قراءة في فقه الإنصاف التاريخي

عليّ بن الحسين.. ميزان الإنصاف حين لا يحجب الألم الحق

د. نصر حسن

22 أكتوبر 2026

24

تصميم رمزي لمخطوطة تاريخية إسلامية يعبر عن الإنصاف في موقف زين العابدين من أبي بكر الصديق

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن يحيى بن كثير، عن جعفر بن محمد(1)، عن أبيه، قال: «جاء رجل إلى أبي (علي بن الحسين)، فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصديق تسأل؟ قال: وتسميه الصديق؟ قال: ثكلتك أمك! قد سماه صديقًا من هو خير مني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون، والأنصار؛ فمن لم يسمه صديقًا، فلا صدق الله قوله، اذهب، فأحب أبا بكر، وعمر، وتولهما، فما كان من أمر ففي عنقي»(2).

يمثل هذا الموقف المنقول عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين صورة من صور التوازن التاريخي في شخصية أحد كبار آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فالمشهد لا يُقرأ بوصفه إجابة عابرة على سؤال عن صحابي، بل بوصفه موقفًا علميًا وتربويًا صدر في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة، حيث تداخلت آثار الفتن السياسية مع العواطف الدينية، وبرزت الحاجة إلى ضبط العلاقة بين محبة آل البيت وتعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتحتاج قراءة هذا الأثر إلى مراعاة سياقه التاريخي، مع التفريق بين الرواية التاريخية ودلالاتها التحليلية، والنظر إلى شخصية علي بن الحسين باعتباره إمامًا من أئمة أهل البيت عُرف بالعبادة والعلم والزهد، لا باعتباره مجرد شاهد على مرحلة سياسية مضطربة.

علي بن الحسين...كيف تفصل البصيرة بين العاطفة والحكم التاريخي؟

ولد علي بن الحسين في بيئة اجتمعت فيها أعظم مصادر الشرف الإسلامي: فهو من ذرية علي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما، ومن نسل بيت النبوة، وقد عاش أحداثًا مؤلمة، كان أبرزها مقتل أبيه الحسين رضي الله عنه في واقعة كربلاء سنة 61هـ، وهي من أكثر أحداث التاريخ الإسلامي حضورًا في الذاكرة الجماعية.

غير أن الموقف المنقول عنه يكشف أن الألم التاريخي لم يتحول عنده إلى معيار للحكم على السابقين، بل بقي ميزان التقييم قائمًا على العلم والإنصاف، فهو لم يجعل المصاب الشخصي سببًا لإعادة بناء التاريخ وفق مشاعر الجرح، وإنما أعاد السائل إلى أصل القضية: مكانة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما عرفها الجيل الأول.

وإذا كان هذا الموقف يضعنا أمام سؤال جوهري عن قدرة الإنسان على الفصل بين ألم التجربة وحقيقة الحكم، فإن هذا الفصل لا يبدأ عند لحظة الصدام نفسها، وإنما يتأسس على معرفة سابقة تجعل الإنسان قادرًا على قراءة الحدث الطارئ دون أن يسمح له بإلغاء ما استقر لديه من حقائق.

ومن أوضح الشواهد على هذا الميزان ما كان من خديجة رضي الله عنها عند نزول الوحي، حين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، ‌وَتَحْمِلُ ‌الْكَلَّ، ‌وَتَكْسِبُ ‌الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ»(3)، فقد واجهت خديجة رضي الله عنها حدثًا استثنائيًا لا تعرف كنهه، لكنها لم تجعل غرابة اللحظة حاكمة على تقديرها للنبي صلى الله عليه وسلم، بل قابلت الحادثة بما عرفته من سيرته وخصاله؛ وبذلك سبقت المعرفةُ المستقرةُ أثرَ الصدمة الطارئة، وهو أصل الميزان الذي يعين الإنسان على حفظ الإنصاف حين تكون التجربة الشخصية مؤلمة.

ومن هنا يظهر أن أحد أعظم اختبارات الشخصيات الكبيرة ليس في لحظات القوة، وإنما في قدرتها على حفظ العدل حين تكون التجارب الشخصية مؤلمة، لأن الإنسان قد يميل بطبيعته إلى تفسير الأحداث من خلال جراحه الخاصة، بينما يظل أصحاب البصيرة قادرين على الفصل بين العاطفة والحكم.

ويبلغ هذا الميزان قيمته حين يُختبر في موقف صدام حقيقي؛ إذ يصبح الإنصاف أصعب عندما يكون الطرف الآخر جزءًا من حدث مؤلم، ومع ذلك تبقى له سابقة وفضل لا يمحوهما اختلاف اللحظة.

ويظهر تمام هذا الميزان حين ينتقل من المعرفة السابقة إلى موقفٍ تختبر فيه تلك المعرفة وسط الصدام؛ ففي موقف عليّ رضي الله عنه من طلحة رضي الله عنه يوم الجمل، قال: «عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلًا في الأودية تحت نجوم السماء»(4)، ثم قال: «ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(5).

فلم يمنع وقوع الصدام عليًّا رضي الله عنه من استحضار مكانة طلحة السابقة، ولم يحجب ألم النهاية ما كان يعرفه له من فضل؛ وبذلك يتحول الإنصاف من مبدأ يُقال إلى قدرة عملية على الفصل بين حكم الإنسان على الحدث وبين حكمه على صاحبه، وهذا هو المعنى الذي تتضح قيمته أكثر في موقف زين العابدين من أبي بكر الصديق؛ إذ لم يسمح لألم التاريخ وامتداد أثر كربلاء أن يحجبا عنه ما استقر عنده من فضل أبي بكر ومكانته.

كيف ارتبط لقب الصديق بشهادة الجيل الأول؟

جوهر جواب علي بن الحسين زين العابدين ليس مجرد الدفاع عن لقب تاريخي، بل إعادة بناء السؤال على أساس معرفي صحيح؛ فهو لا يناقش أبا بكر باعتباره شخصية متأخرة في الذاكرة الإسلامية، وإنما يعيد السائل إلى شهادة من عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا الرجال في بدايات الدعوة ومراحلها الكبرى.

ولهذا قال: «قد سماه صديقًا من هو خير مني؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون، والأنصار»، فالاستدلال هنا يقوم على مرجعية الشهادة المبكرة، لا على مجرد المحبة الشخصية؛ إذ إن اللقب عنده ليس وصفًا نشأ في الذاكرة المتأخرة، وإنما تسمية شهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفها المهاجرون والأنصار.

وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر»(6)، ويكتسب هذا الأثر أهميته من قائله؛ لأنه يبين أن تعظيم أبي بكر لم يكن موقفًا منفردًا داخل البيت الهاشمي، بل صدر كذلك عن علي نفسه، بما يكشف أن الاعتراف بفضل أبي بكر لم يكن متعارضًا مع محبة آل البيت ومكانتهم، بل كان حاضرًا في وعيهم تجاه كبار الصحابة.

ولا يقف الأمر عند تقرير الأفضلية، بل نجد في كلام ابن مسعود رضي الله عنه معنى أوسع يتعلق بترسخ هذه المكانة في الوعي الديني المبكر، فقد نُقل عنه: «حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة»(7)، وبذلك ينتقل الاستدلال من شهادة علي رضي الله عنه على مكانة أبي بكر إلى بيان حضور هذه المعرفة في الوعي الديني للجيل الأول؛ فقول علي يثبت المكانة من داخل أهل البيت، بينما يكشف قول ابن مسعود أن معرفة قدر أبي بكر وعمر كانت مرتبطة عند الصحابة بمعالم السُّنة ومعرفة رجالها.

وعلى هذا الأساس يصبح جواب علي بن الحسين زين العابدين مفهومًا في سياقه الكامل: فهو لا يطلب من السائل أن يتبنى تسمية أبي بكر بالصديق لمجرد التقليد، وإنما يرده إلى شهادات مبكرة متضافرة، تبدأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، ويؤكدها ما نُقل عن علي وابن مسعود؛ فكان دفاعه عن التسمية دفاعًا عن حقيقة ثبتت في الوعي الإسلامي المبكر، لا عن لقبٍ صنعته الخصومة أو الذاكرة المتأخرة.

لماذا لا يمحو الخطأ الطارئ فضل السابقة؟

كان التاريخ الإسلامي المبكر مليئًا بالمواقف التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى اختزال الشخصية في لحظة واحدة، أو إلى جعل خطأ عارض سببًا لإسقاط ما سبقه من فضل، ولذلك فإن المحافظة على ميزان الإنصاف بعد وقوع الخطأ أو الصدمة تحتاج إلى وعي يتجاوز رد الفعل المباشر.

ومن أوضح الشواهد على ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه حين وقع منه ما ظاهره الخيانة، فقال عمر رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: ‌اعْمَلُوا ‌مَا ‌شِئْتُمْ ‌فَقَدْ ‌غَفَرْتُ ‌لَكُمْ»(8).

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر خطورة الفعل، ولم يحوّل السابقة إلى مبرر لتصحيحه، لكنه رفض أن يتحول الخطأ الطارئ إلى محو كامل للسجل السابق؛ فبقي تقويم الفعل قائمًا، وبقيت السابقة محفوظة في موضعها، ومن هنا يظهر أن الإنصاف لا يعني التغاضي عن الخطأ، كما لا يعني أن الحادثة الطارئة تختزل الإنسان كله في لحظة واحدة.

وهذا هو الميزان الذي يكتسب أهميته عند قراءة موقف علي بن الحسين زين العابدين بعد كربلاء؛ فشدة الألم التاريخي لا تصبح وحدها معيارًا لإعادة تقييم من سبق، ولا تسمح الصدمة بأن تحجب الحقائق التي استقرت قبلها، ولذلك جاء موقفه من أبي بكر قائمًا على استحضار مكانته كما عرفها الجيل الأول، لا على إعادة الحكم عليه من خلال جراح الأحداث اللاحقة.

وتبقى هذه القاعدة ذات حضور في واقعنا المعاصر؛ ففي التربية والتعليم والإعلام، قد يقع الإنسان في خطأ أو تصدر عنه مواقف لا توافق الصواب، لكن الإنصاف يقتضي أن يُنقد الخطأ في موضعه، دون أن يتحول نقده إلى إهدار لما عُرف به صاحبه من علم أو فضل أو أثر نافع.

كيف تتحول الكلمة إلى مسؤولية وقت الأزمات؟

لا يقتصر موقف علي بن الحسين زين العابدين على إعلان رأي في أبي بكر وعمر، بل يحمل بعدًا قياديًا واضحًا في قوله: «فما كان من أمر ففي عنقي»، فهنا ينتقل الكلام من مجرد إعلان القناعة إلى تحمل تبعة الكلمة؛ فهو لا يلقي الحكم ثم ينسحب من آثاره، وإنما يعلن استعداده لتحمل مسؤولية ما يترتب عليه.

وتتضح قيمة هذا المعنى حين يكون صاحب القرار مطالبًا بتنفيذ أمر قد يثير التردد أو الاعتراض؛ فقد قال أبو بكر رضي الله عنه في شأن بعث أسامة: «إنما أنا منفذ لأمر أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم»(9)، فالمسؤولية هنا مرتبطة بمصدر القرار وبالاستعداد لإنفاذه؛ إذ لم يقدم أبو بكر الأمر على أنه اختيار شخصي مجرد، بل أعلن أنه قائم على أمر سابق صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تحمل هو مسؤولية تنفيذه.

أما الصورة الأخرى للمسؤولية فتظهر حين تكون الكلمة نفسها وسيلة لحماية الجماعة من الاضطراب؛ ففي خطبة أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله عز وجل فإن الله حي لا يموت»(10)، وهنا لم تكن المسؤولية تنفيذ أمر سابق، وإنما مواجهة الأمة بحقيقة ثقيلة في لحظة فقد واضطراب، وإعادة توجيه وعيها إلى الأصل الذي يجمعها؛ فإذا كان موقف بعث أسامة يبين مسؤولية القائد عن تنفيذ القرار، فإن هذا الموقف يبين مسؤوليته عن تثبيت الجماعة وتوجيهها بالكلمة في لحظة الأزمة.

ومن هنا تتضح دلالة قول علي بن الحسين زين العابدين: «فما كان من أمر ففي عنقي»؛ فالكلمة حين تصدر عن صاحب مكانة لا تنتهي بمجرد التلفظ بها، وإنما تضع قائلها أمام تبعاتها، وتجعله مسؤولًا عما يوجّه إليه الآخرين، وهذا المعنى حاضر في واقعنا المعاصر؛ فالأب والمعلم والداعية والمدير لا يوجهون الآخرين بالكلمات وحدها، بل يتحملون كذلك مسؤولية ما تتركه توجيهاتهم من آثار فيمن يثق بهم ويتبعهم.

كيف يتكامل حب الصحابة مع الانتماء لآل البيت؟

يبرز في هذا الأثر معنى مهم في العلاقة بين محبة آل البيت ومحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمحبة آل البيت لم تكن عند أئمتهم مناقضة لمعرفة فضل الصحابة، كما أن تعظيم الصحابة لم يكن على حساب مكانة أهل البيت، وإنما اجتمعت المحبتان في ميزان يقوم على الإنصاف ومعرفة الفضل لأهله.

ويظهر هذا المعنى في موقف علي رضي الله عنه من عثمان رضي الله عنه، حين ربط فضله بما يشهد له القرآن من معاني الإيمان والإحسان، فقال: «كان عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين»(11)، فموقف علي رضي الله عنه هنا يتجاوز حدود العلاقة الخاصة بين آل البيت والشيخين، ليكشف أن معرفة فضل الصحابة لم تكن مقصورة على أبي بكر وعمر، بل امتدت إلى عثمان رضي الله عنه، بما يؤكد أن الانتماء إلى بيت النبوة لم يكن حاجزًا دون الاعتراف بفضل كبار الصحابة.

ويظهر الإنصاف كذلك في المجال العلمي؛ فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: «وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر»(12)، فهنا لا نتحدث عن ثناء عابر، وإنما عن قبول رواية أبي بكر والحكم بصدقها؛ وهو موقف يكشف أن عليًّا رضي الله عنه كان ينظر إلى أبي بكر كذلك من زاوية العلم والثقة في النقل، لا من زاوية القرابة والمكانة وحدهما.

ويبلغ هذا المعنى درجة أوضح في قول جعفر بن محمد: «أيسب ‌الرجل ‌جده أبو بكر رضي الله عنه جدي لا تنالني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما»(13)، فقد واجه جعفر الصادق بذلك محاولة فصل محبة آل البيت عن احترام أبي بكر وعمر، وردَّ على هذا التصور من داخل البيت النبوي نفسه؛ إذ جعل أبا بكر جدَّه، وأعلن توليه له ولعمر وبراءته ممن يعاديهما.

وتكشف هذه المواقف، على اختلاف سياقاتها، أن العلاقة بين آل البيت والصحابة لم تكن قائمة على المفاضلة التي تقتضي إقصاء أحد الطرفين، بل على معرفة الفضل مع بقاء المحبة؛ فالحسن أثنى على عثمان، وعلي وثق برواية أبي بكر، وجعفر الصادق رفض أن تكون محبة آل البيت ذريعة إلى سب الشيخين.

كيف يصنع الثبات على الحق وعيًا جماعيًا؟

كان السؤال الذي واجهه علي بن الحسين زين العابدين مرتبطًا بقضية تتجاوز الفرد؛ إذ إن الأفكار لا تنتشر دائمًا بسبب قوة الأدلة، بل أحيانًا بسبب تأثير البيئة الاجتماعية والتكرار والانتماء الجماعي.

ولهذا فإن جواب الإمام علي بن الحسين يمكن قراءته بوصفه نموذجًا لمواجهة ضغط الجماعة حين يصطدم بما يراه الإنسان حقًا ثابتًا، فالعالم لا يقاس فقط بما يعرفه، بل بقدرته على إعلان ما يعرفه حين يكون ذلك مخالفًا لبعض التيارات السائدة.

ويظهر معنى مقاومة هذا الضغط بوضوح حين يجد الإنسان نفسه أمام جماعة قد تجعل مخالفته لها سببًا للوم، فيختار مع ذلك أن يجعل الحق هو معيار موقفه؛ ومن أوضح الأمثلة على ذلك موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه، حين أقبل عليه قومه يطلبون منه أن يحسن في مواليهم، فلما أكثروا عليه قال:« قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم»(14)، فالجملة لا تعبر عن امتلاك موقف مستقل فحسب، وإنما عن الاستعداد لتحمل الكلفة المترتبة على عدم مجاراة الجماعة؛ وهو المعنى الذي يجعل الشاهد متصلًا بموقف علي بن الحسين زين العابدين، إذ إن قيمة كلمته لا تظهر في مضمونها وحده، وإنما في إعلانه إياها في بيئة كان يمكن أن تدفعه إلى مجاراة ما اعتاده الناس.

ولا ينتهي أثر هذا الاستقلال عند حماية الموقف الفردي من ضغط الجماعة، بل يمكن أن يتحول إلى وعي يوجّه الجماعة نفسها ويحدد مرجعيتها؛ ويظهر ذلك في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استشار الصحابة في وضع التاريخ، فطُرحت أمامه تواريخ الفرس والروم ومولد النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه ووفاته وهجرته، فمال إلى التأريخ بالهجرة، وقال: «لا بل نؤرخ لمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مهاجره فرق بين الحق والباطل»(15)، ثم استقر الأمر على التأريخ بالهجرة، فلم يكن اختيار الهجرة مجرد تحديد لبداية زمنية، وإنما كان اختيارًا لحدث شكّل فارقًا في مسار الجماعة المسلمة، وربط ذاكرتها التاريخية بالحدث الذي انتقلت به من مرحلة الاستضعاف إلى بناء المجتمع والدولة؛ وهنا تتحول مقاومة التأثير السائد من موقف فردي إلى صناعة وعي جماعي له مرجعية واضحة.

وبهذا تتضح صناعة الوعي في معناها الأعمق: أن يتعلم الإنسان ألا يستمد صحة الموقف من قوة الجماعة، ولا يجعل الخوف من مخالفتها سببًا للتنازل عما يراه حقًا، وأن يدرك في الوقت نفسه أن الوعي لا يكتمل بثبات الفرد وحده، بل يحتاج إلى معايير تصوغ ذاكرة الجماعة وتحدد مرجعيتها.

وفي العصر الحديث، حيث تتسارع صناعة الرأي عبر الإعلام والمنصات الرقمية، يبقى هذا المعنى حاضرًا: لا ينبغي للإنسان أن يجعل كثرة القائلين معيارًا للحقيقة، كما لا ينبغي له أن يرفض الحق لمجرد أنه جاء من جهة لا توافق مشاعره.

كيف يلتقي العلم بالحلم عند اشتداد الألم؟

تكشف هذه الحادثة عن شخصية عالم رباني يجمع بين عدة معانٍ: الانتماء الشريف، والوعي التاريخي، والقدرة على ضبط العاطفة، والشجاعة في تقرير ما يراه حقًا.

فالمحنة لم تمنعه من الإنصاف، والانتساب إلى بيت النبوة لم يجعله أسيرًا للانغلاق، والعلم لم يمنعه من الحزم حين احتاج المقام إلى الحزم.

وإذا كان العلم يمد الإنسان بالقدرة على معرفة الحق، فإن الرحمة والحلم يحددان الطريقة التي يحمل بها هذا العلم إلى الناس؛ ولذلك قال إبراهيم بن أدهم ومحمد بن عجلان: «ما من شيء أشد على الشيطان من عالم حليم، إن تكلم تكلم بعلم، وإن سكت سكت بحلم، يقول الشيطان: انظروا إليه، كلامه أشد علي من سكوته»(16)، فهذا القول يجعل الحلم قرينًا للعلم، ويبين أن كمال العالم لا يظهر في معرفة الحق وحدها، بل في قدرته على حمله إلى الناس بضبط النفس وحسن التعامل؛ فالعلم إذا اقترن بالحلم أصبح أبلغ أثرًا وأقرب إلى النفوس.

وتظهر هذه القاعدة في موقف عملي من حياة زين العابدين نفسه، حين قتل أحد خدمه ابنه خطأً، فلم يحمله ألم المصاب على الانتقام، بل قال له: «أنت حر، لم تعمده»(17).

ففي هذا الموقف لم تكن الرحمة مجرد عاطفة، ولم يكن الثبات مجرد قدرة على الصمت؛ بل اجتمعا في قرار أخلاقي صدر في أشد لحظات الألم، فحفظ علي بن الحسين زين العابدين للإنسان خطأه غير المتعمد، وضبط أثر المصيبة في قراره، فجاء فعله تطبيقًا لما يقتضيه اقتران الحلم بالعلم: أن يعرف الإنسان الحق، ثم يضبط نفسه حين يكون العمل به أشد كلفة.

ومن هنا فإن القيمة الكبرى لهذا الموقف ليست في كونه جوابًا عن شخصية تاريخية فحسب، بل في كونه درسًا في بناء الإنسان الذي يحب دون أن يظلم، ويحزن دون أن يجور، وينتمي دون أن يفقد ميزان العدل.

يبقى موقف علي بن الحسين زين العابدين من أبي بكر الصديق رضي الله عنه شاهدًا على أن عظمة الشخصية لا تظهر في مجرد الانتماء إلى موقف أو جماعة، وإنما في القدرة على حفظ التوازن بين العاطفة والحق، وبين الانتماء والإنصاف، وبين ألم التاريخ وثبات المعيار.

ففي زمن كثرت فيه محاولات قراءة التاريخ من خلال الصراعات، يقدم هذا الأثر صورة لعالم من آل البيت لم يجعل الانتماء حجابًا عن معرفة الفضل، ولا الجراح التاريخية سببًا لإهدار الإنصاف، بل جعل العلم والحق مرجعًا في النظر إلى التاريخ، بعيدًا عن تحويل الذاكرة إلى أداة للخصومة.

إن أعظم ما يحتاجه المجتمع اليوم ليس مجرد امتلاك المعلومات، بل امتلاك الميزان الذي يزن به الإنسان تلك المعلومات؛ ميزان العلم والعدل وحسن القصد، حتى لا تتحول المعرفة إلى مادة للانقسام، ولا يتحول التاريخ إلى وقود للخصومة، ولا يصبح الانتماء سببًا في تعطيل الإنصاف.

الهوامش
  • 1 جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله، المعروف بجعفر الصادق، أبوه: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر، المعروف بمحمد الباقر.
  • 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 395).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (3)، ومسلم واللفظ له (160).
  • 4 معنى النص: يشقُّ عليَّ يا أبا محمد أن أراك صريعًا مطروحًا في بطون الأودية ومنخفضاتها تحت السماء.
  • 5 أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير (2/ 471).
  • 6 فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (1/ 307).
  • 7 تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي (45).
  • 8 أخرجه البخاري (4274)، ومسلم (2494).
  • 9 إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع: المقريزي (2/ 127).
  • 10 السنن الكبرى: البيهقي (8/ 245).
  • 11 أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (34231)، وقال محققه: صحيح.
  • 12 أخرجه أبو داود في سننه (1521)، وقال محققه: إسناده حسن.
  • 13 الشريعة: الآجري (5/ 2226).
  • 14 الكامل في التاريخ: ابن الأثير (2/ 71).
  • 15 المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: ابن الجوزي (4/ 227).
  • 16 جامع بيان العلم وفضله: ابن عبد البر (1/ 506).
  • 17 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 357).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة