصورة يثير مخاوف لا يمكن تجاهلها، فمع تصاعد أهمية المشاهدات والتفاعل، قد يصبح
ما يجذب الجمهور أكثر حضورًا مما ينفعه.
وهنا يظهر خطر
اختزال القضايا المعقدة في رسائل قصيرة، أو تقديم الموضوعات الدينية بأسلوب يقترب
من منطق الترفيه أكثر من منطق المعرفة.
وهذا ما تحذر
منه د. منى كمال، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، حيث تؤكد أن البيئة الرقمية
أفرزت أنماطًا جديدة من التدين والمعرفة الدينية باتت تخضع بدرجة كبيرة لمنطق
السوق والجمهور والطلب.
كما ترى د. مروة
فتحي، عضو هيئة التدريس بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن السعي المحموم
وراء الشهرة والتفاعل قد يؤدي أحيانًا إلى إفساد المقاصد الأصلية للخطاب الدعوي،
خاصة عندما تصبح صناعة الصورة الشخصية أكثر أهمية من الرسالة نفسها.
وهنا تكمن
المعضلة الحقيقية: كيف يمكن الاستفادة من أدوات العصر دون أن تتحول الرسالة إلى
مجرد منتج رقمي يخضع بالكامل لقواعد السوق والمنصة؟
بين الرسالة والخوارزمية
لا يبدو أن
ظاهرة المؤثرين الدينيين مرشحة للتراجع في المستقبل القريب، بل إن توسع الاقتصاد
الرقمي وصناعة المؤثرين يجعل حضورها أكثر رسوخًا عامًا بعد آخر، حيث تشير تقديرات
حديثة إلى أن الإنفاق الإعلاني المرتبط بصناعة المؤثرين يواصل نموه بوتيرة متسارعة
عالميًا؛ ما يعكس المكانة المتزايدة التي اكتسبها صناع المحتوى في تشكيل الرأي
العام والاتجاهات الاجتماعية.
لكن القضية
الأهم لا تتعلق بمنع الظاهرة أو الاحتفاء بها، وإنما بفهمها والتعامل معها بوعي،
فبين الداعية الذي يحمل رسالة، والمؤثر الذي يمتلك أدوات الوصول، يبقى السؤال
مفتوحًا: كيف نحافظ على عمق المعنى في عالم بات يقيس النجاح بعدد النقرات
والمشاهدات؟
لعل هذا هو
التحدي الحقيقي الذي يواجه الخطاب الديني في العصر الرقمي؛ أن يظل حاملًا للرسالة،
حتى وهو يتحدث بلغة المنصة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً