تأملات فكرية..
سورة الكهف.. التوحيد والتاريخ
حوت سورة الكهف
عددا كبيرا من القضايا في إطار وحدة موضوعية مترابطة الحلقات، بأسلوب قرآني مكثف
يتسم بالجمل القصيرة والإيقاع الداخلي للآيات الذي يوحي بالقوة، لأن السورة بلاغ عام
إلى المسلم خاصة والإنسانية عامة، تحمل إليه البشارة والنذارة، لكن بطريقة مختلفة
عن بعض السور الأخرى التي يحضر فيها التبشير والإنذار بالجنة والنار دون تمثيل أو
تشخيص أو عرض للقصص والتجارب. ففي السورة قدم الله عز وجل بين يدي كل فكرة أو
موضوع بقصة من قصص الأمم السابقة من أصحاب الرسالات، حتى يلمس القارئ مستوى
الواقعية في تلك الفكرة أو الموضوع. فالذهن البشري مركب بطريقة معينة بحيث لا يفهم
القضايا بشكل تجريدي فحسب، باعتبارها مفاهيم، بل هو يفضل أن يتصورها على هيئة خاصة
تزيد ذلك المفهوم عمقا وتعطيه بعدا ممتلئا بالحياة والحيوية والحركة، فهو لا
"يفهم" فحسب، بل "ينظر" أيضا.
فلسفة التاريخ.. قراءة ما خلف الحدث
وتقدم لنا
السورة، بهذا المزج بين الفكرة والقصة، أو الموضوع والرواية، درسا عميقا في ما
يتعلق بمفهوم التاريخ، إذ التاريخ ليس سردا باردا ومحايدا للوقائع والأحداث من دون
أي انفعال أو فاعلية، كما أنه ليس ماضيا فحسب، بل التاريخ جزء من الحاضر طالما أن الذين
صنعوه وشاركوا في إخراجه هي الأجيال التي سبقتنا، والتي علينا أن نقرأ تاريخها
بوصفه تجربة في الحياة يمكن أن تتكرر بشكل أو بآخر.
والفائدة العظمى
في التاريخ ليست الحدث، ولا الطريقة التي حصل بها، بل الفكرة الكامنة في ذلك
الحدث، والنتيجة المترتبة عن تسلسل الوقائع واجتماعها مع بعضها البعض بحيث تتحول
إلى حدث قابل للتفسير والقراءة. وكلما فصلنا بين الواقعة التاريخية والمضمون، صار
التاريخ مجرد ركام من الوقائع التي لا جامع بينها، ولا هدف لها في النهاية. ويبدو
أن هذا ما كان يفعله المؤرخون دائما، عندما يلجئون إلى انتقاء الوقائع والأحداث
وفق منهجية معينة، ويتحاشون بعضها الآخر لعدم أهميته، لعلمهم بأن تسجيل تلك
الأحداث الجانبية التي تقع على هامش الأحداث الكبرى المحددة للمسار العام ليس
وراءه فائدة، كونه لا يفي بالغرض ولا يؤثر سلبا ولا إيجابا على الهدف.
وهذه المنهجية
هي منهجية قرآنية، ذلك أن القرآن ليس كتاب تاريخ، بل هو كتاب عقيدة توظف التاريخ
وغير التاريخ لإيصال الرسالة إلى الناس، ولذلك فهو غير معني بالقصة التاريخية كما
حصلت، بناء على التعاقب الزمني للحلقات المكونة لها، أو تذكيرا بأبطالها والشخوص
الفاعلة فيها، ولا حتى بالأزمنة التي وقعت فيها تلك الواقعة، ولا المكان أحيانا،
بل هو معني بشيء أساسي هو مضمون القصة، أي الوعي الإنساني والديني الكامن فيها.
وهنا نرى أن ذلك المضمون أو الرسالة يصبح شيئا يتحرك فوق الواقعة التاريخية نفسها،
أي فوق التاريخ باعتباره سجلا للأمم والشعوب.
وهنا تكمن عظمة توظيف التاريخ أو القصة التاريخية في القرآن الكريم، إذ الهدف من ذلك التوظيف هو أن تتحول الفكرة الكامنة في الواقعة التاريخية إلى فكرة إنسانية عامة تشمل جميع الناس في جميع الأزمنة والأمكنة، بعد تخليصها من طابعها المحلي أو الزمني الخاص. وفي هذا أيضا معنى عميق، وهو أن القرآن بتوظيفه للقصص القرآني بتلك المنهجية يريد أن يرسخ في نفوسنا مبدأ الإنسانية الواحدة المشتركة، انطلاقا من النشأة المشتركة والألوهية المشتركة والمصير المشترك بين الجميع، إذ تتحول كل التجارب التاريخية لأمة معينة إلى دروس تاريخية ودينية لجميع الأمم الأخرى، بما يجعلنا أمام "تاريخ ما فوق التاريخ"، أي التاريخ الإنساني الموحد، تاريخ التوحيد في مواجهة الشرك، وتاريخ الحق في مواجهة الباطل.
نقد النظرة الهيجلية للتطور الخطي
وفكرة وحدة
التاريخ الإنساني، كما لاحظناها الآن في القرآن الكريم، هي نفسها التي دافع عنها
بعض الفلسفات الأوروبية في العصور الحديثة، ضمن ما يسمى بفلسفة التاريخ. وقد نشأت
فلسفة التاريخ في العصر الحديث بغاية البحث عن معنى التاريخ المجرد، التاريخ بوصفه
وقائع محايدة متراكمة جرى تسجيلها، ومن ثم البحث عن الغايات والأهداف التي يتجه
إليها ذلك التاريخ، والمثل والقيم التي انتصرت أو هُزمت في ذلك المسار الإنساني.
وقد عرف الفيلسوف الألماني جورج فريدريك هيغل (1770 ـ 1831) بأنه المؤسس الفعلي
لفلسفة التاريخ، باعتبارها جزءا من الفلسفة.
أكد هيغل على
وجود تاريخ إنساني يوحد بين جميع التواريخ المتفرقة لمختلف الشعوب، ويصب في اتجاه
واحد هو تكريس الحرية الإنسانية باعتبارها الغاية الأسمى للتاريخ، والذي يمثل
تجسيدا لاكتمال العقل، أو الذي يسميه هيغل "العقل ـ العالم"، وبموجب هذا
التجسد ينتفي التناقض ويتصالح العقل أو الروح مع نفسه. غير أن هيغل ربط تلك
الحرية، التي هي غاية التاريخ الإنساني، بالبعد السياسي، ممثلا في نشأة الدولة، إذ
إنه يعتبر أن الشعوب خارج الدولة لا تاريخ لها.
غير أن حركة
التاريخ في القرآن الكريم ليست ذات بعد خطي تقدمي أو تصاعدي، كما ذهب إلى ذلك هيغل
وغيره، ولا هي ذات بعد خطي تراجعي أو تنازلي، كما يقول أولئك الذين يفسرون الحديث
النبوي القائل:"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، على
أن معناه أن الأمة ـ ومن ثم الدين الإسلامي ـ ماض في التراجع بشكل تدريجي وأن ما
سلف من الخير لا يمكن استرداده. فهذا الحديث مردود عليه بأحاديث كثيرة تعزز الموقف
المقابل، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"مثل أمتي كمثل الغيث لا يدري أوله خير
أو آخره". فقد يكون المقصود بالخيرية في الحديث الأول القرب من منبع النبوة،
ومن المنابع التالية التي اغترفت منها، لا نفي الفاعلية عن الأمة أو الإشارة إلى
انقطاع الخير.
جدلية الحق والباطل.. استمرار التفاعل مع الوحي
ونحن نعتقد بأن
حركة التاريخ في القرآن الكريم، وفي منطق الفلسفة الإسلامية، حركة مترددة بين الحق
والباطل وبين الكفر والإيمان، وسلسلة متتابعة من الانتصارات والانكسارات لكن الأمر
من بعدها لله سبحانه. فالدعوة القرآنية باقية في الزمان إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها، وبقاؤها معناه أن الوحي مستمر في التفاعل مع الإنسان فردا وجماعة، لكنه
انتقل من التنزيل إلى التأويل. والتأويل معناه أن البشرية ستستمر في حالة استقبال
للخطاب القرآني وتفاعل معه، وتختلف الاستجابة بين جيل وآخر ومرحلة وأخرى، وعلى وقف
درجة الاستجابة يكون التقدم أوالتراجع في التاريخ الإنساني، ويكون النصر أو
الهزيمة لعقيدة التوحيد.
من هذا المنطلق
نلاحظ أن سورة "الكهف" ترسم لنا صورة هذا التلاقي المتفاعل بين القصة
التاريخية وعقيدة التوحيد. فهي تبدأ بالحمد لأن الله أنزل الكتاب على رسوله
الكريم، إذ لولا ذلك الكتاب لبقيت البشرية في جهالة مطلقة وضياع بدون بوصلة. فقد
تم تحريف اليهودية والمسيحية، ولم يعد هناك دين حقيقي فوق الأرض يمكنه أن يكون
هاديا للبشرية، ولن يكون أمام البشر سوى خيار من خيارات متعددة موجودة، هي
الديانتان السماويتان اللتان تعرضتا للتحريف فانقطعت الصلة بينهما وبين السماء، أو
الأديان الوضعية الأخرى التي صاغها الإنسان بنفسه من خلال محاولات تركيبية بين ما
هو موجود من الأديان والثقافات، أو خلق أديان تدور حول تقديس الأشخاص والزعماء
السياسيين.
أفلاطون وأوهام المعرفة الحسية
ولا بد أن الكهف
في هذه السورة يستوقف القارئ المتدبر، لماذا الكهف بالذات وليس أي مكان آخر؟ وماذا
يدل عليه الكهف من معان ودلالات لها علاقة بما ترويه السورة وبالتوحيد؟.
إن أول ما وردنا
عن الكهف في تاريخ الفكر الإنساني ما تحدث عنه الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه
"الجمهورية" في ما يسمى نظرية المحاكاة. فقد حكى أفلاطون قصة رمزية عن
جماعة من الناس عاشت مكبلة بإحدى الكهوف تحت الأرض، ونظرا لأنهم كانوا مقيدي
الحركة لم يكونوا يستطيعون النظر خلفهم، فكانت وجوههم تقابل جدارا تنعكس عليه صور
التماثيل والأشخاص الذين يمرون خارج الكهف، فهم لا يرون سوى الأشباح التي تتحرك
على الجدار ولا يسمعون سوى الأصوات التي يعتقدون أنها صادرة عنها. وتعتقد تلك
الجماعة أن ما تراه وما تسمعه هو الحقيقة عينها، لا يداخلها شك في ذلك، والفيلسوف
هو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن ينتشلهم من تلك الأوهام وأن يخرجهم من ظلمة الكهف
إلى عالم النور والشمس.
ونرى في هذه
القصة الرمزية أن أفلاطون يمثل للجهل بالكهف وللعلم بالنور والشمس، فما كانت تحسبه
الجماعة حقيقة العالم لم يكن سوى وهم، فهي حقيقة تمثلوها من خلال ما كانوا يرونه
منعكسا على الجدار من أشباح وظلال، أي مجرد تمثل للواقع لا الواقع نفسه، وهو ما
يطلق عليه نظرية المثل عند أفلاطون.
ولا نعرف هل
استمد أفلاطون فلسفته من بعض بقايا الحنيفية الإبراهيمية مع خلطة من الوثنية، لأن
ما تحدث عنه في الجمهورية فيه بذور الدين الإبراهيمي من حيث البحث عن الحق المطلق
والذات الإلهية والخير والجمال والعقل الأول، مع مزج ذلك بالأساطير اليونانية
والعادات الوثنية التي دخلت جميع الديانات المحرفة، مثل حديثه عن شيوعية النساء
والأطفال والعبيد. فقد تكلم المسلمون في فلاسفة اليونان وحكمائهم وعدوا بعضهم من
الحكماء والصالحين الذين كانوا يريدون إرشاد قومهم إلى طريق الحق ومعرفة الآخرة.
وقد قاد أفلاطونَ تفكيرُه إلى معرفة الألوهية والاعتراف بوجود إله واحد يدبر الكون
ويهيمن عليه، وقال بأن معرفة الإله واجبة على كل إنسان. وذكر ابن أبي أصيبعة في
كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" أن أفلاطون سئل عند موته عن
الدنيا فقال:"خرجت إليها مضطرا وعشت فيها متحيرا، وها أنا أخرج منها كارها
ولم أعلم فيها إلا أنني لم أعلم".
ومثال الكهف
الذي ساقه أفلاطون لا يمكن أن يكون عن غير تدبر في الأزمان السابقة عن زمنه
ومعرفته بأحوال الأنبياء والحكماء قبله، حيث كان الانزواء عن الناس في الأمم
السابقة في الكهوف والمغارات والجبال دلالة على الرغبة في تحصيل الحكمة ومعرفة
الحق أو الفرار بالدين من الشرك والوثنية والاضطهاد. ومن غير الممكن أن يختار أحد
كبار فلاسفة اليونان مثال الكهف لجعله
رمزا للدنيا والجهل بالألوهية والحق والخير والصدق والفضيلة إلا إذا كانت لديه
معرفة سابقة بأن الكهف له هذه الدلالات، فكان الكهف مثالا للدنيا التي هي مجرد وهم
ولهو ولعب، تنعكس على جداره صور الموجودات الحقيقية الموجودة في الملأ الأعلى.
ملاذ الفطرة من طغيان الحضارة
وإضافة إلى كهف
أفلاطون نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بلغ الأربعين كان يلجأ إلى غار
حراء للتبتل والتعبد، والغار عبارة عن كهف، وهناك نزل عليه الوحي مع جبريل عليه
السلام. ففي ظلمة الكهف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتفكر في الخلق وفي أمر
قومه ويتعبد الله إلى أن جاءه الوحي، ولم يكن الله سبحانه وتعالى ليختار له ذلك
المكان إلا لحكمة يعلمها هو.
ولعل الكهف يشير
إلى عزلة أهل الإيمان عن أهل الطغيان، وإلى الرجوع إلى الفطرة كلما انحرفت القيم
والمبادئ وطغت قيم المدنية والحداثة التي تحجب عن الإنسان رؤية الأصول وتمنعه من التأمل
في نفسه من أين جاء وإلى أين يمضي ومن رب هذا الكون الذي يتحرك فيعتقد الإنسان أنه
يتحرك بشكل ذاتي وفق قوانين علمية ليس وراءها محرك. فالكهف هو نداء الفطرة، وهو
المقابل للحضارة لأنه أول ما سكنه الإنسان قبل إقامة العمران. فقد اختار فتية الكهف
الهرب بدينهم من الحضارة الرومانية التي كانت أرقى الحضارات في زمنها، لم تغرهم
الملاهي والمسارح التي كانت تعرف بها الإمبراطورية، لأن حضارة الرومان المادية
ارتبطت باضطهاد أهل التوحيد والإيمان، ولعل في تلك المقارنة بين الكهف والحضارة
الرومانية دلالة بالغة على أن الحضارة المادية مهما اتسعت وتقدمت فإنها تظل مجرد
مواد أولية يضاف بعضها إلى بعض ما لم يكن هناك إقرار بالتوحيد، إذ مهما تطورت
الحضارة المادية فإن الإنسان يبقى نفس الإنسان على الدوام منذ أن خلقه الله، يحتاج
إلى ما يشد توازنه ويقيم نفسه ويحقق له الإشباع الروحي، ومهما كان تطور الحضارة
فإنها لن تستطيع إسعاف إنسان يتوجع على فقد قريب أو ضياع حبيب .
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً