فيلم «نازا».. لماذا تخشى «إسرائيل» شهادات جنودها؟

سيف باكير

14 سبتمبر 2026

81

صنّاع فيلم "نازا" خلال عرضه في مهرجان فينيسا السينمائي

أثار فيلم «نازا» الوثائقي جدلًا واسعًا داخل دولة الاحتلال، بعد فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي، على خلفية شهادات أدلى بها جنود وضباط وعناصر استخبارات «إسرائيليون» بشأن العدوان على غزة.

وتصاعد الجدل بعد تهديد وزير الثقافة والرياضة «الإسرائيلي» ميكي زوهار بالعمل على سحب الجنسية من مخرجي الفيلم، يوفال أبراهام، وراحيل شور، واتهامهما بـ«الخيانة»، لتنتقل المواجهة من مضمون العمل السينمائي إلى أسئلة تتعلق بحرية التعبير وحدود انتقاد المؤسسة العسكرية والحكومة خلال الحرب.

فيلم «نازا».. شهادات من داخل الجيش والاستخبارات

يمتد فيلم «نازا» لـ80 دقيقة، واستغرق إنجازه نحو 3 سنوات من التحقيق، واعتمد على مقابلات مع 24 جنديًا وضابطًا وعنصر استخبارات «إسرائيليًا» تحدثوا دون الكشف عن هوياتهم.

ويعرض الفيلم شهادات حول اختيار الأهداف في غزة، وآليات تنفيذ الغارات، وتقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم، إلى جانب استخدام أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف.

واختار المخرجان اسم «نازا» من اختصار عبري يشير إلى «الضرر الجانبي»، وهو تعبير عسكري يستخدم لوصف الخسائر المدنية المحتملة عند استهداف هدف عسكري.

وبحسب صناع الفيلم، تكشف الشهادات عن معرفة مسبقة بوجود مدنيين داخل بعض المباني التي جرى استهدافها، وتقدم صورة عن الطريقة التي تدار بها عمليات القصف في قطاع غزة.



شهادات الجنود «الإسرائيليين» في فيلم «نازا»

تكتسب الشهادات التي يعرضها فيلم «نازا» أهمية خاصة من طبيعة مصادرها، إذ جاءت من أفراد عملوا داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية «الإسرائيلية».

وتتحدث الإفادات عن استخدام تقنيات مختلفة لجمع المعلومات وتحديد الأهداف، وعن تقديرات مسبقة للخسائر المدنية، فضلًا عن شهادات تتعلق بعمليات استهداف طالت منازل مأهولة.

ويؤكد صناع العمل أن الفيلم لا يستند إلى رواية خارجية عن المؤسسة العسكرية، وإنما يضع شهادات من داخلها أمام الجمهور، وهو ما جعل الفيلم محور مواجهة سياسية وإعلامية داخل «إسرائيل» وخارجها.

وفي المقابل، قال جيش الاحتلال: إن الفيلم يتضمن ادعاءات كاذبة ولا أساس لها من الصحة، فيما أشارت وسائل إعلام «إسرائيلية» إلى أن ما يقدمه العمل من معلومات يمثل شهادات وروايات لمصادره، وليس أحكامًا قضائية نهائية.

زوهار يهدد بسحب الجنسية من مخرجي فيلم «نازا»

تصاعدت المواجهة عقب تصريحات وزير الثقافة والرياضة «الإسرائيلي» ميكي زوهار، الذي قال: إنه سيعمل على سحب الجنسية «الإسرائيلية» من يوفال أبراهام، وراحيل شور، واصفًا ما قدماه في فيلم «نازا» بأنه «خيانة للدولة».

واتهم زوهار المخرجين بالإضرار بصورة «إسرائيل» والجيش في المحافل الدولية، معتبرًا أن فوز الفيلم في مهرجان البندقية يمثل تطورًا صادمًا.

غير أن إعلان الوزير لا يعني امتلاكه صلاحية مباشرة لسحب الجنسية؛ إذ يخضع إلغاء الجنسية بدعوى «خرق الولاء للدولة» لمسار قانوني محدد، ويتطلب تدخل الجهات المخولة قانونًا، وصولًا إلى المحكمة المختصة.

ولم تتوقف الدعوات إلى التصعيد عند الحكومة، إذ طالب وزير الأمن السابق ورئيس حزب «يسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان بمحاكمة المخرجين بتهمة الخيانة، معتبرًا أن الفيلم يوفر مادة يمكن استخدامها ضد إسرائيل وقادتها في الساحة الدولية.

فيلم «نازا» يفتح نقاشًا حول حرية التعبير

لم يعد الجدل حول فيلم «نازا» مقتصرًا على قيمته الفنية أو مضمون الشهادات التي يقدمها، بعدما دخلت القضية في نطاق الحقوق المدنية وحرية التعبير.

فالمواجهة باتت تدور حول سؤال أساسي: هل يكون الرد على الشهادات التي يعرضها الفيلم من خلال مناقشة مضمونها والتحقق منها، أم عبر ملاحقة صناع العمل واتهامهم بالخيانة؟

ويزداد هذا السؤال حساسية مع ربط وزير الثقافة الجدل حول الفيلم بخططه لإعادة هيكلة تمويل السينما، ودعوته إلى عدم استخدام الأموال العامة في أعمال يرى أنها تضر بصورة الجيش والدولة.

ويضع ذلك قطاع السينما أمام معادلة معقدة بين حق الدولة في تحديد سياسات التمويل العام، وحق الفنان والصحفي في تناول القضايا السياسية والعسكرية وانتقاد أداء الحكومة والمؤسسات الرسمية.

أبراهام: «شاهدوا الفيلم قبل مهاجمته»

في مواجهة الانتقادات، دعا المخرج يوفال أبراهام الجمهور «الإسرائيلي» إلى مشاهدة الفيلم قبل إصدار الأحكام عليه، مؤكدًا العمل على إتاحته أمام أكبر عدد ممكن من «الإسرائيليين».

ويحاول أبراهام، وراحيل شور، من خلال فيلم «نازا» نقل شهادات الجنود والضباط إلى الجمهور داخل «إسرائيل»، بعدما حظي العمل بعرض عالمي في مهرجان البندقية، في 10 سبتمبر 2026م.

وكان الفيلم قد حصل في ختام المهرجان على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ليكتسب حضورًا دوليًا واسعًا ويصبح موضوعًا رئيساً في النقاش السياسي والإعلامي «الإسرائيلي».

«نازا».. من مهرجان البندقية إلى الداخل «الإسرائيلي»

يمثل فوز فيلم «نازا» في مهرجان البندقية نقطة تحول في مساره، بعدما انتقل من تحقيق وثائقي يعتمد على شهادات عسكرية إلى عمل يحظى باهتمام دولي واسع.

وتزداد أهمية الفيلم في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد الجدل الدولي والقانوني حول العمليات العسكرية، فضلًا عن الاهتمام المتزايد بالشهادات القادمة من داخل المؤسسة العسكرية «الإسرائيلية».

كما أن المخرجين أبراهام، وشور، سبق أن شاركا في صناعة الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى»، الذي فاز بجائزة «أوسكار» أفضل فيلم وثائقي، إلى جانب الفلسطينيين باسل عدرا، وحمدان بلال.

ويضع ذلك فيلم «نازا» ضمن مسار سينمائي يتجاوز التوثيق الفني إلى مساءلة الرواية الرسمية للحرب، خصوصًا عندما تأتي الشهادات من أشخاص عملوا داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية.

هل تكسر السينما الصمت حول الحرب في غزة؟

تحولت قضية فيلم «نازا» إلى مواجهة تتجاوز العمل السينمائي نفسه؛ فالفيلم يطرح شهادات من داخل المؤسسة العسكرية، بينما تواجه هذه الشهادات ردودًا سياسية وإعلامية حادة.

وبينما يرى منتقدوه أنه يقدم صورة تضر بـ«إسرائيل» والجيش، يتمسك مخرجاه بحق الجمهور في الاطلاع على الشهادات التي جمعاها، ويدعوان إلى مناقشة مضمونها بدلًا من مهاجمة العمل وصانعيه.

وفي المحصلة، نقل فيلم «نازا» الجدل حول الحرب في غزة من ساحات المعارك إلى شاشة السينما، ومن الرواية الرسمية إلى شهادات قادمة من الداخل، لتصبح القضية اختبارًا لحدود حرية التعبير وقدرة المجتمع على مواجهة روايات الحرب، حتى عندما تأتي من داخل المؤسسة نفسها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة