صناعة «مفكِّر»
هي صناعة ثقيلة
لا تقل وزناً أو قيمة عن الصناعات العسكرية والمعدنية والكهربائية والإلكترونية،
بل ربما تزيد أهمية وتأثيراً في أزمنة الصراعات والحروب، والكوارث والأزمات.
يُشكل المفكر أو
المثقف أو المبدع قوة بشرية ناعمة لا تضاهيها قوة، وقد يتجاوز تأثيره الحدود
والبحار والمحيطات، فيصير سلاحاً فتاكاً ينال من الأفئدة والعقول والأرواح.
ومن الخطأ ألا
تفطن الدول والمجتمعات إلى ذلك، فتقلل من شأنه، وتتجاهل مقامه ومقاله، وقد ترى
إنتاجه الفكري والإبداعي فلسفة لا طائل من ورائها، أو تنظيراً ليس في وقته، أو
مكلمة فارغة لا قيمة لها!
صناعة الرموز في القرآن
منذ أكثر من 14
قرناً من الزمان، عُني القرآن الكريم بصناعة الرموز، من الأنبياء والرسل
والصالحين، فسميت سوره بأسماء هؤلاء؛ «محمد»، «إبراهيم»، «يوسف»، «يونس»، «نوح»، «هود»،
«مريم»، «لقمان».. وغيرهم، كما سطر بآياته قصص أهل الكهف، وأصحاب البروج، ومؤمن آل
فرعون، وما كان ذلك، إلا لصناعة الرموز والنجوم على الطريقة الربانية، قال تعالى: (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).
ومن النهج
الرباني إلى الهدى النبوي، كانت صناعة الرموز نهجاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو
يقود صناعة ثقيلة غفلت عنها الأمة، وهي صناعة البشر، والرمز، والقدوة، والنجم،
ليكون مدرسة عليا في تخريج العظماء من أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ،
والمبشرون بالجنة، وغيرهم من كبار الصحابة، رضوان الله عليهم جميعاً.
هذا هو الفاروق،
وهذا ترجمان القرآن وحبر الأمة، وهذا أعلمهم بالحلال والحرام، وهذا كاتب الوحي،
وهذا أمين الأمة، وشاعر الرسول، وحواري النبي، وسيف الله المسلول، وغير ذلك من
ألقاب وأوسمة ودرجات علمية ورتب عسكرية، منحها الرسول الكريم لأصحابه، وما كان ذلك
إلا لصناعة رموز ونجوم وقدوات صالحة لهذه الأمة.
رصيد القوى الناعمة
المصارحة تقتضي
القول: إن هذه الصناعة لم تأخذ حقها بعد على سلم الأولويات، وقد لا تدرج ضمن خطط
البلدان والأوطان، ولا تخصص لها الموازنات المالية سنوياً، والخطط قصيرة ومتوسطة
وطويلة المدى.
ربما تهتم
التنظيمات السياسية والحزبية والدينية بـ«صناعة المفكر»، بل تجعل شغلها الشاغل، كم
مفكراً ومثقفاً وشاعراً وكاتباً وصحفياً يتحدث بلسانها على الساحة؟ وكم مؤثراً لها
على وسائل التواصل؟ وما حجم رصيدها البشري من القوى الناعمة؟
تبدع التيارات
الليبرالية واليسارية والناصرية والقومية، في تلك الصناعة، كونها واحدة من أهم
الصناعات الإنسانية التي تحتاجها الأمم والشعوب، ورأس حربة لأفكارها ومضامينها، بل
إحدى درر منجزاتها الفكرية والثقافية والحضارية.
في المقابل،
تتخلف التيارات الإسلامية بكل تنوعاتها عن اللحاق بركب صناعة القوى الناعمة، أو قل:
إنها تتأخر عن مسايرة تطوراتها، ومتطلباتها، وتعقيداتها، رغم أهميتها، كونها صناعة
ثقيلة ودقيقة ومتطورة وبالغة الأثر والتأثير.
تساؤلات منطقية للإسلاميين
ربما يحصر البعض
«صناعة المفكر» في مجال العلوم الشرعية؛ من عقيدة وتفسير وحديث وسيرة وقواعد الفقه
واللغة، وغير ذلك من العلوم المستمدة من الكتاب والسُّنة، لكن الحاجة ماسة أيضاً
لتلك الصناعة في الأدب والفكر، والصحافة والإعلام، والفن والثقافة، وعلم النفس
والاجتماع، والفلسفة والمنطق، وغيره من علوم العصر الحديث.
هل لدينا مصفاة
علمية لفلترة الكوادر والعقول المؤهلة للدخول إلى مجال هذه الصناعة؟ وهل نمتلك
محاضن فكرية ومعرفية لصقل تلك القدرات والمواهب؟ وما حجم التمويل المخصص لذلك؟ وما
المستهدفات المرجوة لنغزو العالم فكرياً وثقافياً؟
كم مفكراً رصيناً
يقف في الصفوف الأمامية للذود عن حياض الإسلام، ورفع راية الأمة، ودفع الشبهات عن
دينها ورسولها، ومقارعة أهل الباطل بالحجة والبرهان؟ قال صلى الله عليه وسلم: «فضل
العالم على العابد، كفضلي على أدناكم» (رواه الترمذي).
نكاد نجزم أن
الساحة الإسلامية ربما لم تشهد بعد من يملأ الفراغ الذي خلفه رحيل العلامة د. يوسف
القرضاوي، والمفكر المستنير محمد عمارة، والموسوعي عبدالوهاب المسيري، والفيلسوف
مصطفى محمود، والمفسر محمد علي الصابوني، والعالم المرموق فلاح مندكار، والداعية
المعروف صالح اللحيدان، وعالم الحديث ثناء الله المدني، والشيخ الجليل أحمد محمد
بمبا، والمفكر جودت سعيد، والشيخ أحمد القطان، وغيرهم ممن لا يتسع المقام لحصر
أسمائهم وسيرهم ومناقبهم.
تحرك عاجل لاكتشاف الموهوبين
على غرار ما
يقام من حفلات ومسابقات فنية وغنائية ورياضية، ومع فارق القامة والقيمة والعطاء،
المحسوم سلفاً لأهل العلم والفكر، يتطلب الأمر تحركاً جاداً لتسريع اكتشاف وإنتاج
القوى الناعمة، وتجويد صناعة المفكرين والمثقفين والموهوبين.
لنعيد أولاً
الاعتبار لتلك الصناعة المنسية أو المهملة، ولنكثف الجهود والخطط لإزالة الركام من
حولها، وإنشاء المحاضن المناسبة للنهوض بها، وتوفير التمويل اللازم لها، ودعمها
بكل السبل الحديثة، وتطوير الخطط الكفيلة بتطوير تلك الصناعة لا سيما ونحن على
أعتاب العقد الرابع من القرن الحادي والعشرين.
إن الأمة في أمسّ
الحاجة لاكتشاف ذلك الكنز الثمين، والثروة الدفينة في مواطنيها وشعوبها
ومجتمعاتها، فرب قلم سيّال يحرك الناس، ورب عقل لبيب ينير الدروب، ورب فكر واع
يحقق الانتصار، ورب عالم يوقظ القلوب، ويرفع الراية.
أمام العرب
عامة، والإسلاميين خاصة، تحدٍّ كبير وجسيم، لنفض التراب، وتثوير الهمم، ووضع
الخطط، وتحديث البيانات، واختيار القمم، وصقل القدرات، بشكل علمي ومنهجي ومدروس،
لإنتاج «مفكر» لا يخشى في الله لومة لائم، لا يبيع ضميره وعلمه وقلمه، بل يقف حصناً
منيعاً وسداً عظيماً يذود عن الدين والوطن وأمة الإسلام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً