عندما تختلط المحبة بالضغط
قيس بن ذريح ولُبْنَى.. كيف غلب ألم الفراق حكمة القرار؟
يذكر الإمام شمس
الدِّين الذَّهَبِي فى ترجمة قيس بن ذريح الليثي الكنانى أن قَيْسًا كان من أعراب الحجاز، شاعرًا مُحْسِنًا، كان
يُشَبِّبُ بأُمِّ معمرٍ لُبْنَى بنتِ الحَبَّابِ الكَعْبِيَّة، ثم تزوَّج بها، وقيل:
كان أخًا للحُسَيْنِ رضي الله عنه من الرَّضاعة، وكان يكون بقُدَيْد، فوقع خلافٌ
بين أُمِّه وبين لُبْنَى، فأبغضتها، وما زالت تسعى حتى طلَّق قَيْسٌ لُبْنَى، فقال
لأُمِّه: «أما إنَّه آخرُ عهدِكِ بي»، وعَظُمَ عليه فراقُ أهله، وجهده ذلك(1).
وقال قَيْسٌ:
وَكُلُّ
مُلِمَّاتِ الزَّمَانِ وَجَدْتُهَا سِوَى فُرْقَةِ الأَحْبَابِ هَيِّنَةَ الخَطْبِ
هذا الخبر
الموجز لا يقف عند حدود قصة حب انتهت بالفراق، بل يفتح بابًا واسعًا للتأمل في
طبيعة الإنسان حين يجد نفسه بين حقوق متعارضة؛ حق الوالدين، وحق الزوجة، وضغط
الواقع الذي قد يدفع الإنسان إلى قرار لا يملك بعده إلا أن يتحمل آثاره.
والقراءة
المنصفة لهذه الحادثة تقتضي ألا نتجاوز ما ذكره المصدر؛ فنحن لا نعرف تفاصيل
الخلاف الذي وقع بين أُمِّ قَيْسٍ، ولُبْنَى، ولا الأسباب التي دفعت كل طرف إلى
موقفه، كما أن خبر أخوَّته للحُسَيْنِ رضي الله عنه من الرَّضاعة جاء بصيغة
«وقيل»، وهي لا تفيد الجزم.
ولهذا، فالمقصود
من قراءة هذه القصة ليس إصدار الأحكام على الأشخاص، وإنما الوقوف عند المعاني التي
تكشفها؛ كيف يؤثر الضغط في القرارات المصيرية، وكيف يحتاج الإنسان إلى الحكمة حين
تتعارض المشاعر والحقوق، وكيف يمكن للإنسان أن يخسر أكثر مما أراد أن يحفظ إذا لم
يحسن إدارة الخلاف.
جرح فراق الزوجة وامتحان بر الوالدين
لم ينقل
الذَّهَبِي تفاصيل كثيرة عن حياة قَيْسٍ بن ذريح مع لُبْنَى، لكنه نقل مشهدًا مختصرًا يحمل
دلالة عميقة؛ خلاف وقع، ثم كراهية، ثم سعي انتهى إلى الطلاق، ثم كلمة خرجت من
قَيْسٍ تكشف مقدار ما في قلبه من ألم: «أما إنَّه آخر عهدك بي».
فهذه العبارة لا
تبدو صادرة عن رجل رأى أن الطلاق هو الحل الأفضل، وإنما عن إنسان شعر أن شيئًا
عزيزًا منه قد انتُزع، وأن الفراق كان أكبر من قدرته على احتماله.
وهنا تظهر طبيعة
بعض القرارات التي تُتخذ تحت الضغط؛ فالإنسان قد يختار أحيانًا الطريق الذي ينهي
النزاع القائم، لكنه لا يكون بالضرورة الطريق الذي يحقق السكينة؛ لأن إنهاء الخلاف
الظاهر لا يعني دائمًا علاج الألم الباطن.
لقد استجاب
قَيْسٌ بن ذريح في الظاهر لما انتهى إليه الأمر، لكنه بقي يحمل أثر الفقْد في داخله، فتحول
القرار الذي كان يفترض أن يغلق باب النزاع إلى جرح بقي حاضرًا في شعره وحياته.
وهذا لا يعني
الحكم على أُمِّ قَيْسٍ أو لُبْنَى بما لم يذكره المصدر، وإنما يكشف حقيقة إنسانية
تتكرر في حياة الناس؛ فبعض القرارات تُتخذ تحت تأثير الانفعال أو الضغط، ثم لا
تظهر حقيقتها إلا بعد أن تهدأ النفوس.
ومن هنا يظهر أن
إدارة الخلاف لا تقل أهمية عن القرار نفسه؛ فليس كل إنهاء للنزاع حلًّا حقيقيًّا،
فقد يسكت صوت المشكلة، بينما يبقى أثرها العميق في القلوب.
متى يؤدى الضغط إلى قرار لا يمكن تصحيحه؟
جاء الإسلام
بتعظيم حق الوالدين، وجعل الإحسان إليهما من أعظم القربات، لكنه في الوقت نفسه
أقام ميزان العدل، فلم يجعل بر الوالدين سببًا لإهدار حقوق الآخرين.
قال الله تعالى:
(وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن
تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي
الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لُقْمَان: 15)، فالآية وإن كانت في أعظم صور
المخالفة، وهي دعوة الوالدين إلى الشرك، فإنها تقرر أصلًا مهمًّا؛ أن عدم الطاعة
في الباطل لا يعني سقوط البر، وأن الإنسان يستطيع أن يخالف في أمر لا يراه صوابًا
مع بقاء الإحسان والاحترام.
وقد ظهر هذا
المعنى في موقف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حين حاولت أمُّه أن تضغط عليه ليرجع
عن الإسلام، متخذة من يقينها بفرط حبه وبره لها سلاحاً لابتزازه، فأقسمت ألا تأكل
ولا تشرب حتى يترك دينه، لكنه أبطل فاعلية هذه الوسيلة وثبت على الحق مع بقائه
بارًّا بها، وقال لها: «يا أُمَّه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا
نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء»(2).
فلم يكن ثبات
سعد رضي الله عنه عقوقًا لأمِّه، وإنما كان وضعًا للحقوق في مواضعها؛ فحق الوالدين
عظيم، لكنه لا يكون على حساب حق الله، ولا على حساب ظلم الآخرين.
وهذا هو الميزان
الذي تحتاجه الأسرة المسلمة؛ فالابن لا يكون بارًّا إذا أرضى أحد الطرفين بإيذاء
الآخر، كما أن دفاعه عن حق زوجته لا يعني جفاءه لوالديه، إنما الحكمة أن يعرف
الإنسان أن البر والعدل ليسا خصمين، بل يجتمعان حين توضع الأمور في مواضعها.
لماذا لا تُعَمَّم قصة عبدالله بن عُمَر فى طلاق زوجته؟
قد يُستدل في
مسألة طلاق الرجل زوجته بأمر والديه بقصة عبدالله بن عُمَر رضي الله عنهما؛ فقد
كان تحته امرأة يحبها، وكان أبوه عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرتضيها، فأمره
أن يطلِّقها، فامتنع، ثم ذكر عُمَر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي
صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا»(3).
وهذه الحادثة
ثابتة، لكنها لا تعني أن كل والد إذا لم تعجبه زوجة ابنه وجب على الابن أن
يطلِّقها بلا نظر ولا تفصيل؛ لأن العلماء لم يفهموا منها هذا الإطلاق، وإنما نظروا
إلى خصوصية الواقعة، وإلى مكانة عُمَر رضي الله عنه، وما عُرف عنه من قوة الدين،
وبُعد النظر، والنصيحة المجردة عن الهوى.
فالفرق كبير بين
والد يرى أمرًا مؤثرًا في دين ابنه أو حياته، وتدخل سببه مجرد كراهية شخصية أو
انفعال عابر أو رغبة في التحكم.
ولهذا لم يجعل
العلماء قصة عبدالله بن عُمَر قاعدة مفتوحة لهدم البيوت، وإنما فهموا منها أن أمر
الوالدين يُنظر فيه إلى سببه ومقصده وحاله؛ فالطاعة لا تكون في كل طلب، وإنما تكون
في المعروف.
وقد سُئل الإمام
أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل يأمره أبوه أن يطلِّق زوجته، فقال: «لا تطلقها»، فقيل
له: أليس عُمَر أمر ابنه عبدالله أن يطلِّق امرأته؟ فقال: «حتى يكون أبوك مثل
عُمَر»(4).
وهذا الجواب
يكشف دقة الفقه في فهم النصوص؛ فالإمام أحمد لم ينكر القصة، لكنه رفض أن تُفصل عن
سياقها، أو أن تتحول واقعة خاصة إلى مبرر للاستجابة لكل ضغط أسري.
وفي قصة قَيْسٍ
بن ذَرِيح لا يذكر الخبر وجود علة شرعية في لُبْنَى، وإنما يذكر وقوع الخلاف ثم
استمرار السعي حتى وقع الطلاق؛ ولذلك فالأمانة العلمية تقتضي ألا نحكم على أُمِّ
قَيْسٍ بما لم يذكره المصدر، كما لا نجعل مجرد كراهيتها لُبْنَى دليلًا كافيًا على
أن الطلاق كان هو الطريق الصحيح.
فالعدل لا يعني
الانحياز إلى طرف ضد طرف، وإنما يعني أن يُعطى كل صاحب حق حقه؛ فالأم لها حق البر
والإحسان، والزوجة لها حق العشرة والكرامة، والزوج مسؤول عن إدارة هذا التعارض
بالحكمة.
كيف حول قيس بن ذريح الضغط إلى قرار لا يمكن استعادته؟
تكشف قصة قَيْسٍ بن ذريح جانبًا دقيقًا من طبيعة القرارات التي تُتخذ تحت الضغط؛ فالإنسان حين يعيش حالة من
الاستنزاف النفسي قد يصبح همه الأكبر إنهاء النزاع، لا البحث عن أفضل الحلول.
فالضغط المتكرر
قد يضيِّق مساحة التفكير، ويجعل الإنسان يرى راحة اللحظة القريبة، وينسى آثار
القرار البعيدة.
وهذا المعنى
يتكرر في حياة الناس؛ فقد يخسر الإنسان علاقة أو فرصة أو مكانة بسبب قرار اتخذه في
لحظة انفعال، ثم يكتشف بعد هدوء النفس أن ثمن القرار كان أكبر من سبب المشكلة.
وقد جاء في قصة
عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما مع زوجته عاتكة بنت زيد، حين أمره
أبوه أبو بكر رضي الله عنه بفراقها لما رأى من شدة تعلقه بها وانشغاله بها،
فطلقها، ثم اشتد عليه الوجد والحنين، فلما رأى أبو بكر رضي الله عنه ما نزل بابنه
من الحزن والكمد أذن له في مراجعتها(5).
ولا يعني هذا أن
كل تدخل من الوالدين مذموم؛ فقد يرى الوالد ما لا يراه الابن، وقد يكون تدخله
مبنيًّا على مصلحة معتبرة، لكن المقصود أن القرارات الكبيرة تحتاج إلى نظر وروية،
وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل ضغط اللحظة أقوى من نظرته إلى المستقبل.
ومن هنا، فإن
الحكمة تقتضي أن تُعالج الخلافات قبل أن تصل إلى نقطة يصعب بعدها الرجوع؛ فالكلمة
الهادئة في بداية النزاع قد تمنع جرحًا طويلًا، والوساطة الحكيمة قد تحفظ بيتًا
كان يمكن أن يضيع.
جرح الفراق وامتحان البر
إن من أشد ما
يكشف حقيقة الإنسان ليس حاله حين تسير الأمور وفق ما يحب، وإنما حاله حين يفقد
شيئًا عزيزًا عليه؛ فالمحنة لا تختبر مقدار الألم فقط، وإنما تختبر طريقة التعامل
معه؛ فهل يحول الإنسان جرحه إلى وعي ونضج، أم يحوله إلى غضب يهدم ما بقي من
الروابط؟
وهذا المعنى
يظهر في قول قَيْسٍ بن ذريح لأُمِّه: «أما إنَّه آخر عهدك بي»؛ فهي كلمة تكشف عن شدة
الانفعال الذي بلغه، وعن شعوره بأن شيئًا عزيزًا منه قد فُقد.
لكن شدة الألم
لا تجعل القطيعة حلًّا، كما أن وقوع الظلم لا يبرر ظلمًا آخر؛ فالإسلام لا يعالج
الخطأ بخطأ، ولا يجعل الجرح سببًا لهدم ما بقي من الخير.
وقد ضرب القرآن
مثالًا عظيمًا في هذا الباب حين أمر بمصاحبة الوالدين بالمعروف حتى مع أعظم صور
المخالفة، فقال تعالى: (وَإِن
جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا
تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؛ فنهى سبحانه عن
الطاعة في الباطل، لكنه لم يُسقط حق الصحبة والإحسان.
وكذلك لما سألت
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها وكانت على غير
الإسلام، قال لها: «صِلِي أُمَّكِ»(6).
فهذا يبين أن
اختلاف المواقف لا يلغي رابطة البر، وأن الإنسان لا ينبغي أن يجعل ألمه سببًا لهدم
ما بقي من الخير.
وفي واقع الأسر
اليوم قد تتكرر صورة قَيْسٍ بن ذريح بأشكال مختلفة؛ فقد يخرج الإنسان من تجربة مؤلمة وهو
يحمل غضبًا شديدًا، فإذا لم يجد من يعينه على تجاوزها، تحول حزنه إلى خصومة مع من
حوله.
ولهذا، فإن
مرحلة ما بعد الفراق تحتاج إلى صبر وحكمة وحسن إدارة للمشاعر؛ فالإنسان قد يخسر
علاقة، لكنه لا ينبغي أن يخسر معها دينه وخلقه وبره ومستقبله.
الحدود الأسرية تحمي المحبة ولا تهدمها
تنشأ كثير من
الخلافات الأسرية من غياب الحدود الواضحة بين الأسرة التي نشأ فيها الإنسان،
والأسرة التي أسسها بعد الزواج؛ فالابن يبقى ابنًا مطالَبًا بالبر والإحسان، لكنه
بعد الزواج يصبح زوجًا مسؤولًا عن بيت له خصوصيته وحقوقه وقراراته.
ولا تعني الحدود
الأسرية أن يعزل الرجل زوجته عن أهله، أو أن يتعامل مع نصائح والديه باستخفاف،
وإنما تعني أن يعرف كل طرف مجاله، وأن تُدار العلاقات بميزان من الحكمة والعدل.
فللوالدين حق
النصيحة والتوجيه، وللابن حق الاستماع والتثبت، لكن القرار الزوجي لا ينبغي أن
ينتقل من صاحبه إلى أطراف خارج البيت، كما لا يجوز للزوجة أن تطلب من زوجها قطع
والديه أو الانتقاص من قدرهما.
قرار واحد خسر به قيس الجهتين
كان قرار
قَيْسٍ، كما تصوره صورة الخبر، محاولة لإنهاء ضغط قائم؛ فأُمُّه تبغض لُبْنَى،
والخلاف مستمر، والطلاق يبدو في ظاهره طريقًا لإغلاق باب النزاع، لكن النتيجة جاءت
على خلاف ما كان يُنتظر؛ فقد خسر زوجته التي أحبها، واضطربت علاقته بأُمِّه التي
أراد إرضاءها.
فلم يكن الطلاق
في هذه القصة مجرد نهاية لخلاف قائم، بل كشف أن بعض القرارات التي تُتخذ تحت وطأة
الأزمة قد تنقل الإنسان من مشكلة ظاهرة إلى ألم أعمق، إذا لم تُبنَ على رؤية هادئة
وحكمة كافية.
وهنا تظهر خطورة
بعض القرارات التي تعالج ظاهر المشكلة وتترك أصلها؛ فقد يظن الإنسان أن إزالة
الطرف الذي يدور حوله النزاع ستجلب الهدوء، ثم يكتشف أن أصل الاضطراب لم يكن في
وجود ذلك الطرف وحده، وإنما في طريقة إدارة الخلاف.
ولا يصح أن نجزم
بأن بقاء الزواج كان سيحل كل شيء؛ فقد تكون في القصة تفاصيل غابت عن النص، ولا
نملك الحكم على جميع جوانبها، لكن الثابت من خبر الذَّهَبِي أن فراق لُبْنَى عَظُم
على قَيْسٍ وجهده، وأنه لم يستقبل الطلاق باعتباره نجاة، بل باعتباره من أعظم
مصائب حياته.
وهذا المعنى
يكشف أهمية التريث عند اتخاذ القرارات المصيرية؛ فالطلاق، وإنهاء العلاقات، وقطع
الروابط، ليست قرارات عادية يمكن اتخاذها في لحظة غضب أو تحت ضغط نفسي شديد، لأنها
قرارات تمتد آثارها إلى المستقبل.
بلاغة بيت قيس بن ذريح.. حين تصبح الفرقة مقياس الأحزان
قال قَيْسٌ:
وَكُلُّ
مُلِمَّاتِ الزَّمَانِ وَجَدْتُهَا سِوَى
فُرْقَةِ الأَحْبَابِ هَيِّنَةَ الخَطْبِ
هذا البيت من
أجمل ما قيل في تصوير أثر الفراق في النفس؛ فقد جمع الشاعر فيه بين اتساع التجربة
وقوة الشعور، فجعل جميع مصائب الزمان في كفة، وفرقة الأحباب وحدها في كفة أخرى.
ويبدأ البيت
بقوله: «كل»، وهي كلمة تستوعب ما يمكن أن ينزل بالإنسان من شدائد ومحن، ثم يأتي
الاستثناء في قوله: «سوى فرقة الأحباب»، ليجعل ألم الفراق خارجًا عن دائرة الآلام
المعتادة.
أما قوله:
«وجدتها»، فيوحي بأن هذا الحكم لم يكن فكرة نظرية، وإنما كان نتيجة تجربة ومعاناة؛
فكأن قَيْسًا عرف ألوانًا من مشاق الحياة، ثم انتهى إلى أن أشد ما مر به هو فقد من
أحب.
وقوله: «هينة
الخطب» لا يعني أن سائر المصائب سهلة في ذاتها، وإنما يعبر عن حال قلب مجروح يرى
الدنيا من خلال ألمه.
وهذا من أسرار
بقاء الشعر الصادق؛ فهو يتجاوز قصة صاحبه إلى معنى إنساني واسع، لأن الناس في كل
زمان يعرفون ألم الفقد، ويجدون في كلمات الشعراء صدى لتجاربهم.
كما أن الشعر
الصادق يحفظ أثر الجراح في الذاكرة، ويمنح التجارب الإنسانية صوتًا يتجاوز
أصحابها؛ فقد بقي شعر قَيْسٍ حاضراً لأنه عبَّر عن ألم الفراق، لكنه لم يكن قادرًا
على إعادة ما مضى، ومن هنا تظهر قيمة الحكمة قبل الندم؛ فالكلمة التي تمنع الجرح
في بدايته خير من قصيدة تصف آثاره بعد وقوعه.
ما يبقى من قصة قَيْسٍ بن ذريح ولُبْنَى
ليست قصة قَيْسٍ بن ذريح دعوة إلى تقديم الزوجة على الأم، ولا إلى تقديم الأم على الزوجة تقديمًا يلغي
العدل، وإنما هي دعوة إلى تجاوز هذا التصور الذي يجعل الإنسان وكأنه لا يستطيع أن
يحفظ حق أحد الطرفين إلا بظلم الآخر.
فالأم لا تفقد
مكانتها بزواج ابنها، والزوجة لا تصبح مباحة الظلم لأنها جاءت بعد الأم، والابن لا
يكون بارًّا إذا أرضى أحد الطرفين بإهدار حق الطرف الآخر.
إنما البر
الحقيقي هو الذي يجمع بين الرحمة والعدل، وبين الوفاء والحكمة؛ فيحفظ الإنسان
مكانة والديه، ويصون في الوقت نفسه حرمة بيته وحقوق زوجته.
ويظهر من قصة
قَيْسٍ أن القرار الذي لا يقوم على قناعة هادئة قد ينهي الخلاف ظاهرًا، لكنه يترك
في النفس جرحًا أعمق؛ فالنصيحة الصادقة ليست دائمًا موافقة الإنسان على رغبات من
يحب، بل قد تكون منعه من الظلم وردَّه إلى العدل بالحكمة! وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، أي بمنعه من الظلم(7).
فالعلاقات الأسرية لا تستقيم بانتصار طرف على طرف، وإنما بالعدل وحفظ الحقوق؛ لأن بعض القرارات إذا اتُّخذت تحت ضغط اللحظة بقي أثرها في القلوب والبيوت طويلًا، وتبقى قصة قَيْسٍ بن ذَرِيحٍ رسالةً لكل بيت: أن المحبة تحتاج إلى حكمة، والبر يحتاج إلى عدل، والقرارات الكبرى تحتاج إلى بصيرة تتجاوز ألم اللحظة.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً