حين تتحول الرحمة إلى مسؤولية

عليّ بن الحسين وقضاء الدَّيْن.. حين تسبق الرحمة حاجة الإنسان

د. نصر حسن

22 أكتوبر 2026

20

صورة تعبيرية عن قصة علي بن الحسين زين العابدين وقضاء الدين في التاريخ الإسلامي.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار، قال: «دخل عليّ بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل محمد يبكي، فقال: ما شأنك؟ قال: عليَّ دين، قال: وكم هو؟ قال: بضعة عشر ألف دينار، قال: فهي علي»(1).

يمثل هذا الخبر القصير مشهدًا مكثفًا من أخلاق النبوة التي انتقلت إلى جيل التابعين وأعلام أهل البيت، فهو لا يعرض مجرد مساعدة مالية، بل يكشف عن طريقة كاملة في فهم الإنسان وكرامته ومسؤولية المجتمع تجاه أفراده، والموقف وقع في المدينة المنورة في القرن الأول الهجري، في زمن كانت فيه الأمة تمر بتحولات سياسية واجتماعية عميقة بعد أحداث كبرى تركت آثارًا في النفوس والمجتمع.

وعلي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنه من الشخصيات التي عُرفت بكثرة العبادة، والحلم، والورع، والإحسان إلى الناس، وقد نقلت كتب التراجم أخبارًا كثيرة عن زهده وكرمه وحسن معاشرته، وكان اختياره لطريق العلم والعبادة والإصلاح الاجتماعي بعيدًا عن الصدام السياسي المباشر أحد أبرز سمات شخصيته في مرحلة مضطربة من التاريخ الإسلامي.

وهذا الخبر -مع قصره- يفتح أبوابًا واسعة للتأمل في معنى القيادة الأخلاقية، وكيف يتحول الإيمان إلى فعل، وكيف يصبح المال وسيلة لحفظ الإنسان لا غاية للاستحواذ عليه.

كيف نقرأ وجع الإنسان قبل سؤاله المباشر؟

لم تكن زيارة الإمام علي بن الحسين لمحمد بن أسامة بن زيد مجرد أداء لحق العيادة المعروف، بل تحولت إلى لحظة كشف عن همّ داخلي كان يخفيه المريض، فقد دخل عليه فوجده يبكي، فلم يمر على دموعه مرورًا عابرًا، ولم يكتفِ بعبارات المواساة العامة، وإنما سأله سؤالًا يحمل اهتمامًا حقيقيًا: «ما شأنك؟».

وهذه الكلمة القصيرة تكشف عن جانب مهم في بناء العلاقات الإنسانية؛ فالكثير من الآلام لا تظهر في الكلام، وإنما تظهر في الإشارات والسلوك والانفعال، والإنسان الذي يمتلك حسًّا عاليًا بالرحمة لا ينتظر دائمًا أن يطلب منه المحتاج، بل يقرأ حاله ويسعى إلى معرفة موضع الألم.

ويؤكد هذا المعنى ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ كان يتعاهد امرأة عجوزًا عمياء مقعدة، يأتيها بما يصلحها ويقوم بشأنها من غير أن تنتظر منه سؤالًا أو ترفع إليه حاجة(2)، فالقيمة في هذا الموقف ليست في مجرد قضاء حاجة امرأة ضعيفة، وإنما في الوصول إلى الحاجة قبل أن تتحول إلى طلب؛ وبذلك يكشف الشاهد عن صورة عملية للرحمة التي تراقب أحوال الناس ولا تجعل المبادرة مشروطة باستغاثتهم.

ولا يقف هذا الوعي عند إدراك ما يحتاج إليه الإنسان في نفسه، بل يتسع ليشمل ما تتركه حاجته من أثر فيمن حوله؛ فقد لا يعبّر صاحب الحاجة عن ألمه، وإنما يُستدل عليه مما يظهر في حال من يتأثر به، ويكشف الهدي النبوي عن هذا المستوى من دقة الملاحظة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ؛ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ ‌شِدَّةِ ‌وَجْدِ(3) ‌أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ»(4)، فلم يكن التفاته صلى الله عليه وسلم إلى بكاء الصبي فحسب، بل أدرك ما يصنعه بكاؤه في نفس أمه، فخفف من إطالة صلاته مراعاةً لحالها، وهكذا تتجاوز رعاية الإنسان الاستجابة لما يطلبه المحتاج صراحة، إلى ملاحظة ما تكشفه الأحوال عن حاجته وما قد يترتب عليها من مشقة.

وهذا المعنى أصل عظيم في الهدي الإسلامي؛ فقد جعل الإسلام تفقد أحوال الناس وإعانتهم من أبواب البر، قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، فالتعاون لا يبدأ دائمًا بطلب صريح، بل قد يبدأ بالانتباه إلى حال الإنسان، وقراءة ما تكشف عنه ملامحه وتصرفاته من حاجة أو ألم، قبل أن تتحول حاجته إلى شكوى.

وفي واقع الناس اليوم، يظهر هذا المعنى في الأسرة والعمل والمجتمع؛ فقد يكون الإنسان حاضرًا بين الآخرين لكنه يحمل أعباء لا يراها أحد، والقائد أو المربي أو الأب الذي يملك شجاعة السؤال الصادق: «ما الذي يثقل عليك؟» يفتح بابًا للعلاج قبل أن تتفاقم الأزمة.

ثقل الدين على نفس المدين في التصور الإسلامي

لم يكن بكاء محمد بن أسامة متعلقًا بمرض الجسد وحده، بل ظهر أن الدين هو الهم الذي أثقله، وقد كان المسلمون في صدر الإسلام ينظرون إلى الديون بجدية بالغة؛ لأنها تتعلق بحقوق العباد التي تبقى في ذمة المدين حتى تُؤدَّى أو يُبرئ صاحبها منها.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم شأن الدين، فقد ثبت عنه أنه قال: «يُغْفَرُ ‌لِلشَّهِيدِ ‌كُلُّ ‌ذَنْبٍ ‌إِلَّا ‌الدَّيْنَ»(5)، وهذا يبين خطورة انشغال الذمة بحقوق الآخرين.

ويتضح البعد النفسي لهذا الثقل في موقف الزبير بن العوام رضي الله عنه؛ فقد قال لابنه عبد الله قبيل مقتله: «وإن من أكبر همي لديني»، ثم أوصاه أن يقضي عنه دينه من ماله(6)، فلم يكن الدين عنده التزامًا ماليًا مجردًا، بل همًّا حاضرًا في نفسه، يلازمه حتى في أشد لحظاته، ومن هنا يتضح أن بكاء محمد بن أسامة لم يكن تعبيرًا عن عجز مالي عابر، وإنما عن كربة حقيقية أثقلت نفسه.

ومن هنا نفهم سرعة استجابة الإمام علي بن الحسين؛ فقد أدرك أن الدين ليس مبلغًا مستحقًا فحسب، بل عبء قد يثقل نفس صاحبه ويؤثر في طمأنينته، ولذلك جاء موقفه جامعًا بين قضاء الدين وتفريج الكربة التي خلّفها في نفس المدين، وفي هذا يتجلى معنى إنساني أوسع: فمعونة الإنسان لا تقتصر على إزالة سبب الضيق، بل تشمل إدراك ما يتركه ذلك الضيق في نفسه، والمبادرة إلى رفعه بما يحفظ له طمأنينته وكرامته.

«فهي عليّ».. قوة القرار حين تسبق الرحمة الحسابات

تظهر عظمة الموقف في العبارة التي اختارها الإمام علي بن الحسين: «فهي علي»، لم يقل: سأساعدك بجزء من الدين، أو سأبحث لك عمن يعينك، بل تحمل المسؤولية كاملة.

ولا تقف دلالة «فهي علي» عند المبادرة إلى رفع دين شخص أثقله، بل تمتد إلى خُلُق يتكرر في معونة المدينين؛ فقد كان طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه لا يدع أحدًا من بني تيم عائلًا إلا كفاه وقضى دينه، وقضى عن أحد التيميين ثلاثين ألفًا، كما قضى عن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم(7)، ويكشف هذا الموقف عن اتساع معنى المعونة حين تتحول من استجابة لحاجة عارضة إلى بذل مستمر يتسع لأكثر من محتاج، ويجعل المال وسيلة لرفع أثقال الناس وحفظ حاجاتهم.

وهنا يظهر نوع من القيادة التي تقوم على المبادرة وتحمل العبء، فالقيادة الحقيقية لا تتمثل فقط في إصدار التوجيهات، وإنما في القدرة على الدخول إلى مساحة المعاناة وتحمل جزء من أثقالها.

ويأخذ هذا المعنى أساسه الأوسع من تقرير العلماء لفضل إعانة المسلم؛ فقد قال القاضي عياض عند شرحه لحديث «الْمُسْلِمُ ‌أَخُو ‌الْمُسْلِمِ»(8): «في هذا فضل معونة المسلم للمسلم في كل خير، وفعله المعروف إليه، وستره عليه»(9)، فتأتي هذه القاعدة شارحةً لما تجسّد في موقف «فهي علي»؛ إذ تحولت المعونة من مبدأ أخلاقي إلى قرار مباشر يحمل عن المحتاج ما أثقله.

ولا يعني ذلك إلغاء الحساب أو الحكمة في إدارة المال، فالشريعة لم تدعُ إلى إضاعة الموارد، لكنها رفعت قيمة الإنسان وجعلت المال أداة لتحقيق مقاصد الخير.

وقد مدح القرآن أهل الإيثار فقال: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)، والإيثار ليس مجرد بذل المال، بل هو تقديم مصلحة الإنسان المحتاج عند موضع الحاجة.

وفي المؤسسات والمجتمعات المعاصرة، يمكن استحضار هذا المعنى في صور متعددة؛ فالقائد الناجح لا يترك أفراد فريقه يواجهون الأزمات وحدهم، بل يبحث عن حلول عملية تحفظ كرامتهم وتعيد قدرتهم على العطاء.

لماذا يعد توجيه الثروة أهم من امتلاكها؟

تكشف هذه الحادثة عن مفهوم مختلف للمال، فالمال عند أصحاب النفوس الكبيرة ليس قيمة مستقلة، وإنما هو وسيلة لتحقيق مقاصد أعلى.

قد يملك الإنسان المال، لكن المال يملكه إذا أصبح أسيرًا له، أما الزاهد الحقيقي فهو من يملك الشيء ولا يصبح الشيء مالكًا لقلبه.

ويظهر هذا التصور في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أموال بني النضير؛ فقد كانت له خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله(10)، فالمعنى الذي يكشفه هذا التصرف أن المال لا يُنظر إليه بوصفه غاية في ذاته، بل يُرتب بحسب الحاجة والمقصد؛ فيؤخذ منه ما يكفي، ويوجَّه ما زاد إلى مصلحة أوسع.

وقد اشتهر علي بن الحسين بالعبادة والزهد والإنفاق، ونقلت كتب التراجم أخبارًا عن إحسانه إلى الناس سرًا، حتى كان بعض أهل المدينة لا يعرف مصدر ما يصل إليهم من العطاء إلا بعد وفاته.

وهكذا يتجاوز المال في هذا التصور حدود الملكية إلى معنى أوسع، هو حسن توجيهه إلى ما ينفع الناس؛ فالقيمة لا تقف عند ما يملكه الإنسان، وإنما تظهر في الوجهة التي يمنحها لما يملك، ومن هنا ينشأ أثر اجتماعي يتجاوز لحظة العطاء نفسها، حين تصبح الرحمة والتكافل سلوكًا يحفظ كرامة المحتاج ويقوي روابط المجتمع.

كيف يحفظ الوفاء روابط المودة بعد رحيل أصحابها؟

محمد بن أسامة بن زيد يحمل مكانة خاصة في الوجدان الإسلامي؛ فهو من بيت ارتبط بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأسامة بن زيد رضي الله عنه كان حب رسول الله وابن حبه، ولم تكن مكانة أسامة مجرد ذكر تاريخي، بل عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن منزلته ومحبته له بوضوح حين قال: «وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ»(11)، أي: بعد أبيه زيد بن حارثة رضي الله عنه، ويكشف هذا الشاهد عن عمق الصلة التي نشأت بين النبي صلى الله عليه وسلم وأسامة وأبيه، وهي صلة تتجاوز المعرفة العابرة إلى محبة ظاهرة ومكانة محفوظة، ومن هذا المعنى تتضح قيمة المودة في حفظ الروابط بين الناس، وهو ما ينسجم مع قضاء علي بن الحسين دين محمد بن أسامة، فلم تكن المعونة مجرد استجابة لحاجة مالية، بل جاءت في سياق رابطة تقوم على المودة والوفاء.

وهكذا يكشف الموقف عن معنى أوسع للوفاء في المجتمع، إذ تتجاوز العلاقات حدود المصلحة العابرة إلى حفظ ما نشأ بينها من روابط وحقوق.

ويظهر هذا المعنى أيضًا في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصدقاء خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها؛ فقد كان إذا ذبح الشاة قال «‌أَرْسِلُوا ‌بِهَا ‌إِلَى ‌أَصْدِقَاءِ ‌خَدِيجَةَ»(12)، فلم تنقطع صلته صلى الله عليه وسلم بأصحابها بوفاتها، بل ظل يذكرهم ويصلهم، فتحول الوفاء لعلاقته بها إلى رعاية لمن بقيت لهم صلة بها، وهكذا لا يبقى الوفاء مجرد شعور تحفظه الذاكرة، وإنما يتحول إلى سلوك يمتد أثره إلى من تتصل بهم العلاقات، حتى بعد تغير الظروف وغياب أصحابها، ومن هذا الامتداد تتسع الرحمة الاجتماعية من استجابة فردية لحاجة إنسان إلى ثقافة تحفظ الروابط وتبني الثقة بين أفراد المجتمع؛ فعندما يرى الناس أن أهل الفضل يقفون مع أصحاب الحاجة ويحفظون حقوقهم، يصبح التكافل قيمة حاضرة في حياة المجتمع، لا مجرد موقف عابر.

كيف نمارس التكافل الاجتماعي وفق قدراتنا المتاحة؟

ليس المقصود من موقف علي بن الحسين أن يتحمل كل إنسان ديون الآخرين بلا قدرة أو تقدير، وإنما المقصود أن يحمل القادرون مسؤولية الرحمة بما يستطيعون.

وهذا المعنى تؤكده السنة بقاعدة أوسع من قضاء الدين نفسه؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»(13)، فالمعنى المعاصر لـ«فهي علي» لا ينحصر في دفع المال، بل يشمل كل صورة مشروعة يستطيع بها الإنسان تخفيف كربة أخيه وتيسير أمره.

وإذا كان هذا الحديث يوسع دائرة المسؤولية لتشمل كل ما يقدر عليه الإنسان في تفريج كربة غيره، فإن اتساع الحاجة ليشمل جماعة من الناس يقتضي أن تتسع معها دائرة المسؤولية؛ وعلى مستوى المسؤولية العامة، يقدم موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة صورة مختلفة في الوظيفة؛ فلم يكتفِ بإعانة فرد أو أسرة، بل حمل همَّ الجوع العام حتى كان يقول: «بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع»(14)، وعاش في تلك الأزمة على الخبز والزيت، فلم تكن مسؤوليته مقتصرة على تدبير الإغاثة، بل شملت مشاركتهم حالهم، فجاء سلوكه الشخصي متناسبًا مع شدة ما نزل بالمجتمع، وأصبح تحمل المسؤولية هنا فعلًا عامًا يتجاوز مساعدة الأفراد إلى رعاية الجماعة في وقت الأزمة.

ولا تقتصر دلالة هذا المعنى على الأزمات العامة؛ فالمسؤولية عن تخفيف المشقة تبدأ من الدوائر الأقرب إلى الإنسان، ثم تتسع بقدر ما يملك من قدرة على النفع؛ ففي الأسرة قد تكون كلمة دعم صادقة سببًا في إنقاذ إنسان من الانهيار، وفي العمل قد يكون تفهم ظروف الموظف سببًا في استعادته لتوازنه، وفي المجتمع قد تكون مبادرة فردية سببًا في فتح أبواب أوسع من التعاون.

إن أعظم ما يعلّمنا إياه موقف علي بن الحسين زين العابدين أن الإنسان لا يقاس فقط بما يملك، بل بما يقدمه حين يحتاجه الآخرون.

فالكبار في التاريخ لم تخلدهم ثرواتهم، وإنما خلدتهم اللحظات التي جعلوا فيها ما يملكون جسرًا لعبور الآخرين من الضيق إلى السعة، ومن الخوف إلى الطمأنينة.

وختامــــــــــــًا: يبقى موقف الإمام علي بن الحسين مع محمد بن أسامة بن زيد نموذجًا مضيئًا لفهم الإسلام للرحمة والمسؤولية الاجتماعية، فهو يجمع بين عمق الإيمان وحسن قراءة النفس البشرية، وبين القدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي في لحظة الحاجة.

لقد اختصر الإمام علي بن الحسين فلسفة كاملة في كلمتين: «فهي علي»، كلمة حملت معنى الكفالة، لكنها حملت قبل ذلك معنى الأخوة، والرحمة، والشعور بمسؤولية الإنسان تجاه الإنسان.

وهكذا تتحول الأخلاق من معانٍ محفوظة إلى واقع يتحرك بين الناس، ويصبح المال حين يقع في يد النفس المؤمنة وسيلة لبناء الإنسان وحفظ الكرامة وصناعة أثر يبقى بعد رحيل صاحبه.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 394).
  • 2 محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ابن المبرد الحنبلي (1/ 356).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (710)، ومسلم (470).
  • 4 الوجد يطلق على الحزن وعلى الحب أيضًا، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر؛ أي: حزنها واشتغال قلبها به، صحيح مسلم (1/ 343).
  • 5 أخرجه مسلم (1886).
  • 6 أخرجه البخاري (3129).
  • 7 تاريخ دمشق ابن عساكر (25/ 102).
  • 8 أخرجه البخاري (2442)، ومسلم (2564).
  • 9 إكمال المعلم بفوائد مسلم: القاضي عياض (8/ 49).
  • 10 متفق عليه، أخرجه البخاري (2904)، ومسلم (1757).
  • 11 متفق عليه، أخرجه البخاري (4250)، ومسلم (2426).
  • 12 أخرجه مسلم (2435).
  • 13 أخرجه مسلم (2699).
  • 14 البداية والنهاية: ابن كثير (7/ 135).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة