قالها كلمة لا يخشى فيها الا الله

صعصعة بن صوحان.. ومقام الكلمة أمام السلطان

تكون كلمة الحق امام السلطان من اعظم ما يقدم المسلم

يقف رجل اما السطان ويقول كلمة الحق

روى الامام الذهبي في سير أعلام النبلاء أن صعصعة(1) وفد على معاوية، فخطب، فقال: «إن كنتُ لأبغض أن أراك خطيبًا»، فقال صعصعة: «وأنا إن كنتُ لأبغض أن أراك خليفة»(2).

ينسب هذا الحوار إلى صعصعة بن صوحان العبدي، أحد أشهر خطباء الكوفة وأعيان عبد القيس، ومن المعروفين بفصاحتهم وقوة بيانهم، كما ينسب إلى مجلس معاوية بن أبي سفيان بعد استقرار الأمر للدولة الأموية، وسواء ثبتت ألفاظ الخبر أو وقع اختلاف في روايته، فإن الصورة التي ينقلها تمثل نموذجًا من نماذج السجال السياسي في صدر الإسلام، حيث تتقابل هيبة السلطان مع قوة البيان، وتظهر قيمة الكلمة حين تصدر عن صاحب مبدأ.

انتقال المجتمع الإسلامي من الفتنة إلى الدولة

يقع هذا الموقف -بحسب ما يُروى- في مرحلة حساسة من التاريخ الإسلامي، أعقبت انتهاء الصراع العسكري بين الفريقين، وقيام دولة بني أمية بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما، وجدنا فيها تمايزاً بين كل مرحلة وأخرى، وكيف أخبر عليّ رضي الله عنه المشهد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة فكان ما شاء الله»(3).

بينما قال معاوية رضي الله عنه عن ذلك أيضاً: «أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن»(4).

كان المجتمع الإسلامي آنذاك ينتقل من مرحلة الصراع المسلح إلى مرحلة تثبيت السلطة وإدارة الدولة، وبقيت آثار الخلاف السياسي حاضرة في نفوس كثير من الناس، ولا سيما في العراق، حيث كان لصعصعة مكانة معروفة بين أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ومن هنا لم يكن اللقاء مجرد حوار بين رجلين، بل بين رمزين يمثل كل واحد منهما موقعًا مختلفًا في المشهد السياسي، فهم السياق يمنع من قراءة الخبر قراءة مبتورة، ويجعل الموقف جزءًا من ظرف تاريخي شديد التعقيد، لا مجرد عبارة متبادلة.

توازن الشخصية بين رهبة المجلس وصدق المبدأ

يكشف جواب صعصعة عن حضور نفسي لافت؛ إذ لم يظهر اضطرابًا ولا ترددًا، ولم يندفع إلى خطاب طويل، وإنما أجاب بجملة قصيرة أعادت التوازن إلى الحوار.

ويبدو من تركيب الجواب أن المتحدث لم يسمح لرهبة المجلس أن تغيّر قناعته أو تدفعه إلى المداهنة، بل حافظ على الاتساق بين ما يعتقده وما ينطق به.

وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ) (الأحزاب: 39)، غير أن هذا الاتساق لا يعني أن كل أسلوب مواجهة مشروع، وإنما يدل على قيمة الثبات على المبدأ مع مراعاة الضوابط الشرعية والمصالح العامة، ويبدو هذا جلياً في فعل الصحابة، وكما تعلموا منه الثبات على البلاء وعدم الرجوع عن الحق، فالثبات النفسي والاتساق الذاتي لذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه أثناء الحصار ورهبة الموقف، حين قيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تقاتل؟ فقال بثبات: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليَّ عهداً، وإني صابر نفسي عليه»(5).

إن الثبات على الحق وقول الحق من أثبت ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم صحابته، فكما صح عند البخاري، وأبي داود، عندما جاء بعض الصحابة إليه وقالوا: يا رسول الله، ألا تَستَنصِر لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟! فقال: «إنَّ من كان قبلَكم كان أحدُهم يُوضَعُ المنشارُ على مَفْرِقِ رأسِه فيخلصُ إلى قدَمَيه لا يصرفُه ذلك عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما بين لحمِه وعظمِه لا يَصرِفُه ذلك عن دِينِه»، ثم قال: «واللهِ لَيُتِمَنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ لا يخافُ إلا اللهَ والذئبَ على غنمِه ولكنكم قومٌ تَستَعْجِلونَ»(6)، إن أقوى صور الشجاعة تبدأ من استقلال الضمير قبل استقلال اللسان.

كيف يصنع التوازن التركيبي قوة الجواب السريع؟

أبرز ما يلفت في الجواب بناؤه البلاغي؛ فلم يعمد صعصعة إلى إنشاء كلام جديد، وإنما أعاد تركيب عبارة خصمه نفسها: «إن كنت لأبغض أن أراك خطيبًا»، «وأنا إن كنت لأبغض أن أراك خليفة».

وهذا من أساليب المشاكلة والموازنة التركيبية؛ إذ استُخدم البناء نفسه مع استبدال العنصر المقابل فقط، فصار الرد مختصرًا، واضحًا، وحافظ على التوازن بين الطرفين دون إطالة، وكذا فعل ابن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج(7)؛ حيث عمد إلى صياغة حججهم نفسها وتفكيكها بمشاكلة تركيبية ودلالية مستمدة من القرآن والسُّنة؛ فأنكروا تحكيم الرجال فأجابهم بقوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة: 95)؛ في الصيد وبآية الإصلاح بين الزوجين ودلل على التحكيم وأيهما أحوج للتحكيم.

وأنكروا ترك السبي فألزمهم بأمومة عائشة رضي الله عنها، وأنكروا محو لَقبِهِ فأجابهم بمحو النبي صلى الله عليه وسلم لصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في «صلح الحديبية»، فرجع ثلثهم.

ولهذا بقيت العبارة متداولة في كتب الأدب والبلاغة أكثر مما بقيت بوصفها خبرًا سياسيًا، فقد تكون قوة العبارة في بنائها أكثر من طولها.

الفارق الجوهري بين المعارضة الفكرية والخروج المسلح

يكشف الموقف عن صورة من صور القيادة الفكرية؛ فالنفوذ لا يكون دائمًا بالمنصب، بل قد يكون بالموقف والكلمة.

ويُفهم من الخبر أن صعصعة لم يحاول إثارة فتنة أو دعوة إلى قتال، وإنما عبّر عن موقفه السياسي بعبارة مباشرة.

وهنا تظهر قيمة التفريق بين المعارضة الفكرية، والخروج المسلح، فهما بابان مختلفان في الفقه والتاريخ، ولا يجوز الخلط بينهما.

وقد ثبت تقديم عثمان بن عفان رضي الله عنه قوة المبدأ وحرمة الدماء على قوة السلاح، حين نهى أنصارَه عن قتال المحاصرين له رغم قدرتهم، قائلاً: «أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل»(8)، إن موقفه المبدئي الصارم برفض القتال والمواجهة المسلحة للتثبيت في السلطة، وقوله: «إني لن أفارق دار هجرتي، ولن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء»(9)، فإن القائد الحقيقي قد يحفظ حضوره بكلمة موزونة أكثر مما يحفظه بالقوة.

كيف نجمع بين النصح للحاكم وتجنب الفتن؟

يستأنس كثير من أهل العلم بحديث: «سيِّدُ الشُّهداءِ حمزةُ بنُ عبدِالمطَّلبِ، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله»(10)، الذي أخرجه ابن حبان في المجروحين، غير أن تنزيل هذا الحديث يحتاج إلى فقه؛ إذ إن الشريعة تجمع بين الأمر بالحق، والنصح للحاكم، ومراعاة المصالح والمفاسد، واجتناب ما يفضي إلى سفك الدماء أو إثارة الفتن.

وقد مر في التاريخ الإسلامي كثير من المواقف لها دلالة على تقديم النصح دون وقوع مفاسد، فنصيحة عبدالله بن سلام رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالصدع بالحق والامتناع عن الخروج إلى العراق حقنًا للدماء ودفعًا للفتنة، حيث اعترض طريقه وقال: لا تأت العراق والزم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالذي نفسي بيده لئن تركته لا تراه أبداً، فقال من حول عليّ: دعنا نقتله، قال: دعوا عبدالله بن سلام، فإنه رجل صالح(11).

إن كلمة الحق ضمن الضوابط الشرعية التي لا يبنى عليها قدح أو ذم أو سب، إنما هو نصح خالص لوجه الله، إنما هي كلمة حق ونصح أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فكما أورد الترمذي، والنسائي، في صحيحيهما: «إن الدينَ النصيحةُ إن الدينَ النصيحةُ إن الدينَ النصيحةُ»، قالوا: لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: «للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم»(12).

كما يزخر التاريخ الإسلامي بنصح الحاكم للرعية ولعماله بالتواصي بينهم بالرحمة واللين، فقد ذكر في الأثر من أفراد البخاري على مسلم وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعامله هَنِيّ بضبط ممارسة السلطة وقراراتها بضوابط الشرع وعدم البغي، حيث قال له: «يا هني، اضمم جناحك عن المسلمين واتقِ دعوة المظلوم فإنها مستجابة.. فالماء والكلأ أيسر عليَّ من الذهب والفضة»(13)، فالشجاعة الشرعية ليست مجرد الجرأة في الكلام، بل الجرأة المنضبطة بالحكمة، والتراحم بين الأمة عقد متصل برباط شرعي وثيق بين الحاكم والمحكوم.

الموازنة الاجتماعية بين احترام النظام وأمانة الرأي

من أخطر ما يصيب المجتمعات أن تتحول المجالس إلى بيئات لا يُسمع فيها إلا الثناء.

والخبر -إذا صح- يصور شخصية لم تجعل مقام السلطان سببًا لإلغاء رأيها، كما أنه يبين أن المجالس السياسية قد تكون ساحة لاختبار استقلال الشخصية.

وفي واقعنا تظهر الحاجة إلى بناء أفراد يستطيعون:

  • احترام الأنظمة.
  • وأداء الحقوق.
  • وفي الوقت نفسه المحافظة على الصدق والأمانة الفكرية.

إن المجتمع القوي لا يقوم على التملق، وإنما على النصيحة الصادقة والأدب في الاختلاف.

لماذا تثبت المبادئ بالمواقف أكثر من الخطب؟

المواقف المختصرة كثيرًا ما تبقى في الذاكرة أكثر من الخطب الطويلة، ولهذا فإن المربين والدعاة يستفيدون من هذا الخبر في ترسيخ معانٍ، منها:

  • الاتساق بين الاعتقاد والقول.
  • ضبط الانفعال عند الخصومة.
  • الاختصار المؤثر.
  • الثبات دون تهور.
  • احترام المقام مع عدم التفريط بالمبدأ.

وهذه معانٍ يحتاجها الأب في بيته، والمعلم في فصله، والداعية في ميدانه، والمسؤول في مؤسسته؛ حيث إن التربية العملية والموقف السلوكي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قمع العجب وتزكية النفس حين حمل قربة ماء على عنقه أمام الناس، فلما سُئل عن ذلك قال: «إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها»، كيف رأى أن يثبت بالدليل العملي والفعلي حقيقة تأديبه نفسه أمام الرعية ويحملهم على التساؤل عن سبب حمله لتلك القربة، في حين أن بعض رعيته قد لا يفعل ذلك ويجد من يخدمه، فالتربية العملية تُبنى بالمواقف التي تجسد القيم أكثر مما تُبنى بالشعارات.

التوازن الدقيق بين بلاغة القول والتحقق العلمي

يكشف هذا الخبر المنسوب إلى صعصعة بن صوحان عن صورة بليغة من صور قوة الكلمة حين تقترن بثبات المبدأ وحضور الذهن، غير أن الأمانة العلمية تقتضي التمييز بين ثبوت الرواية والاستفادة من دلالتها؛ فالمعاني المستفادة ينبغي أن تبقى منضبطة بالنصوص الشرعية، وألا تُبنى على أخبار لم يثبت سندها إلا بعد التحقق.

ويبقى الدرس الأبرز أن الكلمة الصادقة، إذا خرجت من نفس ثابتة ولسان حكيم، قد تصبح أثرًا خالدًا يتجاوز زمن أصحابها.

الهوامش
  • 1 صعصعة بن صوحان العبدي. كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلقه ولم يره، صغر عن ذَلِكَ، وكان سيدا من سادات قومه عبد القيس، وكان فصيحا خطيبا عاقلا، لسنا دينا، فاضلا بليغا. يعد في أصحاب على رضي الله عنه
  • 2 سير أعلام النبلاء 529/3
  • 3 أخرجه أحمد (1259)، والحاكم (4481)، والبيهقي في «الاعتقاد»ـ، ص361.
  • 4 سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (80/ 28).
  • 5 أخرجه الترمذي (3711)، وابن أبي شيبة (37657)، وأحمد (501) بلفظه.
  • 6 أخرجه البخاري (3612)، وأبو داود (2649)، وأحمد (21073) باختلاف يسير.
  • 7 المستدرك على الصحيحين الحاكم، أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (2/ 495).
  • 8 سير أعلام النبلاء الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (201/ 28).
  • 9 أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (785)، والضياء المقدسي في «المختارة» (387) واللفظ لهما، وابن شبة في «تاريخ المدينة» (4/ 1212) باختلاف يسير.
  • 10 أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (1/ 186)، والحاكم (4884)، والديلمي في «الفردوس» (3472) باختلاف يسير.
  • 11 سير أعلام النبلاء الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (198/ 28).
  • 12 أخرجه النسائي (4199) واللفظ له، والترمذي (1926)، وأحمد (7954) باختلاف يسير.
  • 13 صحيح البخاري (3059).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة