في نهاية العام.. 10 ثمرات لمحاسبة النفس
مع اقتراب نهاية
العام، يراجع المؤمن نفسه، لا بقصد إحصاء ما أنجزه من الأمور الدنيوية فقط؛ بل
ليكشف عن حساباته الدينية، وحياته الروحية، فالأعوام ما هي إلا مراحل من العمر،
والأيام ما هي إلا صفحات من كتاب الأعمال، وما يمضي من الزمن لا يعود، ولهذا دعا الإسلام إلى المحاسبة، من أجل تقويم الأخطاء وإصلاح القلوب، ولمحاسبة النفس ثمرات
عديدة، منها:
1- الاستجابة لأمر الله تعالى:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {18} وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا
اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر)؛ لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال؛ أمن
الصالحات التي تنجيه، أم من السيئات التي توبقه؟ (إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان،
1/ 84).
2- تحصيل الإيمان والتقوى:
إذا حاسب
الإنسان نفسه فقد اتقى شرورها وابتعد عن أهوائها واقترب من تحقيق إيمانها، فعَن
الْحَسَنِ، قَالَ: «الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ
لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، ص 60)، وعن الحسن قال: «لا
يُلفَى المؤمنُ إلا يُحاسِبُ نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ وماذا أردتُ بأكلتي؟ وماذا
أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا، لا يُحاسِب نفسَه» (إغاثة اللهفان، 1/ 132)،
وعن مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: «لَا يَكُونُ العَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى
يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ
وَمَلْبَسُهُ»، (سنن الترمذي، 4/ 638).
3- اتباع السلف الصالح:
في «موطأ» مالك
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا
فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارٌ وَهُوَ فِي جَوْفِ
الْحَائِطِ: «عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، بَخٍ بَخٍ،
وَاللَّهِ لَتَتَّقِيَنَّ اللَّهَ أَوْ لَيُعَذِّبَنَّكَ».
وعن سلمة بن
منصور، عن مولى له كان يصحب الأحنف بن قيس، قال: كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل
الدعاء، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه ثم يقول: حس، ثم يقول: يا حنيف، ما
حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ (صفة الصفوة، 2/
117).
4- كمال العقل:
المحاسب نفسه
ساعٍ إلى كمال عقله، ففي سنن الترمذي بسند حسن عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ
وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا
وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ»، قال الترمذي: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ دَانَ نَفْسَهُ
يَقُولُ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ
القِيَامَةِ.
وعَنْ وَهْبِ
بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: «حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ
أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ، سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا
رَبَّهِ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ
إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ،
وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ
وَيُحْمَدُ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ،
وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ. (محاسبة النفس لابن أبي الدنيا، ص 30).
5- الاطلاع على عيوب النفس وإصلاحها:
قال ابن القيم:
اعلم أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها، ففي
محاسبة النفس اطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا
اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى. (إغاثة اللهفان، 1/ 84)، وعن أبي الدرداء
قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون
لها أشد مقتاً. (تاريخ دمشق: لابن عساكر، 47/ 173).
6- حسن قيادة النفس وإلزامها بالعمل الصالح:
عن جعفر بن
سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة
كذا ألست صاحبة كذا، ثم زَمَّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله، فكان لها قائداً.
(تاريخ دمشق، 56/ 420)، وقال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها
وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من
صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد
إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي. (صفة الصفوة، 2/ 52).
7- صلاح الحال:
عن الْحَسَن،
قَال: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ
وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ. (محاسبة النفس: ابن أبي الدنيا، ص
25).
8- الإسراع إلى التوبة:
من أنفع الأشياء
أن يجلس الرجل عِنْدَمَا يُرِيد النّوم لله سَاعَة يُحَاسب نَفسه فِيهَا على
مَا خسره وَربحه فِي يَوْمه، ثمَّ يجدد لَهُ تَوْبَة نصُوحًا بَينه وَبَين الله،
فينام على تِلْكَ التَّوْبَة ويعزم على أَلا يعاود الذَّنب إِذا اسْتَيْقَظَ،
وَيفْعل هَذَا كل لَيْلَة، فَإِن مَاتَ من ليلته مَاتَ على تَوْبَة وَإِن
اسْتَيْقَظَ اسْتَيْقَظَ مُسْتَقْبلاً للْعَمَل مَسْرُوراً بِتَأْخِير أَجله
حَتَّى يسْتَقْبل ربه ويستدرك مَا فَاتَهُ وَلَيْسَ للْعَبد انفع من هَذِه النومة.
(الروح، ص 79).
9- النجاة من الغفلة:
الغافل هو
الذي يمضي في دنياه دون أن يفكر في آخرته، ولا يحاسب نفسه على أخطائه، حتى تتراكم
عليه ويسود قلبه، ومن أهم المعينات على مواجهة هذه الغفلة أن يحاسب العبد نفسه
دائماً، فالمحاسبة توقظ القلب، وتنجيه من الغفلة والهلكة.
10- تخفيف الحساب يوم القيامة والنجاة من الحسرة والندامة:
روى الترمذي
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ
تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا يَخِفُّ الحِسَابُ
يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا»، وعن جَعْفَر بْن
بُرْقَانَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى
بَعْضِ عُمَّالِهِ فَكَانَ فِي آخِرِ كِتَابِهِ «أَنْ حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ
قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ
قَبْلَ حِسَابٍ فِي الشِّدَّةِ؛ عَادَ مَرْجِعُهُ إِلَى الرْضَا وَالْغِبْطَةِ،
وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ، وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى
النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ» (محاسبة النفس: ابن أبي الدنيا، ص 59).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً