كأس العالم.. عندما تُستخدم الرياضة كستار سياسي!
«السياسة لا
دخل لها بالرياضة»، عبارة نكتبها على مضض، لأنها تشبه الإنشاء المدرسي والبداءة
المرتخصة! وترديدها بالقلم أو اللسان، ألفاظ لا تعدو الشفاه، أو حروفًا لا تعدو
الورق، عبث باطل خير منه السكوت، والواقع منذ ما يربو على قرن من الزمان يشهد
بخلافها.
أَلا لا أُبالِي الْيَوْمَ ما فَعَلَتْ هِنْدُ!
بعد 3 أعوام
فحسب من إعدامها لشيخ المجاهدين عمر المختار، استضافت إيطاليا بطولة كأس العالم، وذلك
لتحِل أعظم البطولات الدولية في بلد لم يكتف حاكمها الفاشي آنذاك موسوليني بسحق
وتنكيل كل من عارضه، بل امتدت يد عدوانه الغاشمة لتطال إثيوبيا فتكويها بنار
الغازات السامة المحرمة دولياً.
تلك النار التي
لم تنطفئ جذوتها بعد في ليبيا الشقيقة التي تجرع أبناؤها من العذاب ويلات لو قُدر
لها أن تتكلم لم تنطق بغير الصراخ والعويل.
كان في إيطاليا
صراخ كذلك، صراخ من عذبتهم الشرطة السرية الفاشية (OVRA) ومليشيات «القمصان
السوداء» بوسائل يندى لها جبين الإنسانية، لكن صرخاتهم لم تسمع لا لأن العالم لا
يعرف ما يجري لهم، بل لأن صرخاتهم اختلطت بصرخات فرح المشجعين التي طغى صداها على
كل صوت.
ليكون عام 1934م
شاهدًا على أول استخدام للرياضة في تبييض سجل الساسة المُضرَّج بالدماء، فيما بات
يُعرف لاحقًا بـ«تبييض السمعة عبر الرياضة».
هذه الرياضة
التي فاز فيها منتخب إيطاليا ببطولة كأس العالم ذلك العام بأساليب لا تقل التواء
عن الطرق التي وصل بها موسوليني نفسه للسلطة، سلطة قرر أن يفرضها على ملاعب الكرة
كما فرضها قبل على من خارجها، حيث التقى ببعض الحكام شخصياً قبل المباريات الحاسمة
-مثل الحكم السويدي إيفان إكليند الذي أدار مباراتي نصف النهائي والنهائي-وشهدت
مواجهات إيطاليا ضد إسبانيا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا تحيزاً تحكيمياً صارخاً.
ثم استعار
فيديلا واحداً من أكثر حكام الأرجنتين دموية هذه الصفحة المُبَيَّضة رياضيًا من
كتاب موسوليني، لتستضيف الأرجنتين كأس العالم عام 1978م والشعب الأرجنتيني يعيش
ظروفًا لا تقل مأسوية عن تلك التي عاشها نظيره الإيطالي إبان حكم موسوليني.
وبينما كان
السجانون في مقر تعذيب «ESMA» يهللون فرحًا بفوز الأرجنتين بكأس العالم،
فوز لم تكدر شوائب شراء النتائج فيه صفو تتويج الأرجنتين بالبطولة، بينما كانوا
يهللون فرحًا كما كل أرجنتيني خارج مقر التعذيب، وقف بينهما المسجونون المعذبون
حيارى لا دليل لهم، عليهم من ثياب الذل ألوان، زاد اكتساؤهم بها أنك صرت لا تسمع
لهم ركزًا؛ كيف وصوت الفرح بالنصر يطغى على كل صوت!
بين موسوليني،
وفيديلا، وقف «فيفا» شاهداً متعامياً عن كل ما يجري، كما تعامى اليوم عن جرائم
الإبادة الجماعية التي ارتكبها الكيان الصهيوني في حق إخواننا في غزة، لكنه أزال
الغشاوة عن عينيه حينما تعلق الأمر بمشاركة روسيا في أي بطولة رياضية تنظمها هي
بعد غزوها لأوكرانيا، ولم يغض الطرف كذلك عن ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية
الثانية فنالهما مثل ما نال روسيا تمامًا بتمام.
وما نالاه لم
تنله فرنسا إبان احتلالها للجزائر الحبيبة، وتفسير هذا الكيل بمكيالين أبسط مما
تتخيل.
ليَ الشّرَفُ الّذي يَطَأُ الثُريّا
عندما ينظر
الأوروبي الأبيض في المرآة متجليًا فيها حسن طلعته، ولسان حاله ينطق متسائلًا: «مرآتي
مرآتي، من أفضل الخليقة؟»، فهو لا ينتظر من المرآة أن تجيبه بغير ما حاول إثباته
بأبحاث يستحي العلم أنه تُنسب إليه، وهو تفوقه على سائر البشر، بعد أن وجد في
أبحاثه أن حجم الجمجمة يتناسب طرديًا وذكاء صاحبها، وأن جمجمته هي الأكبر من جماجم
سائر الأعراق.
وبالتالي أصبغ
تفوقه العنصري صبغة ما زلنا على تحفظ من وصفها بالعلمية، لينتهض ذلك الأوروبي
الأبيض ويحمل «عبء تثقيف الشعوب البدائية» على حد تعبير الشاعر البريطاني روديارد
كبلينغ.
ومشكورًا أبقى
على كوننا بشرًا فعدَّنا شعوبًا، لكن بريطانيًا آخر هو تشيرشل، كان له رأي أكثر
صراحة من ذلك، فوصفنا «بالقرود، ومنذ متى يُستأذن القرد في شؤونه؟»، صاح بها
تشيرشل مُخرسًا كل صوت رأى أن للفلسطينيين حقًا في تقرير مصير أرضهم.
وما وصفناه من سلوك هؤلاء القوم الذين لا يرون
في غيرهم إلا أعباء بشرية، أو حتى خِلوًا من الإنسانية بالكلية صار يُعرف فيما بعد
بـ«المركزية الأوروبية» التي يتمحور فيها العالم حول أفضل من فيه هو ما يفسر
تغاضيه عن جرائمه إذا ارتكبت بحقنا.
أما إذا ارتكبت
جرائمه بحق نفسه كما في روسيا مع أوكرانيا، وألمانيا واليابان مع الحلفاء، فهذا ما
لا يرتضونه، و«فيفا» كسائر المنظمات الحقوقية والدولية إنما ولد من رحم هذه
المركزية.
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُون
نفس تلك
المركزية التي رأت في تنظيم قطر لكأس العالم كل عيب، ولا نقول غضت الطرف، بل أشاحت
بنظرها بالكلية عن العنصرية الفجة لترمب التي لم نر مثلها في الصراحة منذ عهد
تشيرشل.
ويبدو أن «فيفا»
قرر أن تكافئه على عنصريته، فصيرت جائزة من العدم أسمتها «جائزة فيفا للسلام» لتمنحها
لمن مول ودعم إبادة إخواننا في غزة، وافتعل حربًا لا ناقة فيها ولا جمل لأحد، ثم
قطع شريان الحياة عن كوبا التي لم ترفع أمريكا قدمها عن عنقها منذ أيام كينيدي، فيا
له من اختيار يعكس القيم الإنسانية التي تتبناها تلك المؤسسة الأوروبية المنشأ
والهوى!
وليت التملق وقف
عند هذا الحد، بل كانت مكالمة هاتفية من ترمب لرئيس «فيفا» كفيلة بإلغاء قرار
تحكيمي -منح البطاقة الحمراء للاعب في منتخب أمريكا- ليكون هذا المشهد ناطقًا
بالمسكوت عنه وراء الكواليس، وأن مكالمة واحدة كما جملة واحدة كفيلتان بتغيير
المصير!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً